وداعًا ثافون: الكاتب الذي أحبه القراء وكرهه النقاد

أحمد عبد اللطيف

يمثّل كارلوس رويث ثافون، الكاتب الإسباني الشهير الذي رحل عن عالمنا في 19 يونيو الماضي، حالة خاصة محيرة في الأدب الإسباني المعاصر. الحيرة لا تأتي من أنه كاتب بست سيلر، باعت كتبه الملايين من النسخ وتُرجمت أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة، ولا تأتي من تجاهل النقاد لأعماله والتعالي على منتجه الأدبي، فكُتّاب البست سيلر عادة يبيعون ملايين النسخ وينظرون إلى قارئ محدد هو قارئهم ولا يهتمون بآراء النقاد فيهم بل ولا يسمعونهم حتى. الحيرة أن كارلوس رويث ثافون ليس كاتب بست سيلر بالمعنى المفهوم للتوصيف، والذي يخص عادة روايات الرعب والجريمة المكتوبة بالأساس بسطحية ولا تستهدف إلا التشويق لجر القارئ لمعرفة من القاتل وتخمينه. ثافون قادم من منطقة أخرى أكثر أدبية وأكثر وعيًا بالمنجز الأدبي الرفيع على مر التاريخ، قارئ جيد لـ ماركيز وبورخس وإيكو، ومتأثر بهم لأقصى درجة. لذلك، لا يعتبر الكاتب البرشلوني كاتب أدب خفيف أو سهل، لا يمكن تصنيفه داخل هذا التيار، وهو تيار معروف ومشهور وكاسح في الغرب وما من داعٍ لينكره كاتبه أو ادعاء أنه كاتب أدب رفيع. المسألة واضحة: كاتب البست سيلر اختار القارئ، لا النقد ولا الجوائز ولا الخلود الأدبي يعنيه في شيء. ثافون من طراز مختلف، ربما يشبه حالة هاروكي موراكامي، كاتب قادم من منطقة الأدب لكنه يقدم منتجًا سرديًا بعد تسييله، بعد تحويله من خيال مجرد لواقع ملموس، لتخفيف الأدب الصعب، لكنه في نفس الوقت لا يقدم النص الخالي من الأدبية.
“ظل الريح” كانت السهم الأول الذي اخترق أفق الشهرة، جسر المحبة بينه وبين قرائه، بداية تكوين قاعدة من ملايين القراء في كل العالم. كتبها ثافون بعد هجرته إلى الولايات المتحدة بحثًا عن السينما. خلّف وراءه برشلونة الحلم وترك مجال الإعلانات بمستقبله المبشّر ليجري وراء حلم آخر، حلم الكتابة السينمائية. لذلك اختار الحياة في لوس أنجلوس، وكان حينها في التاسعة والعشرين، لكن المدينة التي كان يبحث عنها لم يعثر عليها، حصل على منحة لدراسة السينما لكنه لم ينجز مشروعًا مرئيًا. في لوس أنجلوس أعاد اكتشاف نفسه، واكتشف حينها أنه من برشلونة، ابن هذه المدينة، وأنه يحبها ويحمل منها ذكريات كثيرة. كان ثافون في حاجة إلى البُعد ليقترب، في حاجة إلى الهجرة ليعود، لكنها ليست عودة بالجسد، إنما بالذاكرة. و”ظل الريح” كانت تجسيدًا للعودة، رواية النوستالجيا الغامرة، إعادة قراءة المدينة، تاريخها وثقافتها. جسدت الرواية لحظات الألم والقتل والديكتاتورية والحرب الأهلية. كل التاريخ الإسباني الحديث كان على هامش الرواية وكان مقصودًا تهميشه من أجل الانتصار لحكاية دانييل، ومن أجل مغامرة سردية غير محمّلة بألم الماضي لكنها تسعى لرصده وفهمه عبر عيون طفل.

