أبو ريماس

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمد سالم عبادة

نظرت إليّ الأمُّ ضاحكةً، بينما الطفلةُ واقفةٌ على باب الحمّام المُغلَقِ تبكي بحُرقةٍ وراءَ الأب الذي دخل الحمّامَ لتوِّه ..

- عوّدتنا (ريماس) على العياط دا كلّ ما حدّ فينا يدخل الحمّام .. كأنّ الداخلَ للحمّام مش حيخرُجَ منهُ أبدًا ..

قهقهَت عاليًا وجاوبتُها الضحِك، ثُمّ تابعَت:

- الحمّام .. الداخِل إليه مفقود، والخارج منه مولود!

قمتُ مبتسمًا إلى (ريماس) الّتي كانت تخبطُ البابَ بيديها الصغيرتين مستيئسَةً، وجثوتُ على ركبتيّ بجوارِها:

- إيه يا (رومي)؟ بابا حيخرج كمان شوية .. تيجي تلعبي معايا لحد ما يخرج بابا؟

قطعَت بكاءَها لحظاتٍ بينما تحملقُ في وجهي، ثُمّ تركَتني وعادت إلى البكاءِ المُرّ ممتزجًا بصوت خبطاتها على الباب .. أحطتُها بيُمنايَ وقبَلتُها في خدّها ثُمّ استجبتُ لصوتِ أمّها التي أهابَت بي أن أتركَها وشأنها لأنّها لن تهدأَ حتى يَخرُجَ أبوها من الحمّام .. عدتُ إلى مقعدي بجوارِ الأُمّ ..

- ليه سمّيتوها (ريماس)؟ بأنهي لغة الإسم دا؟ وإيه معناه؟

- بالعربي .. يعني تراب الماس.

هرشتُ رأسي ثانيةً:

- لا في الحقيقة! مافيش مفردة بالعربية اسمها ريماس .. ولا في أي لغة تانية في أغلب الظّنّ!

أطالت النظرَ إليّ ثُم قالت مَغيظةً:

- يعني أنت حتعرف العربية أكتر من دليل الأسماء المتخصص اللي اشتريناه على شان نختار إسم للبنت؟

هززتُ رأسي في تسليم:

- عمومًا زي ما انتو شايفين .. ريماس ريماس!

مرّ الوقتُ ثقيلاً بينما الأبُ في الحمّام .. لم يكن أخي يُطيلُ الجلوسَ في الحمّام أبدًا .. هذا سلوكٌ جديدٌ بالنسبةِ له .. سألتُ الأمّ فأجابت:

- جايز عنده إمساك النهاردة!

بدأتُ أنادي وهو لا يجيب .. نادت الأمُّ وهو لا يجيب .. والبنتُ مازالت تخبطُ الباب بيديها الصغيرتين .. تسرّب القلقُ إلى قلبَينا .. أيمكنُ أن يكونَ قد حدثَ مكروهٌ لأخي وهو في الحمّام؟ إنه في عزّ شبابه ولا يعاني أيةَ أمراض؟ سمعتُ عن مسنّين ماتوا في الحمّامِ أو اشتدّت بهم أمراضُهم في بيت الرّاحة .. أمّا أخي، فماذا؟!

بدأتُ أتناوبُ والأمَّ دقّ البابِ:

- أبو ريماس .. إنتَ بخير؟ ما بتردش ليه؟

- حبيبي، افتح الباب .. إيه اللي حصل؟ طمّنّا!

- أنا مضطرّ أفتح الباب دلوقتي يا اخويا ..

تراجعتُ بضعَ خطواتٍ واندفعتُ بكتفي إلى الباب .. مَرّةً وأُخرى وثالثة .. انفتح ..

لم يكن هناك (أبو ريماس) .. كان الشّبّاكُ موارَبًا، والأرضُ نظيفةً كما هي باستمرارٍ في حمّامِ بيتِ أخي، وكلُّ شيءٍ في مكانِه .. الأبُ دخلَ الحمّامَ أمامَ عينيّ اللتين ستأكلُهما يرقاتُ الذُّبابِ الأزرق .. هل كنتُ أحلم؟ هل خرجَ من الحمّام وأغلقَ البابَ وراءه ثُمّ دخل إحدى الغُرَف أو خرج من البيت ولم نَرَه؟ فتشتُ وفتشَت زوجتُه كلَّ الغُرَف رغم صعوبة حدوثِ هذا، لاسِيّما أن الطِّفلةَ كانت واقفةً تخبطُ الباب بكفّيها الصغيرتين منذُ دخل أبوها إلى الحمّام ولم تتوقف لحظة.

