أكتوبر.. فصول من رواية لم تنشر لرجائى الميرغنى

رجائي الميرغني
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

رجائي الميرغني

قبل دقائق من حدث العبور العظيم

6 اكتوبر 1973

عقربا الساعة على وشك الإلتحام فوق علامة الثانية عشرة ظهرا لحظة أن رأيتهم يهرولون قادمين من موقع المطبخ الميدانى للكتيبة فى طريق عودتهم الى الخنادق، لم تكن ساعة يدى تفرط فى التقديم أو التأخير، ولم أفقد احساسى بالزمن فى ساعات النهار، عاودت النظر إليهم من جديد، إنهم بالفعل أفراد “الطُلبة” يحملون حاويات “اليمك” المعدنية والبخار يتصاعد منها.. وجبة ساخنة فى هذه الساعة لمن؟! معظم العساكر صائمون، وموعد الإفطار لن يحل قبل ساعات، والمعتاد أن تقوم الطُلبة بإحضار الوجبة قبيل المغرب !

الإشارات تتابع وذهنى يكد فى قراءتها، بوصلة المنطق تدفعنى بشدة فى اتجاه الشرق، رؤية قوارب العبور المطاطية، التعجيل بالإفطار، كلها إشارات على التمهيد لحدث استثنائى وشيك، حدث يفك الزمن من قيوده لتبدأ عجلة التحولات العظام فى الدوران. الأفكار والحواس والمشاعر تتصالح داخلى للمرة الأولى وتتحفز بلا تردد لإستقبال الحدث الكبير، الحدث الذى استبطنه الشاويش مجدى منذ البدايات الأولى.. أين أنت الآن يامجدى لأشد على يديك وأقبّل وجناتك، لن أتردد ياصديقى فى الإعتراف لك بالسبق والخبرة، تهاوت كل طبقات الشك التى حجبت عنى الرؤية، وانكشف اليقين الذى فاضت به كلماتك وأمتلأ به قلبك، ولم يعد من حقى مجادلتك بعد الآن حتى لو تمسكت بندائك الشهير لى: يا مستجد.. تعجبت لنفسى التى اجتاحها شعور بالمكسب فى لحظة الإقرار بخسارة الرهان.

توالت الأحداث وأسلمت بعضها البعض فى استرسال فريد، أرسل الملازم عبداللطيف فى طلب أفراد الخدمة على عجل، غادرنا رؤوس الطرق والتحقنا برفاق الخندق، وجدناهم يتحلقون حول الملازم عبد اللطيف وهو يحاول إقناع الصائمين منا بالإفطار، لم يجد الضابط ما يبرر هذا التصرف سوى التلميح بالمجهود الذى ينتظرنا فى أى لحظة، استمر الصائمون على ترددهم فى الإستجابة لطلبه فمدّ يده الى قطعة بطاطس صغيرة من طعامنا وألقاها بحركة تمثيلية فى فمه أمام الجميع وأخذ يردد : ما تخافوش أنا اللى هاشيل ذنبكم قدام ربنا.

تصرف الملازم عبد اللطيف ببساطته المعهودة معنا، لكننا لاحظنا عينيه وهما تلمعان ببريق آسر لم نلمحه فيهما من قبل، ونبرات صوته المتعجلة وهو يؤكد على الإلتزام بأعلى درجات الإستعداد وعدم مغادرة الخنادق لأى سبب. فوّض الضابط “شاويشية” الفصيلة فى الإشراف على تفاصيل الإستعداد، وقبل أن يغادر الخندق ودّعنا بكلمات مؤثرة وموحية أيضا بما نحن مقبلون عليه: شدّوا حيلكم يارجّالة.. عشان نرفع راس البلد..

أعطى العساكر الأولوية للمعدات والشدّات قبل أن يفكر بعضهم فى التجاوب مع دعوة الملازم عبد اللطيف للإفطار المبكر، تيخا شغل نفسه بمخزون المياه لدى الفصيلة فراح يراجع جراكن الماء خلف شدّات رفاقه، لكنه تحسب للطوارىء فأضاف جركن مياه الى مهماته الشخصية وثبته بحزام حول شدّته، وحين تحرك قليلا بأثقاله بدا أشبه ببطريق يتأرجح فوق الجليد.

ظلت الوجوه والأنظار تتقلب بين مهمات القتال والفضاء الخارجى للخندق، الحركات متوترة وسريعة تشى بالجدية والتأهب للمهمة الوطنية التى ألمح إليها قائد الفصيلة دون تصريح، الكلمات مقتصدة وعملية لكنها تفصح عما يجول فى الخواطر. اسماعيل ” القناوى ” وضع رشاشه الخفيف بين ركبتيه وأخرج مُصحفه المذهّب وأخذ فى تلاوة القرآن الكريم، كامل يلوك مضغته الأسوانية بين شدقيه مسترسلا فى حال من التأمل الصوفى، بينما فؤاد الأطرش يُغرد خارج السرب متشاغلا عن اللحظة بحلاقة ذقنه.

فى زاوية الخندق قبع عادل يجفف وجهه بمنديل كاكى عريض ويرمق السماء بنظرة مستطلعة، أطلتُ النظر إليه فتذكرت أمانته فى جيب سترتى، دفعنى إحساس خفى الى التحرك إليه، صافحته وهمست فى أذنه :

– يلزمك أى حاجة؟

– تعيش.. تعيش وتفتكر الأمانه.

كان صوته يخرج هادئا وعميقا كعينيه التى احتوت وجهى بنظرة وادعة طويلة، أشرت بإصبعى الى جيب سترتى مرتين حتى يتأكد من أن خطابه يلازمنى وأننى لا أنساه. عدت الى موضعى الأول فعاد عادل بنظراته الزائغة الى الفضاء البعيد.

أخرجت علبة الدخان السائب وورق اللف وبَرمت سيجارة يدوية الصنع، حُكم الضرورة كما قال صاحب الحانوت العجوز فى سرابيوم، أخرجت عود ثقاب وهممت بإشعال لفافة الدخان، وياللعجب، فقد سبقتنى السماء واشتعلت بالمفاجآت.

****

مهمتى الأولى فى حدث العبور

كان على الملازم عبد اللطيف أن يتصرف بأقصى سرعة فى اللحظات التى ننتظر فيها الأمر بالعبور، لم يكن هناك متسع من الوقت لأعرف السبب فى تكليفى فجأة بمهمة قيادة عربة جر محملة بالذخيرة برفقة فردين من أفراد الفصيلة، اكتفى الضابط بنظرة لا تخلو من الإعتذار وأبلغنى بالأمر: معاك اسكندر والعسكرى المستجد، حصّلونا بالذخيرة فى قارب النسق التانى.. انت الحكمدار.. مفهوم.

أحسست بالضيق للحظات لكن سيف الوقت كان على رؤوس الجميع، كانت لحظة العبور ذاتها أعظم وأهم من مسألة مشاركتى فى النسق الأول للعبور مع الفصيلة، أو ملاحقتها بعربة جر تحمل ذخيرة القتال، قلت لنفسى.. فى كل الأحوال ستكون ضمن الموجة الأولى من العابرين، ومع ذلك فقد كشفت الدقائق التى تلت استلام العربة والذخيرة عن أعباء هذه المهمة ومفاجآتها أيضا.

وقف اسكندر متأبطا رشاشه الخفيف الى جوار جندى أسمر بلا خوذة أو سلاح وخلفهما عربة الجر، مال اسكندر نحو أذنى وهو يغمغم فى استنكار : اسمه نجيب ووصل من يومين من مركز التدريب مباشرة على الجبهة.. تفحصته بنظره فأخذتنى الدهشة لوقوفه مجردا من السلاح والمهمات، سألته : فين سلاحك يانجيب؟ فأجابنى بلا وجل : ما حدش سلّمنى حاجة. بدا الأمر محيرا وغريبا.. ما الذى أتى بهذا الفتى المستجد من الدار الى النار؟ وكيف يخوض حربا بلا سلاح، ووسط أناس لا يكاد يعرفهم أويعرفونه؟ أشفقت عليه لكننى تجاوزت الأمر بسرعة وربتٌ على كتف اسكندر وأنا أتمتم : البركة فى رشاشك الخفيف، نظر اسكندر الى رشاشه المتدلى من كتفه نظرة مُحبطة قبل أن يباغتنى بالقول: ماتعملش حسابه يادفعه.. سألته مصدوما بالإجابة عن السبب فأخبرنى أن “الحربى” إنحشر فى ماسورة الرشاش أثناء قيامه بتنظيفه فى الظهيرة وأن محاولات زملائه بالفصيلة لسحب القضيب الحديدى الذى يستخدم فى التنظيف باءت بالفشل. عند هذه اللحظة بدأت أستشعر تبعات الصدفة التى أدت الى اختيارى لقيادة عربة جر بصحبة اسكندر برشاشه المعطل ونجيب الذى دُفع الى الميدان مجردا من السلاح والمهمات.

انتقلت الى عربة الجر التى يسحبانها لأجد فى انتظارى مفاجأة إضافية.. ياالله.. إنها عربة أخرى مختلفة تماما عن تلك التى عرفناها فى مشروعات التدريب، العربة العالقة فى الذاكرة كانت لها هيئة مستطيلة وذات عجلات أربع، أما الماثلة أمامى فهى أقرب الى المُربّعة ولها عجلتان اثنتان، العربة الأولى بنية اللون متصلة بمقود حديدى طويل، والثانية صفراء بيدين معدنيتين قصيرتين وحامل حديدى يقترب من الأرض لحفظ التوازن، استدعت مخيلتى صورة عربة ” الجيلاتى ” التى تطوف بالأحياء الشعبية. ولم يكن هناك مفر من امتصاص هذه الصدمة أيضا والتعامل مع كل المفاجآت، قلت لنفسى لا بأس، كلها عربات تقوم بالغرض، المهم هو الذخيرة التى تحملها، ثلاثة صناديق خشبية تحوى الآلاف من طلقات الرشاش والبنادق سنكون فى أمس الحاجة إليها.

دفعنا العربة الى أقرب مسافة من نقطة العبور المخصصة للفصيلة، بدأت فى استعادة التركيز فيما حولى من جديد، لاحظت تغييرا فى وتيرة القصف المدفعى والأصداء التى يخلّفها فى الأذن، رجّحت أن تكون مدفعيتنا الثقيلة وصواريخنا بعيدة المدى قد بدأت قصف الأهداف البعيدة للعدو بعد خلو السماء من طائراتنا التى انهت مهمتها وعادت الى قواعدها، معنى ذلك أن فقرة التمهيد النيرانى قد أوشكت على الإكتمال، وأننا نقترب من فقرة اقتحام المانع المائى والعبور الى سيناء، كل الأجسام الملفوفة بشدّات القتال تتحفز لسماع أعظم الأوامر العسكرية على الإطلاق : أُعبر.

***

العبور العظيم 

انطلق نداء العبور فصار الحُلم حقيقة ملء العين، قوارب المطاط تنزلق وتعانق الماء بامتداد القناة.. طوفان من المقاتلين بِشدّاتهم وأسلحتهم ينفلت من قيود المكان والزمان ويتدفق كالإعصار داخل القوارب، أفراد المشاة وأطقم الرشاشات يلتحمون موجهين أسلحتهم صوب الشرق، وأفراد القوارب يدفعونها للأمام قبل أن يقفزوا إليها لقيادتها الى بر سيناء، صفحة القناة تغادر صمتها الطويل على وقع المجاديف الخشبية وصيحات التكبير التى تفجّرت كالينابيع من أعماق الروح المصرية.

صفحة الماء تفيض بدوامات من القوارب المحمّلة بخير أجناد الأرض، والتيارات البحرية من خلفها تعلن عودة الروح الى القناة، لاوجود للحرائق التى هدد العدو بإشعالها فوق الماء ليحول دون التئام الضفتين، مصر كلها تخرج من عباءة الصبر والإنتظار وتصحح التاريخ، وجيشها يمسك بزمام المبادرة ويفرض على عدوه الغياب بقوة المفاجأة وصدمة البداية.

إلهامات اللحظة تسطع فى مرايا نفسى، الجميع ينتظرون بلهفة دورهم فى العبور وعيونهم مشدودة الى مواكب المجد والتحدى وهى تقترب بثبات من حافة الأمل، أول القوارب يلامس خط الوصول ويلتحم برمال سيناء، نتوهج عن بعد وتفيض أعيننا بالدمع من شدة التاثر، وصلت القوارب بين الضفتين وانتهى الفراق ما بين الأرضين.

توالى وصول القوارب الى مراسيها على الشط الآخر، المئات من جنود المشاه يترجّلون ويشرعون فى تفريغ حمولتها من المهمات والعتاد القتالى، والعشرات منهم يسارعون بحمل لفائف السلالم المجدولة بالحبال ويهرولون بها فى إتجاه الساتر الترابى، الكل فى واحد والواحد للكل.

طلائع العبور تبدأ مرحلة جديدة من السباق، الأكتاف والأيدى تتشبث بسلالم الحبال الملفوفة وتتسلق الساتر لتثبيتها أطرافها فوق أعلى نقطة من جسمه، الصاعدون يصارعون الآن قوة الجاذبية وزوايا الميل الرأسية للساتر التى تقاوم زحفهم نحو القمة، لكن أقدامهم العنيدة المدربة سرعان ما تنجح فى كسر إرادة المانع الترابى، ثلة من الصاعدين تتجه رافعة علم مصر الى أعلى نقطة فى ساتر خط بارليف، وهاهو الآن يخفق فى عنان السماء ويخطف الأبصار بألوانه الزاهية.

ثبّت الصاعدون أطراف السلالم بأوتاد حديدية عند قمة الساتر، ثم راحوا يدفعون لفائف الحبال بأيديهم الى أسفل، تدحرجت السلالم وانبسطت الى أن وصلت الى السفح. مصاعد الحبال جاهزة الآن لإستقبال المقاتلين ومعداتهم الثقيلة، وهكذا أصبح الصعود الى قمة الساتر ممهدا لكل أفواج العابرين وموجات العبور. اكتملت ملامح المشهد المُظفّر المهيب فى قطاع الكتيبة 16.

النسق الأول من الموجة الأولى يعتلى الآن قمم الساتر ويتأهب للتقدم فى العمق فور وصول بقية الأنساق، لا أثر حتى اللحظة لقوات العدو أو لأسلحته التى توعّدنا بها، لا نابالم مُحرق على صفحة القناة، ولا احتياطى قريب للعدو يسبقنا الى الساتر، لاشىء سوى الغياب والصدمة التى أحدثتها ضربتنا الجوية المباغتة وتمهيدنا المدفعى الكثيف.. إنها ساعة الحقيقة تدق فى يوم الحساب.

***

لحظات العبور 

انشقت السماء عنها فى لمحة بصر، وخلال ثوان معدودة تهتّك غلاف الجو وارتجّت الأرض.. طائراتنا الحربية النفاثة تمرق فوق رؤوسنا من الغرب فى اتجاه سيناء، طيف يتجسّد للحظات أمام العيون الذاهلة، ويدفع الدماء فى العروق والكبرياء فى المشاعر.. الله أكبر.. الله أكبر رعدت من أعماق الصدور وانطلقت عفوية من كل الحناجر، الله أكبر تلاحق الطائرات، وأصداء أزيزها ترجّع فى الآذان، الأعين تحاول أن تقبض على ما رأت، تتشبث بأهداب النار والدخان التى خلفتها طائرتان من سلاحنا الجوى، قاذفة قنابل ثقيلة من طراز سوخوى فى حراسة مقاتلة إعتراضية من طراز ميج 21، الطائرتان تعبران خط المواجهة على ارتفاع منخفض للإفلات من رادارات العدو وتغيبان عن الأنظار، لكنهما لم يختفيا عن شريط المخيّلة التى أكملت المشهد، وتعقبتهما الى حيث يُفرغان غضب السنين والأيام فوق مواقع العدو.

نسور الجو يشعلون فتيل المفاجأة الكبرى، ويبددون غيوم الشك وظلال الصمت الطويل، ينابيع الفرح تتفجر تباعا فى صحارى النفوس التى كابدت جراح الوطن، عساكر الجبهة يغادرون خنادق الدفاع ويتدفقون كروافد السيول الى حافة القناة، فاضت مشاعر البعض فأخذ يرقص بالبنادق أو يرفع الخوذات فى الهواء لأعلى مايستطيع، دقائق ليست فى الحسبان، ومشاعر خارج نطاق السيطرة، نداءات حثيثة من قادة وشاويشية الفصائل لتغليب الإحساس بالواجب فى هذه اللحظات، وعودة جماعية الى قاعدة الهجوم لتنظيم الصفوف وترتيب الأدوار.

تبادلنا الأحضان ونحن نُلملم انفعالاتنا ومهماتنا فى الخنادق، ولم نكد حتى اهتزت الأجواء من جديد على وقع قصف مدفعى مباغت ومدوِّ بامتداد أرجاء الجبهة.. مدفعياتنا الثقيلة تتسلم زمام الموقف وتوجه حمم نيرانها صوب مواقع العدو فى خط بارليف وماخلفه، أسلحة الضرب المباشر بمختلف تشكيلاتها وعياراتها تضرب من مكامنها بلا انقطاع وبلا هوادة، وتستكمل مهمة التمهيد النيرانى الذى افتتحه طيراننا الحربى قبل قليل، مشهد افتتاحى ساخن وملتهب يمهّد الأرض لكل أسلحة القتال وكل فئات المقاتلين. موجات صوتية متلاطمة تتخللها صيحات تكبيرنا وتهليلنا، منظومة سمعية فريدة تُطرب الآذان، وتسيل دموع الفرحة على وجوه المقاتلين وهم يتأهبون للقيام بأدوارهم فور انتهاء المشهد الإفتتاحى الجليل.

صدر الأمر بالتحرك فتقدمنا بخفة ودون جلبة الى حافة القناة، انقسمت الفصيلة الى ثلاث جماعات توجهت كل واحدة منها الى النقطة المحددة لها على ضفة القناة، كان أفراد القوارب يسحبون القوارب المطاطية بعد نفخها بالهواء الى حافة الماء، وكانت أصوات الدانات لا تزال تجلجل فى الآذان وهى تنهال على تحصينات ومراكز العدو القريبة، آذاننا تتابع أصداء إرتطامها بهذه المواقع وأعيننا تتابع ما تخلّفه من دخان أسود متصاعد فى الأفق، وسيناء تقترب رويدا رويدا وتتجسد فى مُقل العيون وحبّات القلوب.

