أروى صالح ومأساة جيل غنّى نصف أغنية وامرأة تقف تحت مشنقتها

أروى صالح
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أروى صالح وكنس الأحلام اليابسة

ممدوح فرّاج النابي

“كتابة محمومة تتقلب بين وجوه الصور والمعاني … وأحرف الاعتلال”

(وضّاح شرارة)

مثّلت الكاتبة أروى صالح (ولدت في عام 1951ـ وتوفيت في 7 يونيو 1997) حالة فريدة في الثقافة المصرية، فهي كاتبة وروائية وشاعرة. كانت تُعدُّ من أعلام الحركة الطلابيّة في أوائل السبعينيات في جامعات مصر.  سعت الحركة الطلابية إلى تغيير اجتماعي – سياسي شامل في النظام المصري كنوع من “الثورة على الثورة”، بوحي من أفكار “يسارية جديدة” كانت منتشرة وقتذاك بين الجماعات الطلابية في غرب أوروبا وشرقها. فقامت مظاهرات وإضرابات عامي 72-73 تطالب بدخول مصر الحرب؛ لاسترجاع مناطقها السيادية، والتصدي لمخططات إسرائيل الإمبريالية، وأمريكا بالتبعية، في المنطقة. في الشهور الأولى من عام 1972 اشتعلت الإضرابات والاحتجاجات الطلابية التي خرجت من الحرم الجامعي إلى الشوارع؛ مطالبين القيادة العُليا بإعلان الحرب على الفور. ولمواجهة هذه الاضطرابات اعتمد السادات – كما تقول سماح سليم في مقدمتها للترجمة الإنجليزية لكتاب أروى صالح – الذي لم يكن قد أسس بعد قاعدة لشرعيته كخليفة ناصر، على استراتيجية الإرجاء: «حالة اللاحرب واللاسلم».

تعثّر النظام وماطل في مواجهة التحدّي الشعبي لشرعيته، بينما نفّذ إجراءات قمعية شرسة على الجامعات. فقبض على مئات النشطاء من الطلاب، وتعرَّض كثيرون لمحاكم، وصدرت عليهم أحكام لتهم مُلفّقة، كما روى الكثيرون ممّن تمّ القبض عليهم في تلك الفترة، حكايات عمّا حدث .(يمكن مراجعة رواية رضوى عاشور: فرج، والحب في المنفى لبهاء طاهر، فيهما إجابات عن هذه الفترة والاعتقالات العشوائية التي طالت الجميع).

كانت مظاهرات ميدان التحرير ذروة الحركة الطلابية الوطنية – كما يقول شريف يونس – حيث ترسخت “قناعة الحركة الطلابية واقعيًّا وعمليًّا بأنها تمثّل الشعب حقًّا وصدقًا .. باعتراف جميع الأطراف التي تمتلك الحق فى التمثيل الكلامى والقدرة عليه …”. ومع قوة التمثيل التي حازتها إلا أنّ الحقيقة أن الحركة افتقدت الوضع المؤسسي. فكما يقول يونس لأن “الحركة الطلابية ليست حزبًا سياسيًّا، وليس لها الإطار التنظيمى الذى يجسد الصّلة المتجدّدة بالشعب الذى تمثّله، وبالتالى كان التمثيل الذى تمارسه الحركة بالفعل هو تمثيل مجرد، تمثيل على المستوى الإيديولوجى.

في هذا السياق الفكري المصطخب بالأفكار الثوريّة، نشأت أروى صالح. فكما تقول سماح سليم “بلغت أوّل وعيها السياسي في بداية السبعينيات، أعقاب حرب 1967، ونهاية عهد ناصر وبداية نظام أنور السادات الانتقالي”. أما عن الانتماءات الإيديولوجية التي شكّلت صالح فقد “انتمت إلى اللحظة السياسية التحوليّة التي أطلقتها الحركة الطلابية الراديكاليّة في ذلك العقد. تصفها أمينة النقاش قائلة: ” كانت أروى فتاة دقيقة الحجم ، رقيقة الملامح وسيمة الروح ، ذات وجه طفولى وصوت خفيض ، لكنه مفعم بالحماس الذى يبدو وكأنه ثقة بالنفس، تمتلك حيوية عقلية ساهمت ثقافتها المتنوعة وذكاؤها اللماح فى شحذها وتجددها ، وأمدتها بحضور آخاذ، مما جعلها دوما نجمة تلك السهرات بلا منازع.”(اعتذار من أروى صالح لم يصل إلى صاحبه: جريدة الأهالي، 17 سبتمبر 2019)

 تخرجت في كلية الآداب جامعة القاهرة، محمّلة بالوهج الثوري الذي عاشته أثناء الاحتجاجات، وكانت عضوة في اللجنة المركزية بحزب العمال الشيوعي المصري الماركسي اللينيني، أكبر جماعة ماركسيّة في ذلك العقد. قدمت أروى كتابات في عدد من الصحف والمجلات الشهيرة، وقد ضاقت بالحياة فانتحرت بإلقاء نفسها في صيف عام 1997، من الدور العاشر في عمارة سكنية بحي الدقي في القاهرة. في رواية يوسف رخا التماسيح (دار الساقي 2013)، ثمة صورة متخيّلة لما حدث مع أروى وإن كان يعطى لها اسمًّا استعاريًّا رضوى عادل حيث يقول: “في 20/06/ 1997، بالتحديد ذهبت المناضلة رضوى عادل تزور قريبة لها في أحد أحياء القاهرة؛ لا أذكر أين. لا يوجد سجل موثّق  لحكاية أشهر أعلام الحركة الطلابية أو جيل السبعينيات من النساء – أقصد المناضلة، وقد نسميها المثقفة أو الكاتبة أو المفكرة الكبيرة: كلها مترادفات – بل إن هناك خلافًا حول ما إذا كانت قريبتها المعنية تسكن في الدور الحادي عشر أو الثاني عشر. لكن ما فهمتُه مع مرور السنين من كلامي العابر مع أصدقاء مقربين إليها من دائرة المثقفين التي تكوّنت فيها جماعتنا، هو أن رضوى عادل لاعبت أولاد قريبتها قليلاً، ثم استسمحتهم في قيلولة داخل غرفة النوم ذات الشرفة. لم يكن في البيت سوى الأولاد وقفزت من فوق السور. كانت رضوى عادل في السّادسة والأربعين من عمرها. وحين أحاول أن أفصّل قفزتها التاريخية في رأسي، أتخيّلها جالسة على الحافة الخشبية – لا أعرف لماذا أتخيّل حافة السور خشبيةً – تتدلى رجلاها من ذلك الارتفاع المدوّخ وهي تواجه الشارع أو السماء.. بينما الأولاد في الصالة لا يخطر لهم أن “طنط رضوى” قد تكون بصدد قتل نفسها في هذه اللحظة، أتخيّلها ترخي ذراعيها على جانبيها ومثل لاعب جمباز على المتوازيين تقبض على الحافة؛ بالتدريح تبدأ تحمّل ثقلها على يديها وتزحرح مؤخّرتها إلى أسفل فوق الخشب، شيئًا فشيئًا. وقبل أن تصبح مؤخرتها في الهواء فتشعر بوزنها كله في ذراعيها، ترفع يديها وتفرد الكفين أمامها كمن يحاول إيقاف شيء آت في وجهه وتغمض .. لا خلاف أنها ماتت فور ارتطامها بالأسفلت” (التماسيح : ص، 8، 9).

انتمت أروى لجيل السبعينيات أو ما عُرف بجيل الحركة الطلابية. أصدر أصدقاؤها بعد رحيلها كتابًا يجمع ما كتبته، بعنوان”سرطان الروح” 1998، وهو عنوان قصيدة طويلة يضمها الكتاب. ويحوي الكتاب في داخله -أيضًا – قصتين قصيرتين (بورتريهات، والبتلز)، وكذلك مقالات قصيرة تناولت فيها تجربة صنع الله إبراهيم الكتابية، تحت عنوان “صنع الله إبراهيم شاهد لكل العصور“. وثمة فصل أخير عن السيرة الذاتية بعنوان “تمشية”. يحمل الكثير من الألم الذاتي والشخصي، تحكي فيه وقائع من حياتها وتعرُّضها للانتحار، أكثر من مرة وفي واحدة منها حاولت الانتحار قافزة في النيل بحذائها وحقيبتها، ولكن أنقذها عسكري من الأمن وصحبها لقسم الشرطة مُعنِّفًا إيَّاها! ولها أيضًا ترجمة لكتاب توني كليف المعنون بـ «في نقد الحركة النسوانية» عام 1991 وقد صدر عن مطبعة الأهالي، بتقديم من فريدة النقاش. لكن يأتي كتابها الأهم الذي ترك أثرًا كبيرًا وأثار ضجة عند صدوره، ألا وهو كتاب «المبتسرون: دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية». والكتاب أشبه بشهادة تعرية لليسار المصري وقد صدرت طبعته الأولى عام 1995 عن دار نشر النهر. وهو الكتاب الذي قامت الدكتورة سماح سليم الأستاذة بجامعة برنار بترجمته مؤخرًا إلى اللغة الإنجليزية وقد صدر عن دار نشر Seagull Books. بعنوان: “The stillborn: Notebooks of a Woman from the Student-Movement Generation in Egypt.

   رصاص على اليسار

                  توالت طبعات الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى عام 1995، فصدرت الطبعة الثانية له عام 1997  وقد أضافت له أروى مقدمة جديدة. ثم صدرت الطبعة الثالثة عام 2015 ضمن منشورات مكتبة الأسرة ذات الطبعة الشعبية. عندما نُشر الكتاب لأوّل مرة أثار ضجة كبيرة، بل احتدمت حوله المناقشات بسبب جرأة ما أعلنته الكاتبة، فقد كان بمثابة الرَّصَاصة التي أَطلقتها علي جيل السبعينيات من الماركسيين. حيث وصفتْ جيلها بأنه الجيل الذي “قبض ثمن وطنيته قبل أن يدفع ثمنها” كما قال لها بمرارة شيوعي قديم ممن شهدوا مجزرة عبد الناصر عام 1959. وإن كانت الرّصاصة القاتلة أطلقتها أولاً على نفسه بجلدها لذاتها. ولا أدل على قسوة ما جاء فيه، أن حازم كامل طالب طب القاهرة، بطل رواية فرج لرضوى عاشور، وصف الكتاب هكذا: “بصقت أروى في وجوهنا جميعًا” (فرج، ص  95).

واحدة من المسائل التي تواجه قارئ هذا الكتاب، هي مسألة تصنيفه لأي جنس أدبي يُنتسب! وهذه الصعوبة ألمحت إليها المؤلفة في المقدمة  حيث قالت بإنه “لا ينتمي إلى أي جنس أدبي”. وقد توقف الكثيرون حول هذه المسألة. فتعرضت لها سماح سليم في مقدمتها للترجمة الإنجليزية للكتاب، وقالت إنه “ليس مذكرات. وهو ليس كتاب تاريخ، بالرغم من أن كل جملة، وكل استدعاء للتحليل والنقد، مشبّع بالمعرفة التاريخية، وأخيرًا، فهو ليس مقالًا في الاقتصاد أو علم الاجتماع السياسيين، مع أن الخيوط الرئيسة في الكتاب تتضمن تحليلًا محكمًا، من ناحية الطبقة والجندر، لفشل كل من مشروع التحرير الوطني والمشروع الماركسي في مصر. هو لا شيء من ذلك، وكل ذلك في نفس الوقت. وقد استخدم منتقدو صالح بالطبع شكل الكتاب المستعصي على التصنيف، متعدد المعاني هذا، ضدها. لكن تمكن قراءة هذا النموذج الشكلي المعقد المتغيّر لهذا الكتاب، كتجسيد غني لمشروع جندري معرفي، تصير فيه السياسة الحيوية للتجربة، والمعرفة، والشعور، حجر أساس للمساءلة الذاتيّة والتحليل الاجتماعي والنقد السياسي. وحيال هذا الإلغاز الذي واجهته في تصنيف الكتاب، تصف الكتاب بأكمله بأنه “أشبه ببيت أشباح، تتصدى فيه صالح لمسألة الفشل: فشل مشروع التحرير الوطني، وفشل الشيوعية وحركة جيلها السياسية، وفشلها الشخصي كذات في تاريخ طوباوي”.

يرى وضاح شرارة ردًّا على ما كتبه يوسي أميتاي عن الكتاب حيث وصفه الأخير بقوله إن “الكتاب يتميّز حقًا، من ناحية الشكل، بعدم وجود نظام أو أسلوب محدّد. فالعبارات طويلة ومعقّدة جدًّا وتحتوي على كميات كبيرة من المقولات الـمُبهمة والجمل الاعتراضية. وكثيرًا ما تقفز فجأة من موضوع الى آخر كما أن هناك أحيانًا عدم اتصال نصي ومنطقي”. فيفنِّد هذا وضاح قائلاً بإنّ ما تكتبه أروى أشبه بـ “كتابة محمومة تتقلب بين وجوه الصور والمعاني… وأحرف الاعتلال”، ويُبرِّرُ هذا إلى كون أروى صالح “لا ترطن رطانة التلامذة، ومردّدي المحفوظات عن ظهر قلب، بما تستعيده من هؤلاء وغيرهم، حتى حين تُحاذي الاستعادةُ عمل الناسخين والوراقين. فهي لا تكتبُ إلا منتشيةً بما تكتب، على ما تلمح، فتجيء جملها محمومة يضج في جنباتها الوصف والرأي واللوم والمقارنة والخيبة والرجاء، ولا تستقر على قرار، أو تكاد، حتى يدعوها داعٍ آخر الى الإنزعاج، على قول المتصوّفة، وترك مستقر الكلام إلى وجه طارئ ومختلف” (جريدة الحياة ، 23 أكتوبر 2000).

 على الرغم من أن مسألة التصنيف ليست بمسألة مهمّة ولا تشغل بال المبدع أثناء عملية الكتابة؛ حيث يصعب الزعم بأن “ثمة قوانين في الفن مُحدّدة سلفًا، وسابقة لعملية الكتابة، وإلّا تحوّل الفن إلى محض حذق تقني يُقرِّب الفن من الصنعة” كما يقول محمد بدوي. بل يمكن القول مع رولان بارت إن”معنى النتاج الكتابي (أو النص) لا يمكن أن يتحقّق بمفرده، فالكاتب لا ينتج إطلاقًا إلا احتمالات معان، وأشكال إن شئنا، والعالم هو الذي يعطيها مضموناتها”. على كل حال، في تصوري أنه من الممكن إدراج الكتاب تحت “أدب الاعتراف“. فالاعترافات تقترب بدرجة كبيرة ممّا يدعوه جيرار جينيت بالبوح Autodiegetic أي سرد الذات أو بوحها لذاتها أو عنها، والذي يتوحد فيه الرّاوي مع الشخصية الأساسية من حيث الصّوت السردي، فالسارد / الكاتب / الشخصية هي كلها لنفس الشخص.

فقد قدمت الكاتبة اعترافات بمثابة الصّدمة، عن نفسها وعن جيلها وعن فقدان البوصلة، والارتماء في أحضان النظام الذي خرجوا عليه (السادات). وهذه تمثّل شهادة حيّة من شاهد عيان عن فترة كانت فيها المشاعر الوطنية في حالة من الغليان والاضطراب، بسبب حالة تردد السادات عن الحرب، أو ما سُميت بحالة (اللاحرب واللاسلم). ما يؤكد ظني بانتساب الكتاب  إلى أدب الاعترافات، هذا الجلد العنيف للذات، وقد عاتبها البعض عليه قائلاً : “هل تكتبين لمجرد جلد الذات؟” ومن ثمّ كانت النصيحة : “لماذا لا تكتبين رواية بدلاً من ذلك؟”. كل هذه  المراوغات كانت جزءًا من محاولات الشفاء مما حلّ بها. فوفقًا لمدارس التحليل النفسي الحديثة، عُدّ الاعتراف “بمثابة ضربًا من الاستشفاء، كعلاج الأمراض بالطب في العصر الحديث”. وهو نفس ما ذهب إليه علي أدهم في مقالة قديمة بعنوان “الاعتراف والمعترفون” حيث قال إن “طريقة التحليل النفسي الحديث في معالجة الأمراض العصبية، أظهرت قيمة الاعتراف وأوضحت أهميته، وساعدت الإنسان على أن يعرف نفسه، وأن يلقي ببصره في ظلماتها الدامسة وسراديبها الخفيّة، بل يسّرت مناجاة الإنسان لنفسه، وتحليله لعواطفه الخاصة” (مجلة الهلال، مايو 1943، ص 241). فالكاتبة اعترفت بأنها انتهت منه في عام 1990، وهو ما يعنى أن فترة زمنية تصل إلى خمس سنوات بقي فيها الكتاب في الأدراج، في انتظار الانتهاء من حالة التخبُّط والتردّد، التي صارت عليها أروى نفسها. فلم يتوقف نهج النقد الذاتي الذي مارسته أروى صالح على نفسها، بل يمتدُّ إلى “التصوّر الذاتي الجماعي لأبناء جيلها”. وفي واحدة من جلد الذات اعترفت في رسالة خاصة لأمينة النقاش  بعد فشل علاقتها بفريد النقاش، قائلة ” إني عاجزه عن الحب ولا أدري لماذا ؟” وهو العجز الذي لازمها كثيرًا، وانتهى بها إلى ما انتهى.

الكتاب يحتوي على مقدمتيْن إلى جانب مُلحقيْن بنهاية الكتاب، وصفتهما بـأنهما”وثائق شخصية في الدفاتر” وهما في الأصل  رسالتان شخصيتان كتبتهما لأحد أصدقائها. والرسالتان موجودتان بترتيب زمني معكوس فأوّل رسالة كُتبت في القاهرة عام 1988، أما الرِّسالة التي تأتي في الترتيب الثاني، فقد بُعثت من إشبيلية بإسبانيا عام 1985. ثمّ وَضعتْ خاتمة قصيرة في نهاية الكتاب. جاءت المقدمة الثانية، وقد أرفقتها للطبعة الجديدة قبل رحيلها، بعدما اتضح لأروى أن المشكلات السياسية والاجتماعية، التي كانت محور نضال أبناء جيلها، لم تَعُد تُهمّ أبناء الأجيال الشابة، وهذا الرأي جاء استنادًا على لقاء كانت أجرته بغرض عرض مسودة الكتاب لمراجعة مضمونه، مع مجموعة شباب من أبناء جيل الثمانينيات والتسعينيات. وكما تقول “قد تطرّق هؤلاء الشباب إلى هذه المشكلات بفتور وعدم اكتراث.”، أما النتيجة المهمّة التي خرجت منها من صدمة اللقاء بأجيال تالية، فتتمثّل في إدراكها الذي اتّسع “بأن وعيها ينتمي للماضي الذي تتعرض له بالنقد”.

يتوزُّع الكتاب على الرغم من صغر حجمه (118 صفحة من القطع المتوسط) على ثلاثة فصول؛ الأوّل بعنوان «المُثقف مُتشائمًا»، والثاني عن «مصائر جيل الحركة الطلابيَّة» والثالث «المثقف عاشقًا». تتطرُّق الكاتبة في مقدمة الكتاب الأصليِّة لتجربة جيل الحركة الطُّلابيّة، ودوافع تَشكُّل هذه الحركة بين طُلاب الجامعات المصريّة في عامي 1972 و1973. وتقرّ بأنّ الكتاب عودة لزمن الهزيمة، إلا أنّها تؤكّد أنّه لا يستحضر هذا الزمن كله، ولا يتناول فئات الشّعب كلها. فهو بمعنى أدق عن الحلم المُجهض، وعن الظروف التي رافقت اندلاع الحركة الطلابيّة ثمّ الانقطاع الفجائي في تيارها، والتجربة التي مرّ بها أولئك القادة، وعن علاقة هذا الجيل بالجيل السّابق له من جيل الستينيات من المثقفين واليساريين المصريين والملامح التي اكتسبوها وميّزتهم كجيل مِن قلب المشهد التاريخي.

لا أودُّ الوقوف كثيرًا عند محتوى الكتاب، خاصة وأن الخطوط العريضة للكتاب، والتي تمثّل جوهر التأليف سأتعرض لها بإسهاب عند الحديث عن أروى وتعريتها لذاتها وجيلها. لكن أودُّ فقط الربط بين حالة الكتاب بما يمثّله من رؤية صادقة عن سقوط الأحلام، كديمومة ثقافيّة ما زالت صالحة لزماننا، بما فيها من جلد للذات بعد انفراط عقد الأحلام، والتي صارت كوابيس بعد السقوط المدوي للربيع العربي في المنطقة بأثرها. وصارت نبرة الحنين إلى الزمن الماضي هي السائدة من العامة، وبنبرة خافتة من قبل  طبقة المثقفين المشوّهين (بتعبير أروى نفسه) التي وجهت لها أروى رصاصاتها القاتلة.

نساء قرابين البرجوازية

تحت عنوان “المثقف متشائمًا“، تُقدّم أروى صالح تصورات لهذا المُثقف المشوّه الذي سبّب لها صَدمة حقيقية، فهذا المثقف بادئ ذي بدء يرفض أخلاق كلّ الطبقات في مجتمع يدينه، وتُقارن بين فشل هذا الجيل في تحقيق أحلامه في مقابل ما حقّقه الجيل الذي سبقه أي جيل الستينيات، ومع الفوارق بينهما إلا أنّ ثمّة مُشتركًا يجمع بينهما رغم اختلاف السياق الثقافي والتاريخي بينهما يتمثّل في الهزيمة؛ ففي حالة جيل الستينيات كان الحاكم يتصرف باسم الشعب ولأجل الشعب وبقمع الشعب بالذّات، فسقط هذا الجيل فريسة النقلة الضارية بين زمنين كان الدفاع عن أيّهما مرًّا. فصار عاجزًا عن أن يكون عدوًا لنظام يخوض معارك ضدّ الاستعمار. أما في حالة جيل السبعينيات، فالنظام الذي حقّق الانتصار على مستوى الخارج أعقبه بهزيمة على مستوى الداخل. ومع أنّها تكشف عن أن الحركة الطلابيّة بدأت مع نهاية عهد عبدالناصر وصارت بطلة هذه المرحلة، لكن المؤسف أنّ الحركة صارت احتجاجًا هُلاميًا لأنّها تواجه واقعًا غير واضح المعالم؛ فليس أعداءه واضحين ولا أنصاره أيضًا. حتى أن شريف يونس يرى أن “مظاهرات يناير 1977 كانت لحن ختامها وعلامة فشلها وكشف حدود قدراتها التمثيلية”، بعد أن أتيح للحركة الطلابيّة “أن ترى ذلك الشعب الواقعى – الذى يختلف عن شعبها الإيديولوجى – وهو يهدر كالبحر وينتصر وينسحب فى مشهد مرعب، بدت بجانبه الحركة الطلابية، بكل ادعاءاتها العريضة، قزما لا يكاد يُرى بالعين المجردة”. حالة الهلامية كانت سببًا رئيسًا في أن تفقد الحركة الطّلابيّة وزعماؤها الرّشد، بل وجد زعماؤها أنفسهم في العراء ليذوقوا نفس المهانة التي طالما تجرّعها جيل الستينات حيث أصبحوا زعماء بلا جمهور وعرفوا معنى الترهُّل واليأس. الصّدمة الحقيقية فيما قدمت أروى يتمثل في تشككيها في حرب 1973، حتى غدت بالنسبة إليها «علقة للشعب» فما أتى من الحرب لم يكن حقوقًا مُستعادة حقًا، وتستشهد بسيناء التي “تحوّلت إلى سوط يُسيّرنا بالأدب لحساب الغرب”.

أخطر مراحل التفسّخ – كما اعتبرتها أروى – كانت خاصّة بالأسرة، فبعد أن كان ثمّة أرضية مشتركة ساعدت البعض من الحركة الطلابيّة في السبعينيات على أن تكون أكثر وفاء مع تحقيق مشترك آخر بالأسرة يدعمه الحبّ والتمرد، إلا أن سطوة الواقع جعلت من هذا الحلم يتغيّر وَيُفسح للخوف المشترك مكانًا من عدم الأمان الاقتصادي، ومع تآكل الأرضية المشتركة التي جمعت الأحباء ذات يوم، قويت مؤسسة الأسرة بعد أن تحوّلت إلى العلاقة الاجتماعية السائدة، أيّ كمؤسَّسة يحتمي بها الزوجان، لكن حالة الملل والصَّراعات الزوجيّة بدأت تأخذ لها متنفسًا عبر الطريق القديم المطروق وهو الخيانة الزوجية، وبعد تفسُّخ العلاقات المصلحية التي تجمع الاثنين، تحوّلت العلاقة بينهما إلى اغتراب، وبهذا اكتملت الهزيمة لهذا الجيل.

بيت الأشباح

يبدو الكتاب في صورته الكلية بعيدًا عن حالة النقد والجلد، وكأنه يقدّم«خبرات ومسارات جيل له ملامح متميزة عمّا سبقه من أجيالٍ نشطت في الحياة السياسية والفكرية»، فالكتاب ليس مذكرات، بالرغم من حضور التجربة والذكرى في قلب الكتاب ومشروعه النقدي وأيضًا هو ليس كتابًا في التاريخ، فبقدر ما يأخذه من التاريخ من مادة إلاّ أن موضوعه ليس التاريخ والسياسة وإن تعرض لهما، فالكتاب بمثابة «رؤية شخصيّة للأحداث التي عاشها جيل تنتمي إليه الكاتبة». فمنذ البداية والكاتبة تعي هذه الإشكالية لذا تقول «لقد كتبته دون قرار مُسبق بشأن شكله، كنتُ معنية بنقل تجربة ونقلتها كما أحسستُ بها دون أن تحكمني أيّ اعتبارات أدبيّة».

 تأتي أهمية المقدمة الطويلة التي صدّرت بها سماح سليم ترجمتها، في كونها دفاعًا عن الأفكار المتمردة التي طرحتها أروى صالح في هذه الكتاب، بل وكانت أحد أسباب الهجوم التي زادت حدته عليها فآل بنهايتها. لا تكتفي المترجمة بما أوردته من معلومات عن أروى وأزمتها، التي أدت بها إلى فقدان الثقة في كل ما حولها بما في ذلك ذاتها. وإنما تقدم تاريخًا وتقييمًا للحركة الطلابية، منذ أن ولدت في السبعينيات في هذه اللحظة الانتقالية، حركة جيل بلغ أول الوعي في 67، لم يكن له تاريخ من المواءمة مع النظام، وكانت قضيته الملّحة تحرير سيناء والنضال القومي ضد الإمبريالية الأمريكية. ومع غياب أروى منذ عشرين عامًا إلا أنها ترى أروى حاضرة بنقدها اللاسع الأشبه بالسياط للمثقفين المصريين فعلى حد قولها “ظلت حاضرة باستمرار في باطن الخيال السياسي، والإدانات المضادة، والجدليات والنقاشات، على مدار العشرين عامًا الوسيطة.” ومن مظاهر العجب أن الطبعة الثالثة للكتاب التي أصدرتها مكتبة الأسرة عام 2015 جاءت في توقيت تصفه المترجمة بأنه جاء بعد ثلاث سنوات من فشل كبير في تاريخ اليسار حيث شهدت هذه السنوات “مذابح غير مسبوقة للمدنيين، وموجة هائلة من الحبس والاعتقالات، وإغلاقًا كاملًا للمجال العام والخطاب وانهيار حكم القانون، وتحالفًا جغرافيًا سياسيًا معلنًا مع إسرائيل، واندفاعًا إلى الاندماج التام مع نظام السوق الليبرالية الجديدة القائم عليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.” ومن ثم قراءة تجربة أروى على هزائم اليسار واجبة الآن، بل هي أشبه بالفريضة.

الطاهرة قرة العين

في مقالة قديمة نُشرت عام 2010 بعنوان «الطاهرة قرة العين أروى صالح» للشاعر عبد المنعم رمضان قال فيها: «كانت الأقوال المتناثرة عن أروى تتضارب، وترسم لها أكثر من صورة، صورة نضالها، صورة ثقافتها، صورة أزواجها، ثم صورة كبيرة لخصوماتها وانتحاراتها الفاشلة، كانت قمرًا علي قمر عند البعض، وطينا تحت طين عند آخرين، طهارة كاملة عند البعض، ودنسًا كاملاً عند آخرين». عانت أروى من الاكتئاب، والذي اضطرت كنوع من العلاج منه إلى الذهاب إلى إشبلبية للنقاهة، وفي رسالتها التي ضمتها إلى الكتاب في الطبعة الثانية لشخص لم تُعلن عن اسمه، أشارت إلى رفرفة الموت حولها، ومن ثمّ ما حَدثَ كان متوقعًا، بعدما أطلقت رصاصتها على الحركة الماركسية وقبلها على نفسها. وقد فسر الكثيرون سبب انتحارها، بنوع من الاكتئاب الذي عانتْ منه الكاتبة. وإن كان شعبان يوسف رأى في كتابه “لماذا تموت الكاتبات كمدًا؟!” أن السبب يعود إلى “رومانسيتها المفرطة، تلك الرومانسية التي لم تحتمل تناقضات الواقع”، وهو ما يتفق معه فيه عبد المنعم رمضان، فما أن أعطته مخطوطة كتاب انتهت منه، حتى شعر كأنه يشاهد “امرأة تقف تحت مشنقتها” فكما يصف “كان كتابها يتوق أحيانا إلي ما هو غير موجود، يتوق أحيانا إلي وجود مستحيل ونظافة مستحيلة، فيما يكشف عن ذلك الحب السيئ، الشديد السوء، الذي يفقد المرء معه شهية الحياة”.(الطاهرة قرة العين أروي صالح، روز اليوسف، 21/10/ 2010).

ما كان يشغل أروى كما تقول رضوى عاشور في روايتها فرج على لسان بطلتها ندى عبد القادر” هو محاولة البحث عن “صورتنا الحقيقية“، وعن أسباب “الحلم المجهض“. فتساؤلات أروى كانت عاصفة، وربما كانت أحد أسباب هزيمتها التي أودت بها إلى الانتحار: فتمرد الجموع التي خرجت في مهمتهم النبيلة مستجيبين “لنداء التاريخ” راغبين في “عدل ميزانه” (صورة عمر بن الخطاب حاضرة هنا) رافعين لواء “حلم الخلاص الجماعي“، موقنين أنهم جماعة تُشارك في المسيرة الكبرى التي “تمشي قدمًا عبر العصور” “باتجاه الأخوة والمساواة والسعادة” فتتساءل في أسى: فما الذي حدث لينتهي بهم الأمر إلى مجرد جيل من “المُبْتسرين” : يعيشون العزلة واليأس والعجز والترهل أو العدمية والتحرّر من كل أخلاق؟ ما الذي حدث بين لحظة الخروج العفي لتحقيق حلم نبيل ولحظة الخروج أخيرًا من الحلم إلى الحياة حيث “كان الحطام بالجملة” فأصبحوا “مثل مومياوات أخرجت للشمس فجأة، فتهاوت ترابًا” (فرج، ص 91، 92)

في الحقيقة، كانت ثمة أسباب تجعل من أروى تفقد الثقة فيمن حولها مِن قادة الحركة. فقد رأت – مع الأسف – أن عبد الناصر دجّن المميزين منهم بسياج لم يستطيعوا الفكاك منه، “فأرغمهم على حديث الرمز والإشارة وترك فيهم إحساسًا لا يُمحى بالقهر”. أما أنصاف الموهوبين فقد جلسوا على المقاهي متفرغين يمضغون مرارة الهزيمة ويشبعون الموهوبين لومًا، أما غير الموهبين “فجلسوا على المقاهي يلقون اللوم على الآخرين إلى أنْ منّ الله عليهم بالحركة الطلابيّة وعندما استقبلوها كانوا مع الأسف قد قطعوا شوطًا كبيرًا من العمر بلا نضال، وإنما حياة متناقضة بين أفكار ماركسيّة صاغها مُؤسِّس في زمن مدّ ثوري عالمي يملأ لغتها قوة وتفاؤلًا، وبين واقع هزيمة لم يتح لأصحابها حتى شرف النزال”. كما أن الجيل السابق من الماركسيين سقطوا فريسة النقلة الضارية بين زمنيْن كان الدفاع عن أيهما مرًا. أما في حالة جيل السبعينيات فالأمر مختلف فقد كان الظرف التاريخي أقوى من طاقتهم كذلك، فالنظام الذي حقّق الانتصار على مستوى الخارج حقّق الهزيمة على مستوى الداخل.

                  أطلقت أروى رصاصتها ورحلت، اتفق معها مَن اتفق واختلف معها الكثيرون من أصدقاء النضال، واتهمهوا اتهامات شتى، لكن ما قالته أروى كان تعرية لهؤلاء المناضلين الزائفين، ليس فقط على مستوى النضال الوطني، وإنما أيضًا على مستوى علاقة المثقف بالمرأة. في أحد الفصول المهمّة بالكتاب تكشف علاقة المثقف بالنساء، واسمته «المثقف عاشقًا». العنوان مجازي وخادع يتناسب مع الحيل التي ينصبها المثقف للإيقاع بضحيته، كان الحديث شخصيًا ويحمل أسماء شخصيات ما زال بعضها يعيش والبعض الآخر رحل، لكن نصحها الكثيرون بحذفها. وهو ما استجابت له في الأخير. المهمّ أن الحديث كان مقتصرًا على الشيوعيين الذين صبّوا العسل في آذان المناضلات، باسم وَهم الحبِّ وشعارات التحرّر والتمرد، وكلّ هذا مِن أجل غرضٍ وحيدٍ، هو ممارسة الدعارة الفكرية إلى جانب الدعارة الجسدية؛ ليتمّ النضال الحقيقي على الأَسِرَّة. تُجمل أروى هدمها للمعبد على رؤوس الماركسيين بقولها «إن المثقف في علاقته بالمرأة يسلك كبرجوازي كبير، أي كداعر، ويشعر ويفكِّر نحوها كبرجوازي صغير، أي كمحافظ مفرط في المحافظة». وفي إدراكه لهذه الحقيقة يسقط الوجه الرومانتيكي كوهم من أوهام الشّباب، ولا يبقى للعلاقة بين الرجل والمرأة بعد أن تتبخر الرومانتيكية سوى وجهين الحسابات من جهة والرذيلة من جهة أخرى.

هذه الرؤية المفرطة في الإدانة، جاءت بناءً على تجربة أروى الشخصية، حيث سقطت في شباك الكلمات المعسولة وتزوجت من شاب يصغرها، أثناء حفل الزفاف كما روى مَن حضر الحفل، الذي اقتصر على رفقاء النضال، أنه كان يهرب عند التقاط الصور، وبالفعل لم يستمر الزواج كثيرًا. فقد كانت أروي بهذا الزواج كما يقول عبد المنعم رمضان كـ “الهاربة من شظايا الأحلام المكسورة لجيلها، إلي أحلام جيل جديد ظنت أنه يتمتع بالبراءة، لابد أنها فوجئت بالروح العملية لجيلها الجديد، وبأن قسوة هذه الروح تفوق قسوة الأحلام المكسورة”. فهؤلاء اليساريون استقبلوا تجاربهم مع المرحلة في إطار حلم الصعود الطبقي بنفسية الوسط الثقافي الذي صنعهم لا بمبادئهم، وقد حَصَرَوا تجاربهم في إطاريْن إما زواج تقليدي أو تجارب في الانحلال.  ما روته أروى في الحقيقة، قد يكون صالحًا لزماننا الآن بشكل أو بآخر. فقط، تأملوا مسيرة المناضلين وحاملي شعارات تروتسكي وماركس والرفيق لينين، أين انتهوا؟ بل أين الواقفون ضد التطبيع؟ مع الأسف انتهى الجميع – إلا من رحم ربي –  في أحضان “دفء الجماعة” / السلطة، صاروا يدافعون عن أخطائها أكثر من أبنائها الشرعيين.

رحل الكثير من أبناء وقادة اليسار، لكن قبل رحيلهم قدموا سيمفونيات غزل، ومعلقات مدح ونفاق من أجل أن يحظوا بـ “دفء الجماعة” بتعبير هيكل. وهو ما قابله جدل كبير عند وفاتهم،تبلور في تساؤلات طُرحت كشفت عن ارتباكات في التقييم للمسيرة والتحولات من قبيل: هل نكتفي في المرثيات بصفات المناضل الثوري فقط؟ أم نُحاسب المتحوِّل على ما فعله في المناضل؟ وهو ما انتهى إلى تعالي صيحات اكتست بإيديولوجيا دينيّة مصطنعة تدعونا بألا “نحاسب العبد حساب الرّب” أو أن “للميت حرمته” وهو “بين يدي غفور رحيم” الآن، وغيرها من دعوات رفضت تقييم مسيرة النضال أو ثبات الأفكار أو المبادئ التي كرّس حياته للدفاع عنها وتلقينها لعقول الأنصار والشباب والطامحين والمشبعين بأيقونات الرفض، والتدجين! ثم فجأة تبخرت وتسربت من أجل ماذا؟ حفنة مصالح، أو مكاسب! فالزمن غير الزمن كما برّر الكثيرون! أو أنهم لم يكونوا “كغصني شجرة ” قابل للتكيّف مع كافة الأجواء، كما يقول صلاح عبد الصبور متحسرًا على أحلام الفارس القديم : ماذا جرى للفارس الهُمام؟ / انخلع القلب / وولّى هاربًا بلا زمام / وانكسرت قوادم الأحلامْ”.  وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول هذه  الفجوات (أو الهفوات) في التاريخ النضالي بصفة عامة؟! .

في عبارة مررتها أروى صالح في كتابها لم يلتفت إليها أحد في حينها هكذا قالت: «سينتهى الحال بجموع الناصريين واليساريين على حجر إسرائيل»، لا أريد أن أقول إن هذه كانت في حينها مبالغة مفرطة من أروى، لكن ما هو ماثل الآن قد يبدو صحيحًا ولو نسبيًّا، ومع الأسف يحدث بالتدريج، فحسن الاستقبال الذي أبدته بعض العواصم العربية لممثلي الكيان الصهيوني، يدخل ضمن “مقاصد الحكمة” كما ذهب (سالم بن حمد الجهوري) .

فالحقيقة المرّة أن الكيتش النضالي فقد بريقه. قديمًا وصف هيكل أعضاء الحركة الطلابية بأنهم يبحثون عن “حماية ودفء الجماعة” وهو ما يرادف مصطلح الكيتش الذي استخدمه ميلان كونديرا في روايته. حتى ثوار 25 يناير 2011، فقدوا هذا الكيتش وراحوا يدورون في دوائر مفرغة، كما أن الحلم الذي صنعوه لأنفسهم تاه فجأة، بل تحوّل طيفه كما يقول أحمد بهاء الدين «إلى شبح وهلوسات مزمنة تكاد عقولنا تجن بسببه».

ورطة جيل السبعينيات – كما تقول أروى – أنهم لم يستطيعوا تجاوز شيخوخة جيل الستينيات، بل ومع الأسف اتخذوهم قادةً، وهم العَجَزةُ بحكم السّن وبحكم أُفول الوجه الثوري منذ أن دجّنهم عبد الناصر وسجنهم، وعندما جاءت الفرصة كانوا قد قطعوا شوطًا كبيرًا من العمر لا نضال فيه، وإنما حياة متناقضة بين أفكار ماركسية صاغها مؤسس في زمن مدّ ثوري عالمي تمتلأ لغتها بالقوة وبالتفاؤل، وبين واقع هزيمة لم يتح لأصحابها حتى شرف النزال ومن ثمّ دخلوا في دوائر البحث عن العدو! تاهت البوصلة. مثلما تاهت بوصلة ثوّار يناير، وأعطوا الثورة لمن شاخوا وهدتهم المعتقلات، فتعاملوا معها بحنية زائدة، بل كانوا واقعين تحت تأثير الجلّاد، الذي لم يغب عن أعينهم لحظه، وفي لحظة نادرة الوجود، تصالحوا مع سجانهم، أو ما يعرف بـ «الرابطة الرضية» كما ذكرت بسمة عبد العزيز في كتابها «ذاكرة القهر». أسباب هزائم جيل الستينيات وهزائم جيل السبعينيات وما تلاها من هزيمة ثوّار يناير، جميعها واحدة هي السُّلطة التي قضت على كل أمل أو مجرد حُلم.

ردّت أروى فعلهم العاجز إلى أن ماركسية جيل الستينيات “كانت ماركسية مثقفين معزولين دهسهم الواقع فحرمهم كلّ خيال”. وهو ما آل إلى حالة الانفساخ التي مُنِي بها المثقف الماركسي. الغريب أن أروى لا تردُّها إلى ما فعلته سُلْطة ناصر التي جمّعت البرجوازية الصغيرة حولها، وجعلتهم يقعون في تناقضات حول ما آمنوا به، وما ردّدوه من شعارات وما قدّمته لهم من أدوار اجتماعيّة ومراكز طبقية في عملية مقايضة بخسة دفعت ثمنها الحركة النضالية برمتها، وليس مَن اختاروهم من الموهوبين. وإنما تضيف سببًا آخر للمأساة يعود للمؤسسات الثقافيّة التابعة لبلاد النفط، التي امتصت كلّ من ظلّ موهبة في عمل ثقافي، كان أثره الوحيد الحقيقي هو تحويلهم إلى باعة ثقافة. وهي الصورة التي انفتحت على مصراعيها في الأوانة الأخيرة،فلم تعد مجرد كتابة، بل صارت حلبة صراع على جوائز بأرقام فلكية، ومسابقات متنوِّعة، وأيضًا توسعت لتشمل الثقافة في معناها الشامل كالإعلام، والفن (مسابقات المواهب والغناء (الأطفال والكبار)، السينما؛ عروضًا ومهرجانات وتكريمات وجوائز). فكان لهذه الإغراءات سحرها في مطاردة  واجتذاب “السّحرة” (العنوان الذي اقترحه سارتر لكتاب المثقفون لسيمون دو بوفوار، لكن صديقهما لانزمان اقترح أن يكون الاسم “المثقفون”).

في رحلة أروى القصيرة كانت – كما يقول عبد المنعم رمضان في مقاله السابق – “تبحث عن زمن جديد، كانت أحلامها التي شابهت سحر الربيع قد صارت أغصانا يابسة”. لكن مع الأسف كان زمن الأحلام قد ولى هو الآخر حتى أنه لم يبق لها إلا أن تكنس هذه الأحلام “في صمت، وتُلقي بها بعيدًا”. الكتاب بما يحمله مِن هزيمة أروى على المستوى الشخصي وأيضًا على المستوى العام فهو يعد هزيمة أيضًا لجيلها حتى ولو لم يعترف بها الكثيرون من أبناء هذا الجيل،  فكما يقول رمضان على نحو أكثر شمولية بمثابة “وثيقة إدانة، وتصفية حسابات مع حياة ضائعة، وأحلام ضائعة، وجيل ضائع، كان كتابها يتوق أحيانا إلي ما هو غير موجود، يتوق أحيانا إلي وجود مستحيل ونظافة مستحيلة”.

هامش على الأمل

وبينما كنتُ أنتهى من كتاب أروى صالح بما فيه من نبره سخط وغضب وأيضًا يأس مرير، وصلني كتاب الكاتبة السورية سمر يزبك بعنوان “تسع عشرة امرأة: سوريات يروين” (دار المتوسط، ميلانو إيطاليا 2018). ما العلاقة بين الكتابين. في الواقع ثمة علاقة مشتركة وإن بدت بصورة غير مباشرة وصريحة. ألا وهي الحُلْم. سقوط الأحلام وموتها في كتاب أروى، وزرع الأحلام في كتاب سمر يزبك. فالكتاب يحكي تجارب حقيقية (وإن كانت بأسماء مستعارة) لنساء عركتهن الثورة السورية، اُنتهكت أجسادهن، واستبيحت أعراضهن من قبل شبيحة النظام تارة، وأفراد الجيش الحر تارة ثانية، وكذلك من النساء اللاتي تحوّلن إلى جزء من السلطة الذكورية القمعية التي مارست تشويه السُّمعة والقتل المعنوي ، فتحوّلت النّساء إلى ديكتاتوريات قمع  على أبناء جلدتهن. على الرغم من مرارة التجارب – على تنوّعها؛ شابات وَمُسنات، وجامعيات، وحزبيات ومناضلات، ومواطنات – التي كل واحدة منها تكفي لإدانة النظام بأكمله. إلا أن الجامع المشترك بين جميع الرَّاويات، هو أن  الرَّاويات لا يتحدّثن من منطلق أنهن ضحايا أو حتى إدعاء البطولة والتبجّح بها، وهو ما يكسر ما سعت الثقافة العربية والغربية إلى تكريسه، بوضع المرأة في إحدى الخانتين إما  خانة الضحية أو خانة البطولة. وهو مفهوم جديد في المقاومة، يُناقض فكرة التضحية، وهذا المفهوم مبعثه أن الحلم ما زال لم يُكسر بعد، وأن ثمّة أملاً قائمًا حتى لو تأخّر فيكفي أن يُزرع في الأجيال اللاحقة (وهو عكس ما ترسّخ لدى الإنتليجنسيا المدنية المصرية، ومن ثمّ علت نبرة الترحم على الماضي). فالرَّاويات على الرغم من أنهنّ خرجن جريحات مجهضات على المستوى النفسي والمادي؛ حيث أُصيب الجسد بالرضوض وصلت لدى البعض بعاهات مستديمة، والرُّوح بالشروخ النفسيّة التي تجسّدت في هيئة كوابيس طاردتهن حتى مع خروجهن من سوريا بطرائق شرعية وغير شرعية، إلى أصقاع الأرض التي فتحها المسلمون الأوائل وبشروا بالعدل والحرية والمساواة (ألم تكن أروى معجبة بعمر بن الخطاب وعدالته؟!) والأهم هو جُرح الهوية الأعمق. ومع قسوة التجربة إلّا أنهنّ لم يندمنّ على ما فعلن وما حدث معهن من خسّة كشفت عن ابتذالات وبذاءات كل الشّعارات الإيديولوجيّة الطائفيّة والحزبيّة والدينيّة. بل على العكس تمامًا، فجميعهن بدأن حياة جديدة بالعمل أو بالدراسة، أو بتأسيس أسرة، أو بالمشاركة “في صناعة الحياة” بالفعل (لا بالشعار التلفيقي “صنَّاع الحياة” الذي ابتدعه أحد الدُّعاة الجدد!) كما فعلت سارة بنت المعضمية الشابة الجامعية التي نجت من موت محقّق  في المجزرة الكيماوية، وبعدها نجت من مجزرة السكاكين ثمّ من القصف والحصار. نجت وهربت بروحها، فلم تجلس تلعن واقعها بل “أسست مشاريع تنموية عديدة”، وبالمثل سعاد من دير الزّور والتي قدمت صورة مغاير في تحدٍّ للظروف والعوامل القاهرة ،حيث لا همّ لها إلا إتمام تعليمها بين مناطق النظام وداعش، وما اتبعته من حيلها أثناء اجتياز الحواجز، وفي النهاية “لقد تمكنت من الحصول على شهادتها الجامعية”. نعم، كلهن في وضعية اللاجئات والشريدات لن تحميهن الغربة من ذل المنافي أو الخوف من النسيان الجمعي، وإن حمتهن من اعتداءات النظام. ومع هذا كله، إلا أنهن لم يتخلّين عن الحُلْم. حيث في ثورتهن كن يتطلّعن “إلى قامة مستحيلة، اسمها العدالة” ومع العقبات التي حالت دون تحققّها، وانتهت بهن في أحد مراحلها إلى معتقلات وسجينات مع أرباب سوابق وداعرات، إلا أنهن كما تقول المؤلفة في الإهداء”لم نغلق البابَ وراءنا، ولم نتركه للريح!” وقد كشفن عن أن محاربة الاستبداد ومقاومة الطغيان هدف أسمى حتى لو انتهين هذه النهايات الفاجعة.

تعليق ختامي

لم يبق إلّا أن نردّد مع أمل دنقل، الذي يبقى دومًا حاضرًا، أيقونة خالدة ضدّ السقوط والانكسار، والرضوخ ورمزًا أبيًّا للمقاومة بكافة أشكالها:

…………….

كان قلبي الذي نسجته الجروحْ

كان قلبي الذي لعنته الشروحْ

يرقد – الآن – فوق بقايا المدينةْ

وردةً من عطنْ

هادئًا ..

بعد أن قال “لا” للسفينة

… وأحب الوطن!

(أمل دنقل: مقابلة خاصة مع ابن نوح)

 

 

مقالات من نفس القسم