وقفتُ والأمُّ نُحصي الاحتمالات .. أيكونُ أخي قد قفزَ من الشّبّاكِ وواربه خلفه .. أوه! لكنّ هذا يعني أنّه انكسرت رقبتُه ومات من فوره، ثُمّ إن هذا ببساطةٍ غيرُ ممكنٍ لأنّ الشباكَ مغلقٌ بشبكةٍ من السلك الصُّلب! فكّرنا في الاتّصال به على هاتفه المحمولِ لكنّا وجدناهُ مُلقَىً على سطح الغسّالة الواقفةِ في الحمّام ..

كان أخي يرتدي پيچامةً بيضاءَ مخططةً بالأزرق بأقلامٍ دقيقة، وشبشبًا من الفِراء .. سأكتُبُ إعلانًا في الجرائدِ، أخبرتُ الأُمّ بذلك وسأبلغُ أقسامَ الشرطةِ المحيطةَ بنا، وسنتصلُ بكل معارفه الذين لهم أرقامُ هاتفٍ لدينا .. لكنّ اللغزَ كان غيرَ قابلٍ للحلّ بوضوح .. فكّرتُ في تخصصي الدقيقِ كأستاذٍ للرياضياتِ بالجامعة .. الأمرُ أشبهُ بمعادلةٍ رياضيّةٍ لا يمكن لعقلٍ بشريٍّ أن يُوجِدَ طرفَها المَخفِيَّ، أو بلغزٍ منطقيٍّ أثارته عقليةُ فيلسوفٍ يونانيٍّ يعاني الفراغَ والسّمنةَ المُفرِطة! لكنّ اللغزَ لن يسكُنَ الكُتُبَ منتظرًا حلاّ يأتي بعد قُرونٍ عِدّةٍ لإبطالِه، فهو يتعلّقُ بحياةٍ أسرةٍ ستنهارُ أو ستضطرِبُ اضطرابًا بالِغًا على أحسنِ الفُروض .. لم أذكُر للأُمّ الاحتمالَ الآخَرَ الذي سيطرَ على تفكيري تمامًا بعد أن استبعدنا قفز الأبِ من الشّبّاك، لاسِيّما أنها انخرطَت في جُمَلٍ سريعةٍ متلاحقةٍ تشرحُ لي أنها والأبَ كانا متوافقَين تمامًا ولم يكن ثَمّ خلافٌ يدعوه إلى تركِ الأُسرةِ هكذا ببساطة! وكأنّها صادرَت على حلّ اللغز واعتبرت الأبَ قد ترك الأمًّ والطفلةَ وغادرَ من تلقاءِ ذاتِه ..

أيُمكنُ أن يكونَ الأبُ قد سقطَ في عينِ قاعدةِ الحمّام؟! أعني أن يكون قد تساقطَ بُرازًا بالفعلِ في العين .. لا أعرفُ سابقةً لهذا .. لكنّ الاحتمالَ ينهشُ عقلي في إصرارٍ وحشِيّ .. الأبُ تخلّصَ من برازِه العاديِّ أوّلاً كما يفعلُ دائمًا وكما يفعلُ الناس، ثُمّ تحول جسدُهُ بمرورِ الوقتِ وهو جالسٌ هنا إلى براز، وتساقط تدريجيّا!

كنتُ أنظرُ في وجهِ الطفلةِ العابسة التي توقفت عن البكاء .. ولم تكن هي تنظرُ إليّ، فقد كانت تحملقُ في فراغٍ يمتدُّ أمامها مخترقًا قاعدةَ الحمّام ومحتشدًا بمعانٍ تستعصي على اللُّغة .. فكّرتُ في أنّها شؤمٌ هذه الطفلةُ البريئةُ التي لا يحملُ اسمُها معنى .. ربّتَت أمُّها كتفَيها في حنانٍ، بينما الطفلةُ ناظرةٌ إلى حيثُ لا يُرَى شيء .. لا يُرَى شيءٌ إطلاقا!

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاعر وروائي وقاص مصري

 القصة التي حاز عنها صاحبها المركز الأول في مسابقة مركز طلعت حرب الثقافي ـ 2016 






مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق