أعود .. أو لا أعود

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة .. زكريا عبد الحميد

- أعود , أو ..

وتلاشت الكلمة الأخيرة بين شفتيه , وهز رأسه هزة غامضة مقلدا دون قصد لازمة من لازمات سنوات شبابه.

* ما وراءك هزيمة أخرى مستجدة؟.

- لا .

* لماذا التفكير في الخلود إلى الإسكندرية إذن ؟ , ففي حدود علمي – كصديق لا كراو – أنك من شبابك إلى كهولتك كلما دهمتك خيبة أو أزمة مصيرية تكون عروس البحر هي السلوى لنشدان العزاء.

* أنا من سنوات أصارع التردد في هجر القاهرة والعودة إلى الإسكندرية.

* سأفترض أنني لم أسمع شيئاً , لكن ألم تعود إليها بعد رسوبك في الإختبارات الشفوية للقبول بمعهد السينما زمن الشباب .

– كنت توظفت عامذاك فطلبت النقل إليها .

* ثم سرعان ما عدت إلى القاهرة بعد عامين فقط , ألهذا علاقة بأزمة حبك الخائب لزميلة الوظيفة السكندرية ؟

– ليس تماماً , لأنني من الأساس كنت انتويت وقتها المكوث في الإسكندرية لفترة قصيرة من الزمن , ربما لنشدان العزاء كما آشرت.

وهو ما شعر بالحاجة إليه مراراً على مدار السنوات المتعاقبة وبوجه قهار من 4 أعوام مع انسحابه من الساحة القاهرية – كناقد وسينمائي – ظل لأكثر من ثلاثة عقود – محلك سر – ضمن البرزخ الفاصل الواصل بين الهواية والإحتراف , لولا أن جاءته نفحة من نقود التأمينات بحكم من المحكمة الدستورية العليا هو وأقرانه من ذوي المعاش المبكر , فآثر التريث والاستمرار في القاهرة لحين تدوين طرف من سيرته الذاتية , أملاً في إحتراف الكتابة الأدبية.

– كلام غير دقيق , فأنا من عام 2005 بعد انتهائي من كتابة مخطوطة (قبل اختفاء “ز”) ثم شروعي في كتابة (فصيص الفصوص في نزوحات “ذهول” ) عددت نفسي ضيفاً على ساحة الكتابة الأدبية.

* وها أنت بعدما رُفض استضافتك , أعنى بعد فشلك في العثور على ناشر لهما.

– لا تنسى أن أزمة النشر مشكلة عامة , يعانيها الجميع باستثناء الأسماء الشهيرة المتداولة , وبعضا ممن لديهم المقدرة المادية للنشر على حسابهم الخاص.

* وهو ما توفر لك عندما طبعت مائة نسخة من (قبل اختفاء “ز”) على نفقتك الخاصة , ثم فشلت في تسويقها.

– قل أحجمت عن توزيعها , بعد أن نبهني مشكوراً صديق وزميل بواحدة من الجمعيات السينمائية التي كنت عضوا بها إلى غلطة عدم قيامي بالمراجعة الواجبة للكتاب بواسطة مصحح لغوي متخصص كما يفعل الجميع.

* وماذا عن رد الفعل  السلبي للنسخ . الـ 20 التي وزعتها بالفعل قبل أن ينبهك الزميل للفضيحة التي ارتكبتها في حق اللغة العربية بهذا الكتاب أو الرواية بقول أدق ؟.

– كانت  غلطة ودفعت ثمنها من قوت يومي .

* أفضل أن أكون صريحاً معك , بل هي هزيمة بكل المقاييس , خاصة بعدما وضح لك في مفارقة هزلية مأسوية عجزك عن امتلاك ناصية اللغة نحوياً , وهو أساس جوهري لأية كتابة أدبية .

– لكن ثمة من أمتدح تميز لغة الكتاب وفصاحتها.

* قصدك تفاصحها وتقعرها , وهذه هي المفارقة الهزلية يا عزيزي , تقعر وتثاقف من جهة وعجز نحوي من جهة أخرى , والنتيجة كتابة غير صالحة سوى للنخبة المثقفة وليس القارئ العام كما هو خليق بكل كتابة أدبية حقة.

– الحقيقة أن عقلي مع الاستمرار في القاهرة , لكن قلبي دائماً مع العودة إلى  الإسكندرية.

* الحقيقة أنه رغم فارق الزمان والفروق الشخصية الأخرى بينك وبين بطل “السمان والخريف” , إلا أنه توجدت تشابهات أيضاً.

– تراني أعيش عيشة الأعيان !, أم أنني من المسيسين دون علمي !؟ , أم لمجرد أن كلانا الإسكندرية بالنسبه له الملجأ والمفر ؟ , عموما فيما يخصني الكهولة هي التي تجعلني عاما بعد آخر ازداد غربة وبعدا عن المحيط العام.

* وشارع سعد زغلول هذا , أليس من أحب الشوارع السكندرية إلى قلبك ؟ .

– ربما لأن زميلة الوظيفة السكندرية لم تتزحزح من قلبي رغم الـ 35 عاماً المنقضية.

* وكان كذلك بالنسبة له “ شارعه الخاص على وجه ما , ويحب كثيرا أن يقطعه ولو مرة كل يوم جيئة وذهابا , ليناجي فيض الذكريات” (1) , مع اختلاف فيض الذكريات بينكما بالطبع.

وأجال بصره في ميدان محطة الرمل الذي يحبه كذلك حبا جما كبطل “السمان..” ثم همس مثله وهو يتنشق في الجو عبير الذكريات السكندرية مع هبوب نسمة مرطبة ببرودة حنونة منعشة.

-“  لولا احساسنا المرضي بالمستقبل لما أزعجنا شيء ” (2)

* وبالمثل لولا أن بطل “السمان …” الوفدي الثوري اساء استخدام وظيفته كمدير لمكتب الوزير بتلقيه الرشاوي والهدايا , بما أوجب عزله ضمن حملات التطهير التي قام بها نظام يوليو الجديد آنذاك , لكان ضحية مائة في المائة لتبدل سلطة الحكم في 1952 .

– وما وجه المقارنة هنا بالنسبة لي ؟ .

* أنت أيضاً بقدر ما كنت أحد ضحايا الإنقلاب الذي حدث في السينما المصرية عام 96 مع تسيد ما سمى بالموجة الشبابية لنجوم الكوميديا الجدد للساحة من وقتها للآن , بقدر ما أسأت لنفسك وجنيت عليها كذلك.

وتجاذبته خواطر متناقضة على ما يبدو , وغلب عليه التشتت الخليق بمن يكابد حسرات الهزيمة , ثم تمتم متسائلا .

– كيف لم يرد هذا الخاطر على ذهني ؟ , بالفعل أنا عمريا كنت محسوبا على الأجيال السينمائية القديمة وقتذاك , بينما ميدانياً مفترض أنني من الجدد المبتدئين بالساحة عامذاك !, لكن في ماذا اسأت التصرف ؟.

* في الفرص التي مرت أمامك لإحتراف العمل السينمائي وكتابة السيناريو وتعاملت معها بغفلة حماقاتك منقطعة النظير , إضافة إلى أنك كبطل “السمان .. ” لديك نزوع نحو تدمير نفسك , فأصبحت مثله شخصاً تجاوزته الأحداث والأهتمامات و ((شخصية حائرة ضاعت في طي صفحة قلبت بالمصادفة , وراحت في مجهول لا نهائي)) (3) .

وتبادلنا نظرة طويلة , ثم غمغم بشرود وبصره معلق بالسحب المفترشة الأفق .

– من أضناه الألم خليق بأن يرحب بالمسكن , العودة للإسكندرية , رغم أن هذا في الوقت الحاضر ليس من العقل في شيء , مجرد فكرة , خاطرة حلم , احبذهما بقلبي ومدخري من الحنين والأحلام , لكن لا استسيغهما بعقلي , ترى أعود .. أو لا أعود ؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   كل السطور المكتوبة بالخط المائل مأخوذة بالنص من رواية “السمان والخريف” , نجيب محفوظ , ط أولى , دار الشروق  , القاهرة , 2006 .

(2)   نفس المصدر , رواية “السمان والخريف” .

(3)  الجملة لـ “أندريه ميكيل” ضمن مقاله (الفن الروائي عند نجيب محفوظ) المنشور في مجلة Arabica  عام 1963 , ترجمة أحمد درويش , “دورية نجيب محفوظ” , العدد الأول , ديسمبر 2008 , القاهرة .

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق