ياسر عبد اللطيف: لست كاتباً مقلاً.. وجيل التسعينات شعريّ في الأساس

حاوره ـ أحمد مجدي همام

لا يُفضِّل ياسر عبد اللطيف قالباً أدبياً بعينه، وبالتالي يواصل ــ منذ كتابه الأول ــ تطوافه بدأب بين الرواية، القصة القصيرة، الشعر، والسيناريو، دون انحياز حاسم يمكننا من إطلاق لقب اختصاصي مثل (الروائي) أو (الشاعر). فالكاتب المصري المقيم في كندا منذ ثلاث سنوات، أصدر حتى اللحظة ديوانين (ناس وأحجار) و (جولة ليلية)، ومجموعة قصصية (يونس في أحشاء الحوت) ورواية (قانون الوراثة). عدا عن ذلك كتب عبد اللطيف ــ الذي تنتمي تجربته لجيل التسعينات ــ سيناريو فيلمين قصيرين. بخلاف أنه خاض تجربة إدارة ورشات الكتابة.التقيت ياسر عبد اللطيف، وكان معه هذا الحوار:

-سجلك يحمل تجوالاً بين أشكال كتابية عدة، الشعر والرواية والقصة وكذلك كتابة السيناريو. ورغم ذلك أنت كاتب مقل، كيف تفسر هذا الأمر؟

لا أعتبر نفسي كاتباً مُقلاً. ربما كنت كذلك في مرحلة سابقة من حياتي. كنت أكتب قليلاً وأقرأ أكثر، وأتابع السينما بشغف. ذلك غير الانخراط في مجريات الحياة والانهماك في العمل بغرض “كسب العيش”. وربما يعود ذلك أيضاً إلى أنى كنت أعمل على أكثر من مشروع في نفس الوقت. منذ انتقلت للعيش في كندا تغير إيقاع تعاملي مع الكتابة. صرت أكتب بشكل أكثر انتظاماً وتحديداً، وصارت الكتابة مطواعة أكثر من ذي قبل. ربما كان لإيقاع الحياة في القاهرة دخل في إبطاء ايقاع الكتابة لديّ في الماضي. ولكن أنا مرتاح للوتيرة التي ترى بها كتبي النور، ولا أشعر بالغيرة حيال من يصدرون روايةً ضخمة مثلاً كل عام، وهنيئاً للكتاب الغزيرين غزارتهم.

-تعتمد حياتك كمادة رئيسية في الكتابة، ويتجلى ذلك في معظم أعمالك بما فيها الشعر والقصة، كيف ترى تجربتك في توظيف نفس المادة الخام في أربع أشكال أدبية؟ وأين أنت من الكتابة التخييلية؟

أرى الموضوع كلُعبة الأواني المستطرقة، فالمادة الخام للكتابة قد تكون هي نفسها، لكنها تتشكل وفقاً لطبيعة النوع الأدبي الذي أنت بصدد معالجته. وبالنسبة لي فطبيعة النظرة للموقف موضوع الكتابة هي التي تُملي الشكل الأدبي (بين سرد وشعر). ووفقاً لقناعاتي الأدبية المبكرة، كانت الكتابة التي تتكئ على عناصر السيرة الذاتية، أو كتابة الحياة المعيشة، هي طريقة لاكتساب نبرة الصوت الشخصي وشديد الفردية في السرد. ولكن لا يجب بالطبع النظر إلى ذلك النتاج على أنه حقائق حدثت بالفعل. فإخضاع التجربة الإنسانية للمنظور الجمالي كفيل بتحويلها إلى شيء آخر. وأعتقد أنني حققت نقلة في معالجة هذا النوع من السرد في كتابي الأخير “يونس في أحشاء الحوت” فالخبرة الحياتية هنا كانت مرفوعة إلى أفق أكثر انفتاحاً على التجريب الشكلي والبنيوي. ولكني، وأصدقك القول، أعتقد أني تجاوزت هذه المرحلة، وانتهيت منها في كتابي الجديد الذي سيصدر قريباً ويضم قصصاً ونصوصاً سردية أخرى قصيرة، كنت أكتبها بشكل أسبوعي في أحد الجرائد العربية، وما أعمل عليه الآن مختلف تماما. وهو يدخل في باب “الكتابة التخييلية” كما تسميها.

-تبدو الحرفية حاضرة بقوة في أعمالك، حتى على مستوى التجريب يبدو تجريبك راسخا وكأنما سُبِق بعشرات التجارب الأولية، كيف ترى أهمية وعي الكاتب بالنظرية الفنية، وإلمامه بالجانب التقني.. بمعنى آخر كيف تنظر لثنائية الموهبة والحرفة؟

بالتأكيد الموهبة والحرفة هما طرفا المعادلة الإبداعية فلا وجود لإحداهما دون الأخرى.. وأعتقد أن الكاتب عبر مسيرته يخلق لنفسه أسلافاً من الكتاب الكبار، لا بمعنى أنه يتتلمذ عليهم، ولكنه يجد أشباهاً لروحه في تاريخ الأدب. وهو بشكل ما يدرس تقنياتهم. ومن هنا يتشكل وعيه بكتابته وبالحرفة، فهو من حيث يخلق انحيازاته يُعيد كتابة نسخة شديدة الشخصية من تاريخ الأدب، فيخلق أثناء ممارسة الحرفة أشكالاً جديدة وبنى غير مسبوقة، أو هكذا يتخيل. ذلك بالطبع يُضاف إلى انهمام الكاتب الدائم بمهنته، ودون ذلك لا تصعد الكتابة إلى مستوى الحرفة، وإنما تظل هوايةً أو نشاطاً محموداً لشغل الفراغ..

-خضت تجارب في ورشات الكتابة، وأثمرت بعضها روايات فازت بجوائز قيمة، ما قيمة الورشة الجادة وما هي أبرز الدروس والتمرينات السردية المتبعة في تلك الورشات؟ كيف كانت تجربتك؟

كانت تجربة إدارة ورش الكتابة الإبداعية تجربة شديدة الإمتاع بالنسبة لي. وقد قادتني إلى التعرف على أسماء كُتاب شديدي الموهبة من الجيل الأصغر سناً. وأنا في الحقيقة لم أكن أتبع طريقة التمرينات الكتابية المتبعة في ورش الكتابة على النهج الأمريكي، وإنما كنت أعمل دائماً مع المتدربين على نص ينجزونه بالفعل أثناء مدة الورشة، سواء كان ذلك قصة قصيرة أم رواية كما في تجربة الورشة الثانية، ويكون دوري أثناء كتابتهم للنص هو المتابعة، وشحذ قدراتهم ـ عبر المناقشات ـ على تقييم ما يكتبونه والتجرؤ على الحذف والاستبعاد، واقتراح كيفية مد خطوط السرد في اتجاهات جديدة، مع فحص إمكانيات هذه الاتجاهات كل على حدة واختيار الأنسب والأجمل من بينها.

– في مجموعتك القصصية الأخيرة “يونس في أحشاء الحوت”، اشتغلت على تنويع القصص لتقديم باقة متمايزة، فكتبت القصة القصيرة جدا، وكتبت القصة الطويلة التي تحيلها طريقة التقطيع بالمشهد المؤرخ لثلاث ومضات ممتدة فوق حياة البطل، ويجعلها ذلك أقرب لنوفيلا شديدة القصر، اشتغلت أيضا على الأساطير والميتافيزيقيا في قصة (لقاءات قريبة من النوع الرابع).. كيف تمر تجربة اختيار واستبعاد قصص المجموعة، لضبط تناغمها، أثناء التجهيز لإصدارها ؟

معظم قصص هذه المجموعة كتبت خلال عام 2010، بعد وصولي إلى كندا مباشرة، فهي وليدة أمزجة متقاربة باستثناء القصص القصيرة جداً وقصة “أمثولة الكلب الأبيض” فهي تعود إلى عام 2004ـ وقد رأيت أنها تتناغم مع باقي القصص الأحدث، وكان ما يهمني أكثر أثناء إعداد الكتاب للنشر هو محاولة إيجاد ترتيب للقصص به شيء من الهارمونية. وبعض الحس درامي للقصص. وفي الغالب ألجأ لأحد أصدقائي المقربين من الكُتاب أستشيره في أمر الترتيب أو الحذف.

– كتبت ونشرت وربما تشكل وعيك رفقة مجموعة من الكتّاب، جيل التسعينات بالأحرى، هل وجود مؤثرات مشتركة، مع تمايز في المنتج الجمالي، يصرّح لنا بوصف هذه المجموعة بالجيل؟ كيف ترصد هذه التجربة الجماعية؟

ما يطلق عليه جيل التسعينيات هو ليس كتلةً متجانسةً، أنا ظهرت في وسط قطاع من هذا الجيل، أو مجموعة بعينها كنا جميعاً طلبةً بكلية الآداب جامعة القاهرة في بداية التسعينيات، وستجد نتاج هذه المجموعة مميزاً عن نتاج أقرانهم في المنصورة مثلاً أو الإسكندرية أو الصعيد، وإن كانت هناك تقاربات أيضاً بين أبناء الجيل جميعهم. مثلاً على مستوى القصيدة، تم اعتماد قصيدة النثر كالشكل الشعري الأساسي لدى هذا الجيل، وستلحظ ذلك بوضوح إذا تتبعت ظهور قصيدة التفعيلة مرة أخرى لدى الجيل التالي (جيل ساقية الصاوي). ومن ملامح الشعر في التسعينيات كذلك إدخال نفس سردي في الشعر والابتعاد عن اللغة المفرطة في مجازيتها، واعتماد ما يعرف بـ “شعرية الحياة اليومية”. جيل التسعينيات هو جيل شعري في الأساس، وامتد تأثيره إلى كتاب السرد المجايلين أيضاً. 

– يقال إن العمل بالترجمة بمثابة (التبرع بدم الكتابة للغرباء)، وأنت مترجم أيضا، ما صحة هذه المقولة؟

لا أعتبر نفسي مُترجماً مُحترفاً كأحمد حسان أو أحمد شافعي مثلاً، أنا أترجم من أجل كسب النقود معظم الوقت، وتكون عادةً مقالات وأبحاث سياسية لا علاقة لها بالأدب. إسهاماتي في الترجمة الأدبية محدودة ومعظمها في مجال أدب الطفل والناشئة. وأحياناً أتحمس لنص أدبي فأعمل على ترجمته بدون خطة واضحة لنشره. ويكون ذلك في الأغلب في فترات التوقف عن الكتابة. تكون الترجمة هنا بمثابة عملية “الإحماء” للعودة للكتابة مرة أخرى، خاصة عندما يكون النص الذي تعمل على ترجمته قريباً من مزاجك الأدبي.

– حصلت على جائزة ساويرس للرواية، ماذا تمثل الجائزة للمبدع، وهل يجوز اتخاذها معيارا لجودة النص؟ خاصة هنا في العالم العربي؟

في أوروبا وأمريكا تُحدد الجوائز مصائر الكتاب، فترفع من ترفع وتواري آخرين في الظل. أما في العالم العربي فلا تلعب الجوائز ذلك الدور الكبير الذي تلعبه في الغرب. والجوائز هنا تتغير مصداقيتها وفقاً لتغير أعضاء لجنة التحكيم، من دورة لأخرى، وهي ربما تُكسب الكتاب الفائز رواجاً مؤقتاً في السوق الضعيفة أصلاً للكتب. وعلى العموم رواية “قانون الوراثة” هي أكثر كتبي مبيعاً، وفقا لتكرر عدد طبعاتها، وذلك بالمعيار النسبي للسوق المصرية طبعاً. ولا أعرف إن كان للجائزة التي فزت بها عن تلك الرواية دخلاً مباشراً في ذلك.

– تقيم في كندا منذ قرابة الثلاث سنوات، ومؤخرا حصلت الكندية أليس مونرو على جائزة نوبل، هل نحن مقصرون في مد جسور الترجمة مع الشطر الكندي من قارة أمريكا الشمالية؟

نحن مقصرون في مد جسور الترجمة مع العالم بأكمله، وليس فقط الشطر الكندي من أمريكا الشمالية. حجم من يتقنون اللغات ويترجمون منها إلى العربية لا يتناسب نهائياً مع حجم المنتج العالمي، سواء في الأدب أو في فروع المعرفة الأخرى. وتوجد ثلاث تجارب حكومية هامة في مجال نشر الترجمات بالعالم العربي (بمصر والكويت والإمارات) وتبدو التجربة الكويتية هي الأكثر نجاحا (عالم المعرفة وإبداعات عالمية) مقارنة بمثيلتيها في مصر (المركز القومي للترجمة) وفي الإمارات (مشروع كلمة) حيث تعاني التجربتان الأخيرتان من سوء التوزيع، فأنت قد تسمع عن الكتاب، لكنك لا تجده متاحاً في الأسواق القريبة.

عودة إلى الملف