موقع الكتابة الثقافي uncategorized 11
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

محمد يحيى

بعبارة وجهها الخديوي إسماعيل ليعقوب صنوع أعرب فيها عن عدم رضاه،  وكانت اول ملحوظة رقابية تمنع مسرحية “الضرتين” التي كانت تنتقد فكرة تعدد الزوجات وعرضت أمام الخديوي، بدأ تاريخ طويل من الرقابة لازم  المسرح المصري منذ بداياته، تعددت فيه أشكال وأسباب المنع والحذف ما بين أسباب سياسية واجتماعية وأخلاقية.

في كتاب (الرقابة والمسرح المرفوض)  للكاتب والباحث سيد علي اسماعيل، نستعرض أبرز صفحات الصراع بين الرقابة والمسرح بين عامي 1923و 1988، وأبرز المسرحيات التي تم منعها خلال تلك الفترة وأسباب منعها وتغير أساليب وفكر الرقابة عبر الزمن.

ثم كان قانون الرقابة الذي ظهر في عهد الخديوي توفيق وذلك للتصريح بالعرض المسرحي للفرق الشامية والأجنبية التي تعرض في مصر، ومع دخول رجال انجلترا وفرنسا للسلطة بدأ الصراع بين الرقابة وبين المسرحيات المحرضة ضد الاحتلال فترفض نظارة الداخلية في عام 1907 عرض مسرحية “دنشواي”، وفي عام 1923 ترفض الرقابة الترخيص بعرض مسرحية “دار العجائب” التي تتحدث عن مجون ملك فرنسي عبر التاريخ وذلك لكونها تتهكم وتعرض بالملوك وذلك مالا يحسن تمثيله، وبذلك يتضح أن الرقابة في ذلك الوقت وعلى الرغم من كونها تسعى للحفاظ علي الآداب العامة الا أن هدفها الحقيقي هو حماية الحكام من أي انتقادات أو تحريض ضدهم سواء كانت الانتقادات موجهة للانجليز أو للملكية حتى ولو كانت في فرنسا.

وفي عام 1934 ترفض الرقابة مسرحية “الجواري في عهد هارون الرشيد ” دون ابداء للأسباب، وعلى الرغم من أن الرواية تدور في الماضي الا أنه يبدو أن الرقابة رأت أن هناك اسقاطات علي الوضع المعاصر باظهار الانجليز في صورة النخاس الذي يتاجر ويتحكم في الشعب المصري والاشارة الى شخصية جحا التي تمثل المنقذ الذي ينتظره الشعب المصري وذلك ما يبدو واضحا في أغنية ختام المسرحية  والتي تبتهج بالحرية بعد غياب .

وبين عامي 1937 و1955 تراجعت ظاهرة رفض النصوص المسرحيات وذلك لعدة اسباب, مثل ظهور السينما وتكوين الفرقة القومية ووجود لجان قراءة تقوم بتنقية النصوص قبل وصولها للرقابة، كان ذلك قبل صدور قانون الرقابة في عام 1955 ،كيف تغيرت نظرة الرقابة بعد زوال الاحتلال الانجليزي ورحيل الملكية وحلول نظام جديد، في عام 1968 رفضت الرقابة عرض “الالهة غضبى” لبهيج اسماعيل فتقول الرقيبة الأولى أن المسرحية ضد مصالح الدولة العيل وتتسبب في البلبلة الفكرية لأنها تبين أن الحاكم يرغب في التخلص من المتعلمين حتى يحكم الشعب الجاهل،ويرى الرقيب الثاني أن المسرحية تبلبل الأفكار في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بالبلاد، وتنتقد هذه المسرحية الحكم  الديكتاتوري وما أدى اليه من هزيمة في عام 1967 ويطالب بحق الشعب في المحاسبة، وهو ما ترفضه الرقابة التي ترى أنه لا داعي للنظر الى الماضي وأن الدولة تسير في الطريق السليم بعد بيان 30 مارس 1968، وهو ما يوضح لنا أن الرقابة هي وسيلة للحفاظ على نظام الحكم وأنها تعتبر النظام الحاكم هو العارف بمصلحة البلاد العليا، لذلك ليس من المفترض معارضة ذلك النظام سواء كان ذلك النظام هو الملك والاحتلال الانجليزي أو كان نظاما عسكريا اشتراكيا مهزوما،وفي عام 1974 ترفض الرقابة عرض مسرحية “ابتسامة على شفايف مصر “لهشام سليمان وهي المسرحية التي تهاجم الاقطاع وتدعو لتوزيع الأراضي علي الفقراء وتنتهي بمقل الاقطاعي ، ومن ضمن أسباب منعها هو كونها تدعو للاشتراكية ويُظهر ذلك مدى تأثر الرقابة بتغير النظام السياسي فعندما كانت الاشتراكية توجها للنظام الحاكم كان يتم ترحيب الرقابة بالأعمال التي تدعو للاشتراكية، أما بعد ظهور توجه نظام (السادات) للانفتاح والسوق الحر فأصبحت الاشتراكية مذهبا غير مرغوب فيه ويتم رفض مسرحيات تدعو اليه واعتبارها ضد “النظام العام”

أما في عام 1982 ومع وجود نظام جديد هو نظام (حسني مبارك ) فترفض الرقابة عرض مسرحية “الاونطجية”  والتي تناقش قضية الفساد الذي نتج عن عمليات الاستيراد والتصدير والمتسلقين الذين نجحوا في النصب على الشعب المصري والصعود في المناصب حتى أصبحوا من نواب الشعب،يرى الرقيب في عرض هذه السلبيات اهانة للشعب المصري وللسلطة التشريعية والتنفيذية وترى الرقيبة أن عرض هذه الأمور يسبب بلبلة للرأي العام ويرى رقيب آخر أن المسرحية تسخر من المسئولين والوزراء، وفي عام 1983 ترفض الرقابة مسرحية “الكابوس” لجمال عبد المقصود التي تنتقد الدولة الأمنية والاعتقالات، وكان من أسباب رفض عرضها أنها تشير الى مراكز القوى ولا تشير الى نهايتها، بينما يكمن السبب الحقيقي في عدم التعرض للأجهزة الأمنية والاعتقالات وعدم انتقد ذلك في أي فترة وبأي صورة،وفي عام 1986 ترفض الرقابة مسرحية “أحلام مصرية جدا” لصلاح متولي والتي تنتقد الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمواطن البسيط بسبب أنها نقدية سياسية مباشرة وتمس بعض الأجهزة الحساسة وترى رقيبة أخري أنها تعرض بنظام الدولة وبنظام دولة صديقة وهو النظام الأمريكي، وهو ما يوضح التوجه السياسي الجديد نحو أمريكا واعتبارها دولة صديقة وعدم السماح بانتقادها من خلال الأعمال الفنية.

حماية النظام ورقابة الموظفين

من خلال استعراض الكتاب للتقارير الرقابية الرافضة لعروض مسرحية منذ عام 1923 وحتى 1988 يمكننا ملاحظة أن الرقابة لا تحمي الدولة والنظام العام بل هي تحمي النظام الحاكم وهناك فارق كبير بين الدولة والنظام، وأن القائمين بدور الرقابة هم مجرد موظفين يعملون في الحكومة مما يدفعهم لحماية النظام القائم والدفاع عنه ومنع كل ما يمكن أن يهدده من انتقادات من خلال الأعمال الفنية، وأن هذا الموظف جاهز للدفاع عن كل أشكال الحكومات برغم اختلافها فهو مدافع عن الملكية وعن الاحتلال وعن النظام القومي والاشتراكي والانفتاحي، والنظام المعادي لأمريكا والنظام الصديق لها، فهو موظف لا يهتم بالحرية وبالابداع الفني بقدر ما يهتم برضا الحكومة عنه فهي من تمنحه مرتبه وتعمل علي ترقيته للمنصب الأكبر.

كذلك يمتاز ا لرقيب بسوء النية والدخول في نوايا المؤلف فهو يفترض فهمه لكل ما يمكن اعتباره رمزا غير مباشر للانتقاد ومتربص بكل عبارة يمكن تفسيرها تفسيرا سياسيا أو أخلاقيا بشكل سيء، فهو يميل للتشكيك في دوافع المؤلف واعتباره مهددا لأمن البلاد وللنظام العام ومصدر بلبلة للرأي العام، وهي تهم جاهزة لكل من ينتقد سياسة أو يعرض فكرة صادمة أو مختلفة عن التيار السائد.

كذلك يقوم الرقيب دائما بالتدخل في شكل المسرحية بشكل غريب بافتراضه افتراضات مسبقة عن شكل العمل الفني الذي يفترض دائما أن ينتهي بهزيمة الفساد والشر ووجود شخصيات ايجابية ونهاية متفائلة، وفي حالة عدم وجود ذلك فانه يرى أن العمل يدعو للاحباط وأنه من الخطر عرضه على أجيال الشباب التي يجب أن نعدها بالمستقبل المشرق دائما فيتم مثلا رفض مسرحية “الجواري في ععد هارون الرشيد” عام 1934 بحجة انها تتحدث عن تجارة الرقيق التي تم تحريمها، بينما يظهر ان السبب الحقيقي هو تعرضها لمشكلة الحاكم والمحكوم واستخدامها للرموز في التعبير عن عبودية الشعب المماثلة لعبودية الجواري ودعوتها للتحرر.

يُظهر الرقيب عضلاته على الضعفاء، فأغلب النصوص المسرحية المرفوضة هي النصوص التي يقدمها كتاب غير مشهورين أو فرق مسرحية صغيرة، فالنجوم الكبار سواء في الكتابة أو التمثيل لهم سلطة وقوة معنوية من خلال معارفهم في الصحافة والسلطة ويستطيعون أن يدافعوا عن أعمالهم، أما صغار المسرحيين فهم فريسة سهلة لاستبداد الرقباء فلا يوجد من يحميهم.فترفض الرقابة مسرحية “جريمة في الريف” وتسمح بمسرحية “بنات الريف” على الرغم من تطابق نص المسرحيتين،وذلك لأن المسرحية الاولى قدمها مؤلف غير مشهور بينما المسرحية الثانية تقدمها فرقة يوسف وهبي،وأغلب المسرحيات المرفوضة هي مسرحيات مقدمة للعرض من خلال الجامعات وقصور الثقافية والفرق غير المشهورة في مقابل مسرحيات النجوم الذين يستطيعون الدفاع عن نصوصهم.

يمثل كتاب (الرقابة والمسرح المرفوض) فرصة للتفكير حول فكرة الرقابة وأسلوبها في مصر وفي وطننا العربي  ويمثل بما يحمله من وثائق الرقابة  فرصة لفهم العقلية الرقابية في الماضي والتي لا تختلف كثيرا عن ما هو حاضر في مسرحنا وفنونا حتى الآن.