أشرف الخمايسي: أنا إله السرد الذي سيجله الغرب

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ولد الأديب أشرف الخمايسي في الأقصر عام 1967 . صدرت له رواية مثيرة للجدل بعنوان "منافى الرب" عام 2013 التي نفذت طبعتها الأولى في وقت قياسي. كما صدر لهُ "السكَّاتة" مجموعة قصصية للأطفال, "الفرس ليس حرا" مجموعة قصصية, "الصنم" رواية, و"الجبريلية" مجموعة قصصية، هنا حوار معه.

ولد الأديب أشرف الخمايسي في الأقصر عام 1967 . صدرت له رواية مثيرة للجدل بعنوان “منافى الرب” عام 2013 التي نفذت طبعتها الأولى في وقت قياسي. كما صدر لهُ “السكَّاتة” مجموعة قصصية للأطفال, “الفرس ليس حرا” مجموعة قصصية, “الصنم” رواية, و”الجبريلية” مجموعة قصصية، هنا حوار معه.

ـ خلقنا نشتهى الدنيا، ونحاول أن نتناسى الموت, لكن “حجيزى” وفي روايتك “منافي الرَّب” فعل العكس! ظل يفكر في الموت ونسى ان يتمتع بالدنيا. هل طبيعة عمله بالتحنيط صنعت رغبته في البقاء؟

ـ لا أعتقد، وإن كانت طبيعة العمل يمكن أن تكون مؤسسا من مؤسسات التكوين الفكري للإنسان، لكن “حجيزى” لما عمل في التحنيط، كان طفلا، ولم يكن أكثر من مساعد لوالده، وعموما “حفارو القبور” في بلادنا أكثر الناس رغبة في الحياة. الموت هاجس كل إنسان، لكن عند الحكماء يتحول إلى نمط حياة، لا ليمارسوا اليأس والبكائيات، وإنما ليهزموه، “حجيزى” عرف أن أخطر خسائر الموت ليست في الموت بحد ذاته، وإنما في النسيان، وأن النسيان سببه الدفن، هزيمة الموت كموت مستحيلة، لكنه ظل حياته كلها يفكر في كيفية يهرب بها من النسيان، أو المعادل المادي له، والمتمثل في القبر.

ـ “سعدون” مات  ضاحكا في حضن ذكريات زوجته التى سبقته إلى الموت، و”غنيمة” مات من الحزن بسبب انهيار رؤيته الخاصة بالفارس المملوكى “شقمق بك”،  ماتا متلاحقين، يفصل بين موتهما ئلاثة أيام، ثم لحق بهم “حجيزى”, بعد ثلاثة أيام من موت “سعدون” أيضا! هل الفراق يقتل؟

ـ الفراق أحيانا يكون قاسيا حد القتل، في عشة حمامنا التي على سطح بيتنا في “الأقصر” مات ذكر حمام بعد موت أنثاه بأيام قليلة. الفراق يقتل عند أصحاب الذاكرة القوية، هؤلاء الذين تتردد في جوانحهم أصوات الذكريات الحلوة، الذكريات الحلوة قاتلة، هى من قتلت “سعدون”، دعاها كى تذبح قلبه ويموت بدلا من عذابها، وأنا شخصيا لى أصدقاء من قرابتى في نجع “الخمايسة”، ماتوا، فضاقت على “الخمايسة”، الأحباء براح ووسع، عندما يختفون بالموت يضيق العالم، وهذا ما صرح به “حجيزى” لما مات صديقاه “غنيمة” و”سعدون”، قال: ضاقت الصحراء. نعم، الفراق يقتل.

ـ قال “حجيزى” إن منافي الرب هي “الحزن”, بينما الراهب “يوأنس” يؤمن بأن المنافي هى “الوحدة” في الصحراء, هل يختار كل إنسان منفاه؟

ـ لا أعتقد أن الإنسان يختار منفاه أبدا، فالمنفي على الحقيقة إجبار، بمعنى ان هناك شخص ما، أو سلطة ما، أو حالة ما، هو ما يجبر الإنسان على ترك وطنه والمغادرة إلى المنفي،  أو ترك سعادته إلى شقائه، لأنه لو لم ينفذ أمر النفي سيموت تماما، والإنسان في كل أحواله محب للحياة، حتى وهو ذاهب إلى الانتحار، لكنه يضطر إلى تجربة الموت بحثا عن راحة من آلام خانقة، حبا في الحياة! الموت هنا ملجأ وملاذ، و”حزن” حجيزى، يتساوى في معادلة المنافي مع “وحدة” الراهب يوأنس، المتقوقع في حزنه وحيد ولو كان في لمة، والوحيد حزين ولو كان في فرح، وفي نجوعنا يقولون: الحزن بين أولاد العم فرح. هذا عن حزن المؤتنس بالناس.

ـ لماذا فكر “حجيزى”، بطل روايتك، في أن يكون فواحة عطر رغم استحاله فكرته؟

ـ الرواية تدور في “الوعرة”، هي واحة ليس لها وجود على أرض الواقع، لكن بالتأكيد هناك واحات تشبهها، هذه الواحة موغلة في غرب صحراء “مصر”، تكاد تشارف حدود “ليبيا”، إذن هي أبعد ما تكون عن التواصل مع ثقافات متحضرة حولها، فبالضرورة ستنتج ثقافتها الخاصة، ولن ننتظر من واحة ضيقة صغيرة أن تقدم لنا ثقافة خطيرة، و”حجيزى” مجرد رجل عاش حياته الطويلة في صحراء مغلقة، هو نفسه لم يسافر إلى خارج “الوعرة” سوى مرة وحيدة وهو طفل، ارتحل فيها مع والد “شديد الواعرى” إلى “العلمين”، ولأن “حجيزى” مهموم بالبحث عن طريقة تبقى جسده محفوظا ومقبولا بين الأحياء، توصل إلى أن يمتنع عن الطعام طوال الثلاثة أيام المتبقية له في الحياة، لأن الطعام مصدر التعفن الأساسي للجسد، وقرر أن يسف مطحون “القرض”، وهو مطحون في غاية المرارة، ليقتل الديدان في جسده حتى لا يتعفن، ثم أكمل فكرته بأن قليل من البرتقال سيضفي لجسده رائحة طيبة، لم يكن هناك في “الوعرة” من يجرى عمليات التحنيط بعد وفاة والده، حتى “بكير” ولده رفض أن يرث هذه المهنة عنه. في النهاية هي فكرة بدائية لرجل يحيا في منطقة معزولة عن العالم.

ـ رأى “حجيزى” السيد “المسيح”، وكذلك رأى الرسول “محمد”، عليهما الصلاة والسلام، في موقفين مختلفين لكنهما، إلى حد كبير، متطابقين, ما الرسالة التي أردت أن توصلها للقارئ؟

ـ السيد “المسيح” في هذه الرواية لم يكن مجرد شخص رآه “حجيزى” وانتهى الأمر، كان “المسيح” فاعلا جدا في هذه الرواية، وهو أحد أبطالها، وتجلى بطبيعتين، طبيعة شريرة، وطبيعة خيرة، طبيعة تدفع “صبحى” إلى قتل “سيرين”. “المسيح” رفض الرهبنة في هذه الرواية لأنها انعزال عن الحياة، وقتل بطيء للروح، تتسبب في هلوسة عقلية، و”المسيح” هو أول من قال لـ”حجيزى” إنه يجب أن يسعى إلى الدفن، لا إلى الهروب منه، لأن الدفن هو الخلود، وليس العكس، وأنه سيرسل إليه “المعزِّى” الذى سيقول له تمام الحكمة التي ستقنعه بقبول فكرة الدفن، وبالفعل يأتى “المعزى” في آخر لحظات “حجيزى”، ويأتى على فرسه، تركب خلفه عاشقته، في رسالة تامة الوضوح، مفادها أن الحب، والمرأة تحديدا، هي الحياة.

ـ حين تناولت في “منافي الرَّب” ما يدور بين المسلمين من أحاديث يسخرون فيها من الديانة المسيحية، وكذلك تلك الحوارات التى يؤكد فيها المسيحيون اضطهادهم كأقلية، وأن الفتح الإسلامى لم يكن إلا غزوا عربيا لمصر، ألم تضع في حسبانك غضب القارئ، أو المؤسسات الدينية ذات السطوة في بلادنا؟

ـ إذا وضع الكاتب أية معايير في حسبانه وهو يكتب غير معايير الحق الإنسانى، والقيمة الجمالية لنصه، فعليه ان يتوقف فورا عن الكتابة، لأنه لو استمر في الكتابة وقد وضع معيارا آخر، مثل غضب أو رضا القارئ أو أى مؤسسة، فسيكتب ما هو مزور إنسانيا وتاريخيا، تماما مثل الطبيب الجرَّاح، لو وضع في حسبانه آهات المريض عند علاجه، فلن يجرى أيه عمليات، ولن يشفي المريض أبدا. وأنا أخال أن هذا هو الاعتبار نفسه الذى يجعل موضوع الاشتباك الطائفي يتكرر في مصر كل حين وآخر، لأننا لا نتكلم في أصول المشكلة بوضوح وننهى الأمر، ولكننا نمارس علاج المسكنات، فنقول كلاما طيبا عن التعايش الجميل بين قطبى الوطن، لنمتص الهوجة، لكن هذه الهوجة لن تبقى هوجة، ستعصف في يوم ما بأهم مقومين من مقومات أى وطن، الاستقرار والأمن. ثم أنا مؤمن بأن التناول الموضوعي لا يسبب غضبا، بقدر ما يثير تساؤلات.

ـ ذكرت لي أنك قد مررت بتجربة الانضمام إلى “السلفيين”، وهو تيار دينى متشدد، لمدة ثمانية أعوام كاملة, ما الذى دفعك لهذا؟!

ـ يعتقد الجميع أن “السلفيين” تيار ديني متشدد، وهذا خطأ شائع، إذا كنا نفهم أن “التشدد” هو التطرف، بمعنى الاستعداد لرفع السلاح وممارسة الإرهاب، شاع هذا الخطأ بسبب حرب أمريكا على ما أسمته الإرهاب الإسلامي، وطبعا مباركة إعلام الأنظمة العربية التي تدور في فلك “أمريكا” لهذا المصطلح، مستغلة حوادث إرهابية حقيقية نفذتها جماعات متشددة فعلا، لتصبغ كل الحركات الإسلامية الأخرى الدعوية المسالمة بنفس صبغة الإرهاب.

عندما خذلنى الواقع الثقافي والأدبى في سنة 2000، بسبب ردود أفعاله الباردة على السحق العنيف الذى مارسه الإسرائيليون ضد انتفاضة الفلسطينيين وقتها، أنا أسميها انتفاضة “محمد الدرة”، هذا الولد الذى قتل في حجر أبيه أمام أنظار العالم بالبث التليفزيونى المباشر، قررت ترك هذه الساحة التي لا نجيد فيها غير الكلام لبعضنا، نمارس البطولة فيها على الورق، لكننا غير مستعدين لإعلان مواقف مناهضة يمكن أن تلقى بنا في المعتقلات، المثقف صار جبانا جدا، وفعلا، تركت الساحة، لترتب الأقدار ترتيبا عجيبا، فأنا بطبع فعَّال، أحلم بتغيير العالم، وعندما أكتب فأنا أكتب لهذا الهدف، لا لنشر اسمى وشهرته، أو لاستعراض طرق جديدة في الكتابة، ولا إيمانا بنظرية موت القارئ، وأن الفن الفن، أنا أومن برسولية المبدع، وطالما أن ساحة الإبداع فرغت من الرسل وامتلأت بالشياطين فلا داع للبقاء فيها، فعاليتي استقطبت مشايخ تيار سلفي يُسمى بـ”التبليغ والدعوة”، وهو تيار سلفي رائع إنسانيا، لا يوجه دعوته سوى للمسلمين أنفسهم، ليست غايته السياسة، وإنما كل ما يطلبه من المسلم أن يصلى في المسجد، وأن يزور إخوانه من المسلمين، وأن يترك عبادة العباد ويتجه إلى عبادة رب العباد، هذا المقطع الأخير بالتحديد هو أهم ما في دعوة هذا التيار، وهو ما استقطبنى إليه، فعندما يؤمن المسلم بأن الله وحده هو الله، لن يخشى حاكما ظالما، وإذا ذهب الخوف من قلوب الناس تغير العالم.

طبعا كانت النتيجة أننى صرت مستهدفا من “أمن الدولة”، وجاءوا مرت بعرباتهم الكئيبة وأخذونى من البيت بعد منتصف الليل، حتى لما تركونى كانوا يطلبوننى كثيرا للمثول أمام ضباطهم ومتابعتى، وإضفاء الربكة على حياتي.

أطلقت لحيتى، وقصرت جلبابى، وانتقبت زوجتى، وصرت أحفظ ما يقارب ثلث القرآن بعد أن كنت لا أحفظ الفاتحة، طبعا لم يسأل عنى أحد من الأدباء، لم يحاول أحدهم في “الأقصر” أن يطرق باب بيتى ليقول لى: لماذا تفعل هذا؟ كما أن الكبار في “القاهرة” تجاهلوا هذا الأمر تماما، وربما لو كلمنى احدهم تليفونيا لتغير الحال، لكن رغم كل ذلك كان حنينى للكتابة لا ينقطع، أذكر أننى بعد سنتين كاملتين من الانقطاع كتبت قصة قصيرة بعنوان “قأ قأ ققااااء”، وأرسلتها للنشر، ونشرت بالفعل.

ـ و لماذا تركتهم وعدت إلى الحركة الأدبية؟

عدة ظروف تقاطعت في وقت واحد لتجعلنى آخذ قرارى بالعودة إلى الكتابة، أولها هذه الحياة على النمط “السلفي”، أو الدينى عموما، التى تجعل الموت دوما نصب عينيها، عند المتدينين يبقى الموت هاجسا ضخما في خلفية الصورة، وأنا بطبعى محب للحياة، الفهم الدينى يقدم إلها يستهتر بالإنسان تماما، وأقصى رغباته هو استعباده، وهو فهم يتناقض تماما مع ما جاء في الكتب الثلاثة المقدسة، فالتوراة تحدثت عن إنسان ينافس الآلهة، والإنجيل يقدم المسيح إبنا لله، والقرآن يوضح الغاية من خلق آدم في سورة البقرة، كى يجعله خليفة لله على الأرض. كنت أراجع هذا مع نفسى، عندما جاء الظرف الثانى، أخيرا يتذكرنى أحد الأصدقاء الشعراء في الأقصر، ويدعونى للمشاركة في فعاليات مؤتمر طيبة الأدبى، وفعلا، ذهبت للفعاليات بلحيتى وجلبابى القصير، وقابلت أصدقائى القدامى، وكانت “أمينة زيدان” منهم، التى أخذت تحضنى على العودة، ليتقاطع الظرف الثالث الذى أجهز على ترددى في العودة، عندما قابلت شاعرا شابا اسمه “شعبان البوقى”، حصل على جائزة “الشارقة” قريبا، قال لى ما معناه أنه يأسف بشدة لغيابى، وأننى كنت أمثل له ولجيله رمز الكتابة الإبداعية الحقيقية، وإنهم يتذاكرون اسمى وكتاباتى في تجمعاتهم الأدبية، وطالبى بالعودة، فعدت.

ـ وإلى أي مدى أضافت هذه التجربة لأشرف الخمايسي؟

ـ الإجابة في رواية “منافي الرَّب”.

ـ الرغبة في الخلود على الأرض هى حلم كل البشر، خشية هذا المجهول الذى يدعى الموت, إلى أي مدى يرغب أشرف الخمايسى شخصياً في الخلود؟

ـ الخلود متحقق فعلا للإنسان، فهو لن يفنى، كما جاء في كل العقائد التي يعتنقها البشر، سوى وقت معين، ثم تقوم القيامة، ويعود الإنسان إلى الحياة فلا يموت أبدا، سواء منعما في الجنة، أو معذبا في أرض البكاء والندم، لكن ما يخافه الانسان هو غرائبية القادم، هذا الذى وصفته أنت بالمجهول، هذا المجهول هو ما يجعلنا أكثر تمسكا بالمعروف لنا، حياتنا هذه، التي رغم كل ما فيها من قسوة وعذاب وألم، إلا أننا نستمتع بها تمام الاستمتاع. أنا شخصيا لا أريد ان أموت طبعا، وأتمنى لو أن الله عدَّل قوانين الكون وجعل بقاء الإنسان خالدا على أرضه الشاقة. لكن طالما بقيت قوانين الكون على حالها، فأنا مستعد للبقاء على الأرض إلى ما لا نهاية لو بقى عليها أحبائي، أما إذا رحلوا فما الحلاوة في بقاء بين غرباء حتى لو كانوا من سلالتى؟! لا طعم للبقاء في أى مكان من غير الناس، ولا ناس غير الأحبة وهؤلاء الذين يصنعون وجودك معك.

ـ “منافي الرَّب”، رغم أن موضوعها الأساسي هو الموت, إلا أنك من خلالها حطمت تابوهات “الجنس” و “الدين”.

ـ لم تعد هناك تابوهات اسمها “الجنس” أو “الدين” أو حتى “الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة”، الكل أصبح في المتناول، “الجنس” ملأ حياتنا، بضغطة زر في أى “موبايل” سيتاح الجنس، العلاقات الجنسية صارت متاحة بشكل سهل لم أراد، صارت الايحاءات الجنسية في كل كلامنا من غير أن نشعر أنها خادشة للحياء جدا، وهذا ما ينطبق على “الدين” أيضا، كلما ازداد الوعى زالت قداسة من يفسرون لنا الدين، وتأكد للناس أنه لا واسطة بين الإنسان وخالقه، وبالتالى لن يستطيع أحد أن يحدد لى علاقتى مع الله، أو يحدد لى كيف يقبلها الله، ومتى يقبلها، لتصبح طريقة تعبير الفرد عن علاقته بالله أكثر جرأة، في منافي الرب الله جل جلاله فاعل بوجوده. وفي السياسة لم تعد هناك تابوهات، لقد عشنا، وما زلنا نعيش، مرحلة سقوط الطواغيت، وصارت الشعوب تتربص الآن بحكامها. تستطيعين القول ان الرواية تعاملت مع الإنساني، والجنس والدين مركبين إنسانيين بالغي الأهمية والخطورة.

ـ رغم أنك بدأت كتابة “منافي الرَّب” في مارس 2011، عقب ابتداء ثورة 25 يناير، إلا أنك لم تقترب من عنصر السياسة المعاصرة، وإنما مررت على حقبة الاحتلال الإنجليزي، وصراع “العثمانيين” مع “المماليك” لاحتلال “مصر”.

ـ نحن الآن في معركة الثورة، وستجدين في المعركة ضرب نار، ومصابين، وصراخ مفزع، وتهليلات منتصرة، قد تجدين كتبة تاريخ، لكنك لن تجدى مفسرى هذا التاريخ وقارئيه، لابد أن تنتهى هذه الضوضاء أولا، ونعرف كيف ستنتهى، لأن الروائى إذا دخل بروايته هذه المعمعمة ولم تصدق رؤيته ستسقط روايته فورا، كما أن الأحداث السياسية أمر متغير، لكن الإنسان ثابت، وأنا أفضل الموضوع الإنسانى، ولذلك عندما جاء ذكر الإنجليز جاء عابرا، ولم أستفد به في غير صناعة أسطورتى الخاصة بعصفور القطار، هكذا العثمانيين والمماليك، لم يكن همى التأريخ، ولكن كان همى هو الإنسانى في كل هذا، حتى جيش “الفرس” الذى دفنته العواصف في صحراء غرب مصر، لم أكن مع شرعية وجوده أو بطلانه، فقط اخترت من وجوده أن أكتب أسطورة “غنيمة” و”جالة” وطرحتها التى عثر عليها، رغم انه لم يعش غير الوهم! أنا مغرم قراءة التاريخ، لكنى لا أحتفي به في رواياتى.

ـ في “منافي الرَّب” خلط الواقعى بالخيالى، والقصة الحقيقية بغير الحقيقية, إلى أي مدى يجب أن يكون النص الروائي مثيرا للدهشة دون أن يستخف بعقل القارئ.

ـ الدهشة في حد ذاتها مقياس أمين على مدى احترام النص لقارئه، لأنه لو أن النص لم يكن محترما لعق قارئه فلن تكون هناك دهشة بالأساس، وإنما ستكون هناك حالة من السخط والقرف.

الفارق بين كتاباتنا كأدباء عرب وأدباء الغرب، هو الخيال، هذا الخيال البديع الذى يتفجر بمنطق خاص به، للأسف الفرق لصالح كتاب الغرب، وهو ما جعل “سهير المصادفة”، وهى إحدى الكاتبات المهمات، تقول “بين ما نكتبه وما يكتبه الغرب سنوات ضوئية”، فالخيال عندنا له فهم خاطئ تماما، سأحتفظ بهذا الفهم لنفسى، لأن فيه سر خلطتى الإبداعية التى من الحماقة أن أبوح بها طبعا، لكن ما أستطيع أن أقوله بمنتهى الثقة والوضوح هو إننى لا أعانى من فقر خيال، وأمتطى صهوة جواد الخلق الإبداعى برسوخ يليق بفارس حقيقي، وهذا ما لا يجعلنى أرى ما تراه “المصادفة”، ولن يكون رأيى في يوم من الأيام.

ـ اخترت الصحراء، قرية “الوعرة”، مكانا تجرى فيه أحداث روايتك، وهو مكان غير مألوف بالنسبة لغالبية القراء, هل أردت، بهذا الاختيار، أن تضيف للنص سحر العجائبية والمغايرة؟

ـ أبدا,المكان في حد ذاته ليس له سحر، سحر المكان ينبع من داخل الإنسان نفسه، وعلى قدر اشتهاء المبدع للمكان يمارس كتابته بعجائبية، هى طاقة المبدع التى تبرز سحر المكان، هناك من يكتب عن شارع ما بشكل واقعى، وهناك من سيكتب عن نفس الشارع بعجائبية. وأنا كخالق للنص أفرض ألوهيتي عليه، ولن ألجأ للصحراء كي تضفي السحر على النص، وإنما انا الذى سأغرق الصحراء سحرا. لكنى اخترت الصحراء لأنها كانت البيئة الأكثر مناسبة لتربية الحكمة التى ستقولها الرواية.

ـ حضور الشخصية النسائية ضعيف بالمقارنة مع الشخصيات البارزة في نصك الروائي “منافي الرَّب” ..

ـ أنا أرى العكس تماما، المرأة في هذه الرواية ذات حضور طاغ، ابتداء من “سكيرة” الطفلة التى صارت مراهقة وحبيبة لـ”سليم”، لدرجة أن يصنع لها تمثال في الصحراء، ومرورا بسريرة وثريا وزليخة وبثينة، وانتهاء بسيرين التى كانت أيقونة العنصر النسائي بها، حتى المعزى لما جاء ليقول لحجيزى الحكمة التى ستقنعه بالدفن جاء برفقة حبيبته، بل أكدت الرواية على أن المنافي ليست سوى الحرمان من امرأة عاشقة، ربما مساحة ظهور المرأة أقل من ظهور الرجل في هذه الرواية، لكن منذ متى كانت مساحة الدور هي المؤثرة؟

ـ اعتمدت في سردك الروائي على تقطيع المشهد الواحد إلى عدة مقاطع مقسمه على الأحداث وأبطالها, الا تعتقد أن هذا الأسلوب صعب بالنسبة للقارئ، وربما يصيبه بالحيرة؟

ـ مطلقا، وعندى الدليل الدامغ، لقد قرأ هذه الرواية، وبمنتهى الشغف، أخى الذى هو مجرد قارئ عادى جدا، قرأتها زوجته أيضا، وهى موظفة ومسؤولة عن بيت، أى لا وقت لها تنفقه على القراءة، فكانت من فرط لهفتها لتكملة أحداث هذه الرواية تقضى مصالحها والرواية في يدها، زوجة أحد الأصدقاء كانت تستذكر الدروس لابنها بينما الرواية في يدها الأخرى، ابنى الذى لم يتجاوز الثامنة عشرة بعد، وليست له ميول أدبية، قرأها بشغف، أنا لست مع مسألة أن هذا الأسلوب صعب بالنسبة للقارئ، هو صعب جدا فعلا، لكن بالنسبة للكاتب، أسلوب يتطلب التركيز الشديد أثناء الكتابة، لتتذكر أين وقفت بهذا الحدث، وعلام وقفت، لكن هذا لا يمنع من القول أن هذه الرواية لا تقرأ للتسلية مطلقا، هذه الرواية تقدم متعتها لمن يقرأ بكامل انتباهه.

ـ أخيرا، ماذا كان يريد “أشرف الخمايسي” من هذه الرواية وهو يكتبها.

ـ وأنا أكتبها كنت أريد شيئا واحدا فقط، أن أنهيها، فكم العذاب الذى رأيته معها غير متخيل.

الآن أريد أن أثبت بها أن “الخمايسي” سارد عبقرى، وأنه، وكما قال “حسين عيد” في قراءته لهذه الرواية “الخمايسي واحدا من أعظم الرواة الذين تواردوا على مر التاريخ”، أريد منها صناعة مجدى الخاص، ومجد أدبى عام يتمثل في أن يشير كل هذا العالم لمصر والوطن العربي على أن هذه المنطقة من العالم قد قررت أخيرا إيفاد إله سردي سيبجله الغرب، أقول: كفانا ككتاب ومبدعين الانبهار بآلهة الغرب من الكتاب، لقد بزغ بـ”منافي الرَّب” مجد السارد العظيم “أشرف الخمايسي”.

مقالات من نفس القسم