أفراد المشاة الذين يشكلون النسق الأول من الموجة الأولى للعبور جاهزون بأسلحتهم وشدّاتهم فى انتظار اللحظة الفارقة. أحسست بتغيير فى وتيرة القصف المدفعى وأصدائه، رجّحت أن تكون مدفعيتنا الثقيلة وصواريخنا بعيدة المدى قد بدأت قصف الأهداف الأبعد بعد خلو السماء من طائراتنا وعودتها الى قواعدها، اقتربت لحظة التحدى والمواجهة المباشرة لقوات العدو، لحظة اقتحام المانع المائى والعبور، كل الأجسام الملفوفة بشدّات القتال تتحفز لسماع أعظم الأوامر العسكرية على الإطلاق : أُعبر.

انطلق نداء العبور فتحول الحلم الى حقيقة، قوارب المطاط تنزلق الى الماء بامتداد القناة.. طوفان بشرى من المقاتلين بشداتهم وأسلحتهم ينفلت من قيود المكان والزمان ويتدفق بقوة العزم على تحقيق النصر، أفراد المشاة وأطقم الرشاشات يلتحمون داخل القوارب وأسلحتهم مرفوعة فى اتجاه الشرق، وأفراد القوارب يدفعونها للأمام ثم يقفزون فوقها لقيادتها الى بر سيناء، صفحة القناة تغادر صمتها الطويل على وقع المجاديف الخشبية وصيحات التكبير التى تفجّرت كالينابيع من أعماق الروح المصرية.

صفحة الماء تفيض بدوامات من القوارب المحمّلة بخير أجناد الأرض، والتيارات البحرية من خلفهم تعلن عودة النبض والحياة الى القناة، لاوجود لنيران النابالم التى هدد العدو بإشعالها فوق الماء ليحول دون التئام الضفتين، مصر كلها تخرج من عباءة الصبر والإنتظار وتعيد تصحيح التاريخ، وجيشها يمسك بزمام المبادرة ويفرض على عدوه الغياب بقوة المفاجأة وصدمة البداية.

إلهامات اللحظة تسطع فى مرايا نفسى، وعيونى وعيون كل المنتظرين لأدوارهم فى العبور مشدودة الى سباق المجد والتحدى وهو يقترب بثبات من حافة الأمل، أول القوارب يلامس خط الوصول ويلتحم برمال سيناء، نتوهج عن بعد وتفيض أعيننا بالدمع من شدة التاثر، وصل القارب مابين الضفتين وانتهى الفراق مابين الأرضين. توالى وصول القوارب الى مراسيها على الشط الآخر، المئات من جنود المشاه يترجّلون ويشرعون فى تفريغ حمولتها من المهمات والعتاد القتالى، وعشرات يسارعون بحمل لفائف السلالم المجدولة بالحبال ويهرولون بها فى إتجاه الساتر الترابى، الكل فى واحد والواحد للكل.

طلائع العبور تبدأ مرحلة جديدة من السباق، الأكتاف والأيدى تتشبث بسلالم الحبال وتتسلق الساتر لتثبيت أطرافها فوق أعلى نقطة من جسمه، الصاعدون يصارعون الآن قوة الجاذبية وزوايا الميل الرأسية للساتر التى تقاوم زحفهم نحو القمة، لكن أقدامهم العنيدة المدربة لا تلبث أن تنتصر على المانع الترابى، ثلة من الصاعدين تتجه بعلم مصر الى أعلى نقطة فى ساتر خط بارليف، علم مصر يرتفع بألوانه الزاهية ويخفق فى عنان السماء.

***

حفرتى الأولى على أرض سيناء

رسمتُ دائرة بِطرف الكوريك فى البقعة التى حددها شاويش الفصيلة بمحازاة حُفر زملائى، وشرعت فى تجريف الرمال لإعداد حفرتى الأولى على أرض سيناء، تذكرت تلقائيا قائمة طويلة من أعمال الحفر التى قمت بها فى ظروف وأوضاع مختلفة بالجبهة ومع أنواع عديدة من التربة.. قبل العبور كنت وزملائى بالسرية نردد مقولة ” الحفر من شيّم المشاة ” التى تعنى أن فرد المشاة حفّار بطبعه، لكن الحقيقة أن الحفر كان وسيظل من خصال المصريين عبر الأجيال، أليسوا هم أول من أعاد تشكيل الجغرافيا لبناء التاريخ، الأسلاف العظام شقوا الترع والمصارف وحفروا المعابد فى صخر الجبل، الأجداد حفروا قناة السويس والآباء حوّلوا مجرى النهر وأقاموا السد، أما أحفادهم فقد قاموا بالأمس وخلال ساعات بتقطيع أوصال ساتر بارليف الترابى الذى شيدته الروافع والأوناش الضخمة فى سنوات، واليوم نشق خطًا من الحُفر والخنادق لتصل بين رؤوس الجسور التى أنشاتها قواتنا بامتداد الضفة الشرقية للقناة، تاريخ جديد نحفره بالمعاول والبنادق وعزيمة الرجال.

إحساسى بالحفر فى أرض سيناء استدعى صورا ودلالات لم تخطر ببالى من قبل، ضربات الكوريك الأولى بدت أقرب ما تكون الى توقيعى الشخصى لعقد ملكية هذه القطعة العزيزة من أرض الوطن، أو ربما شهادة استحقاق لكل ذرة رمل من رمالها، لم تعد المسألة مجرد إعداد حفرة برميلية أو اسطوانية لغرض الحماية والدفاع فى المناطق المكشوفة كما كنا نفعل، الحفرة الآن أصبحت علامة على الطريق ونقطة إنطلاق نحو الهدف الكبير، وهى أيضا إسهامنا المتواضع فى كتابة تاريخ جديد لأم الدنيا.

توزعت تأملاتى فى مسالك الفكرة فيما كانت يدى القابضة على الكوريك تشتبك مع التربة لتعميق الحفرة. شمّرت عن ذراعىّ للوصول الى عمق المتر ونصف المتر الذى يضمن تغطية الجسم الى مستوى الأكتاف ومراعاة المحيط المناسب للحركة داخل الحفرة والذى يصل فى العادة الى نصف مسافة العمق، ومع ذلك تبقى مسألة الأعماق والأبعاد من المسائل التقريبية التى تقبل الزيادة والنقصان بحسب أطوال وأحجام الجنود؛ فحفرة “عطا” أطول فرد فى الفصيلة تحتاج لعمق يقترب من طول برميلين، بعكس “تيخا” الأقصر والأسمن الذى يحوّر حفرته لتصبح أشبه بـ ” قزان اليمك ” فى مطبخ الكتيبة.

اعتدلت قليلا لإلتقاط الأنفاس وإراحة الظهر، احتسيت جرعة ماء من الجركن الدافىء وأنا أتطلع ببصرى الى الأفق المفتوح بلا حواجز أو موانع.. سيناء تتخلص من قيود الأسر والإحتلال مع كل خطوة نخطوها للأمام وكل طلقة نصوبها الى الهدف، والعدو عاجز عن زحرحة قواتنا التى تتكاثر وتتلاحم ساعة بعد ساعة فى ميادين القتال.. ساءلت نفسى : ترى كم تطول وقفتنا التعبوية فى هذا المكان، ومتى نبدأ فى استغلال ارتباك العدو فى التقدم من أطراف سيناء الى عمقها؟ لم تكن لدى إجابة بالطبع، القيادة وحدها هى التى تملك تقدير الأسباب التكتيكية والميدانية التى تستلزم هذه الوقفة، وهى التى تعرف مدى حاجة قواتنا لتجميع عناصر القوة أو إعادة تنظيمها فى هذه اللحظة، ومع ذلك ظل إحساسى بإنفتاح سيناء أمام عينى وفشل الهجمات المضادة للعدو يغريانى بالتفكير فيما بعد العبور وإقامة رؤوس الكبارى بامتداد الضفة الشرقية للقناة. استرجعت مراحل آخر مشروع ميدانى شاركنا فيه قبل الحرب، كانت مهمتنا الأولى تنتهى بإحتلال وتأمين خط التقدم، وبعد مرور وقت افتراضى تبدأ قواتنا فى تنفيذ المهمة التالية وهى تطوير الهجوم فى إتجاه المضائق الجبلية بوسط سيناء وانتزاع السيطرة عليها من قوات العدو، ومن ثم إجباره على التراجع الى الصحراء المكشوفة خلف المضائق، فهل تجرى الأمور فى الميدان الحقيقى على هذا النحو؟

هدأت حركة ساعدىّ عندما غطت الحفرة جسمى ولم يعد ظاهرا سوى رأسى وكتفىّ فوق سطح الأرض، تطلعتُ الى ما حولى بنظرات راضية فلمحته عن بعد يسأل زملاء الفصيلة عن مكانى، بدوى، بلدياتى وزميلى من فصيلة مدافع الماكينة، ناديته فرحا فأقبل ناحيتى وانحنى لتقبيلى بحرارة ثم جلس القرفصاء الى جانبى. أخبرنى بدوى أنه كان قلقا علىّ وأنه يبحث عن مكانى منذ أن علم بوصولى سالما، رويت له تفاصيل قصتى الإستثنائية مع العبور وحكى لى ما صادفه وطاقم المدفع من أحداث.

مدّ بدوى يده وأزال بعضا من حبّات الرمال التى تجمّعت فوق سترتى، ثم حانت منه التفاتة متفحصة للحفرة بعد أن كدت أنتهى من تعميقها فبادرنى بالسؤال :

ـ انت ناوى تقضّى الليلة واقف؟

لم أفهم ما قصده من سؤاله.. نظرت الى أسفل الحفرة وعدت إليه متسائلا بدهشة :

ـ مالها الحفرة.. برميلية ذى الكتاب ما بيقول

وافقنى بدوى على أنها برميلية بالفعل، لكنه أضاف أن القائد طلب من الجميع تحويلها الى حُفر أرنبية، ثم زاد الأمر إيضاحا وهو يشير الى قاع حفرتى:

ـ يعنى زى ماعملت حساب وقفتك فى الحفرة، لازم تعمل حساب قعدتك جواها وقت النوم.. يبقى لازم تحفر لقدام 50 سنتى جُحر أرنب عشان تعرف تمد رجليك

قاطعته ضاحكا:

ـ فهمت يا دُفعه.. مفيش مشكله، زى ما برملناها نأرنبها.

رجائى الميرغنى ــ 7 أكتوبر 1973

***

أول شهداء كتيبتى

أطلقت دباباتنا دفعة من قذائفها فى اتجاه الوجهة التى نتقدم إليها، اقتحم دوىّ القذائف المفاجىء آذاننا ووخزها بقسوة فسارعنا الى سدها بالأكف، كانت المرة الأولى التى أتابع فيها إطلاق دانة دبابة وهى تسبقنا ببضعة أمتار، مع تكرار القصف ومرور الوقت صار الدوىّ جزءا من إيقاع التحرك، لم نعد دخلاء أو متفرجين على المشهد بعد أن حصلنا على الجرعة الضرورية من “تطعيم المعركة” بالتعبير العسكرى المستوحى من القاموس الطبى، والذى يشير الى أن الجنود لايتحولون الى مقاتلين إلا بعد تعرضهم لأجواء الحرب، والحرب مستودع حافل بكل أنواع الضجيج ودرجات الصخب.

لم تظهر أية ملامح لأى أهداف معادية على مدى الرؤية، لا دبابات أو مجنزرات أو جنود، ومع ذلك لم تتوقف دباباتنا عن تمشيط مجال تقدم الكتيبة بقذائف شديدة الإنفجار، ربما كان الهدف من ذلك توصيل رسالة لأى تجمعات محتملة لأفراد العدو، إنذار مختصر يقول لهم بأعلى صوت: أصحاب الأرض قادمون، اخلوا الساحة أو واجهوا المصير، بينما كانت الرسالة فى ذات الوقت ترفع إحساس أفراد المشاة المندفعين وراء الدبابات بالثقة والثبات.

مضى مايزيد على الساعة من المسير وبعدها انفتح الطريق على مسطح مترام من الأراضى الرملية التى تتخللها بقع خضراء داكنة من العشب البرى، أحسست بالإرتياح لظهور ذلك العشب فى مشهد الخلاء الصحراوى، فالتفاصيل حتى لو كانت صغيرة تكسر الإحساس بالوحشة والتكرار، لكننا لم نمض بعيدا فى هذه المنطقة بعد أن تلقينا أمرا جديدا بالتوقف والإنتظار.

ظهر قائد السرية الرائد حسن ومساعده النقيب سميح وضابط من قادة المدرعات، اجتازوا النسق الأول من التشكيل الهجومى وهم يتطلعون الى الفضاء المقابل بنظارات مكبرة، تبادلوا حديثا قصيرا ثم انسحبوا للخلف، بعد قليل تقدم أفراد من المساحة العسكرية بمعدات قياس المسافات والزوايا وراحوا يدققون فى الإحداثيات ويسجلون بعض البيانات.

لم يترك على الناضورجى فرصة وجوده على مقربة من الضباط دون أن يخرج بمعلومة يفاجئنا بها، تنصّت قليلا لما تيسر من حديثهم ثم عاد الينا بحصيلة ما سمع. قال الناضورجى إنه لم يفهم الكثير من كلام الضباط وهم يتجادلون حول المواقع والإتجاهات، الشيىء الوحيد الذى استخلصه هو أن الكتيبة سوف تواصل التحرك الى الحد الأيسر لقرية الجلاء. لم يكن أحد منا قد سمع عن هذه القرية من قبل، بل إن البعض أبدى دهشته لوجود قرية فى مثل هذه المنطقة الصحراوية، ومع ذلك فقد كانت هذه المعلومة أول ثغرة فى جدار الغموض الذى يحيط بثالث مهمة كبيرة تقوم بها الكتيبة بعد العبور واحتلال رؤوس الكبارى.

عادت الدبابات تطوى الأرض ونحن فى أعقابها من جديد، توزعت الأذهان بين التركيز فى المهمة والتفكير فى قرية الجلاء التى بقيت بالنسبة لنا مجرد اسم بلا مدلول، شفرة التقطها الناضورجى وعجزنا عن حلها، بالطبع كان القادة يعلمون ماخفى علينا لكنهم، كالعادة، يحتفظون بالحق فى اختيار التوقيت المناسب للإفصاح، على الرغم من أننا جميعا نمشى على نفس الطريق ونواجه نفس التحديات.

اضطربت الحركة فجأة فى الصفوف الخلفية.. التفتنا الى الوراء لإستطلاع الأمر، حجب الغبار الكثيف مجال الرؤية للحظات، ثم ظهر الاومباشى صبرى بوجه مكفهر وعينين دامعتين، وقبل أن يفكر أحد فى سؤاله عما حدث كانت الألسنة المنزعجة من خلفه تنطق بالجواب.. عادل استشهد.. عادل بسطروس استشهد. سقط على الأرض فجأة، أصابه طلق طائش فى مقتل. تسمّرت من الذهول فى مكانى، ثم وجدتنى اندفع عدوا الى الوراء، ربما لأننى لم أستطع تصديق ماحدث، وربما لأننى تمنيت أن أودّعه ولو بنظرة.. لكن عادل كان يمعن فى البعد بينما كانت عشرات الأقدام تتخطاه وتتخطانى للأمام.. تعثرتُ مابين رغبتى فى الرجوع إليه وخوفى من الإخلال بواجبى فى التشكيل، انشطرت الى نصفين، نصف يتحرّق للإقتراب منه والآخر مُجبر على الإبتعاد.

إمتلأ كيانى بنحيب مخيف وأنا أترنح للحاق بموقعى بين زملائى فى النسق الأول، انحدرت الدموع حارة على وجهى فيما كانت الأسئلة الأليمة تتلاطم فى أعماقى.. لماذا الآن ياعادل؟! لماذا تخليت عن سربك أيها الوديع كالطيور التى صادقتها وأحبتك وتركتنا نتقدم للأمام دونك؟ لماذا أسرعت بقبول دعوة الموت ولم تصارع معنا من أجل الحياة؟ ليتنى رفضت حمل وصيتك الأخيرة ولم أتماه معك فى استسلامك للمقدور، ليتنى ما فعلت فلربما اختلفت الأقدار.

غامت تفاصيل ما حولى فى عينَّى وتركت قيادى لقدمين تتابعان خطى الآخرين، ولم أُفق إلا وقد أدركنا المغيب عندما صدرت أوامر القيادة بالتوقف وانتظار تعليمات الإنتشار على خط التقدم.

التأم جمع من أفراد الفصيلة وتبادلوا كلمات حزينة عن صدمتهم لرحيل عادل شهيد فصيلتنا وأول شهداء الكتيبة، نعوا حظه القليل فى الحياة والموت، اختلطت كلماتهم الموجوعة بأصداء صوت نائح لطائر ليلى شارد، لعلّه ينوب عن معاشر الطيور فى رثائه، أو ربما فى الإعتذار عن غيابها لحظة رحيله، كان عادل نفسه هو من نبهنى الى أن سماء الحرب لن تكون ملكوتا لأى طير، وكأنه كان يلتمس لها العذر مقدما عن الغياب ساعة رحيله بعد أن استشعر مثلها هبوب العاصفة قبل أن تكشر عن أنيابها المُهلكة.. ليتنى فهمت ذلك عندما اختارنى قبل أيام قلائل لحمل رسالته الأخيرة التى سطرها الى أمه، أو خلال الأوقات التى ذكّرنى فيها بتوصيل الرسالة التى لم تبرح جيب سترتى، تلك الأمانة التى تلامس الآن موضع قلبى الذى يتفطّر أسى عليه.

أيها المتسرع العجول.. لك عهدى من جديد، سأذهب برسالتك الى حيث أردت، وإن لم أفعل فاقبل مقدما اعتذارى، فربما تعرف ساعتها أن الموت الذى انتزعك قد شاء أن يضمنى الى جوارك.

 

رجائى الميرغنى ــ 8 أكتوبر 1973

 

مقالات من نفس القسم