“ظل الريح” كتوليفة سردية
حققت “ظل الريح” مبيعات مذهلة، حتى غدت ثاني أكثر الروايات مبيعًا في تاريخ الأدب الإسباني بعد رواية “دون كيخوتيه”. أولًا، نُشِرت الرواية في دار بلانيتا المرموقة، المعروف عنها جودة أعمالها، وكانت الرواية من المخطوطات المقدمة لنيل جائزة تحمل اسم الدار. ورغم أن لجنة التحكيم لم تخترها للفوز، إلا أن دار النشر وبتوصية من الكاتب الكتالوني ترينثي مويكس، الذي كان عضوًا في لجنة التحكيم ومتحمسًا لها، قررت نشرها. لم يكن أحد يتوقع أن تحقق مبيعات بهذا الشكل، هي في النهاية رواية جيدة أدبيًا يمكن أن تبيع 30 ألف نسخة مثلًا، خاصة أنها لكاتب غير معروف. إلا أن المفاجأة أنها باعت بشكل جنوني، وسريعًا ما وصل عدد قرائها لمليون قارئ، وسريعًا ما جاءت طلبات الترجمة لتترجم إلى أكثر من ثلاثين لغة. الرواية لا تتمتع بوصفات البست سيلر المعروف، فما سر المبيعات؟ كما أشرنا، اسم الدار كان دافعًا، ثانيًا أن الرواية تمتعت بكل ما يمكن أن يبحث عنه قارئ الرواية: عالم سحري يتأسس على فكرة خلابة: مقبرة الكتب المنسية، عالم فكري وفانتازي يزوره طفل برفقة أبيه؛ ثم التشويق والبحث عن كتاب، ثم البحث عن مؤلف الكتاب الغامض. هذه الرحلة الطويلة فتحت أرضًا سردية لـ ثافون كان نتيجتها بناء عالم مسلٍ يستلهم التاريخ الحديث ويتناول الواقع ويرسم خريطة لمدينة برشلونة، مدينته، المدينة التي يعرفها ويفهم أسرارها. استفاد ثافون من تراث الرواية الإسبانية والإسبانوأمريكية، كما استفاد من تراث الرواية الأوروبية. يمكن أن نقول إن ثافون “ولّف” رواية أكثر منه “ألّف” رواية، توليف عوالم بورخس وماركيز وأمبرتو إيكو، مع الاستفادة بالبعد البصري والسينمائي، ما جعلها رواية مرئية، مصورة، سهلة الفهم. عالم بورخس المعقد سيّله ثافون، وأسئلة ماركيز حول السلطة من خلال العالم السحري استعاره الكاتب الكتالوني، و”اسم الوردة” حاضرة في خلفية البنية الروائية، وتكنيك ألف ليلة وليلة يحرك الحكاية من قصة إلى قصة. لهذه الأسباب حقق ثافون معادلة صعبة، استخدم قوائم الأدب البوليسي لكتابة رواية رفيعة لا ينقصها الأدبية، لا يمكن لأحد أن يصفها بالرواية “البوب”، لكن في نفس الوقت لا يمكن وصف كاتبها بالمجدد أو الطليعي. استخدام تكنيك الرواية البوليسية سبقه إليه كُتّاب أمريكا اللاتينية مثل ريكاردو بيجليا وروبرتو بولانيو، لكن لماذا احتفى النقد بـ بيجليا وأسطروا بولانيو ولم يحتفوا بـ ثافون؟

بين ثافون وبيجليا وبولانيو
كان اسم بولانيو من الأسماء المترددة بقوة كمرشح محتمل لجائزة نوبل من بين كتاب اللغة الإسبانية، والاحتفاء النقدي به في حياته وبعد رحيله كان لافتًا، حتى أن رواية 2666 اعتُبِرت الرواية التي افتتحت الألفية الجديدة أدبيًا. أما ريكاردو بيجليا فأحد الكتاب الذين نالوا مجدهم بداية من ثمانينيات القرن الماضي، واعتبره النقاد بداية الموجة التالية لموجة الواقعية السحرية، وأحد المؤسسين لها. اشترك هو وبولانيو في قراءة التاريخ اللاتيني الحديث من وجهة نظر ثقافية، وتميز بيجليا عن بولانيو في تنظيراته النقدية. أما في الكتابة نفسها، فكلاهما استعار التكنيك البوليسي لقراءة هذا الواقع، في “أبيض ليلي” مثلًا، تسللت رواية بيجليا إلى المناطق المهمشة بالأرجنتين ليرصد حيوات أناس تجاهلتهم السلطة ونسيتهم العدالة، وفي “الفضة المحروقة” استخرج من الملفات الشرطية حادثة سرقة بنك ليحكي حكاية مجرمين حقيقيين، وفي مجموعة “الغزو” تراوح بين تاريخ الأرجنتين وحاضره ليرصد مراحل الديكتاتورية المختلفة. أما بولانيو فانطلق مشروعه من داخل الوسط الثقافي، خاصة وسط الشعراء، وكانت فكرة المخبر السري فكرة أساسية، والتحري نفسه موضوعًا مستخدمًا كحيلة سردية لقراءة التاريخ اللاتيني.
لم يرتبط اسم بيجليا ولا بولانيو بأي كاتب سابق، لم يكونا امتدادًا لأحد، ولا استعارا عوالم سابقة. الأهم أن بولانيو تميز باستخدام لغة خاصة به، غير مطروقة في اللغة الإسبانية، لغة ذات إيقاع سريع، متقشفة من أي مجاز أو أفق شعري، لغة تعبّر عن مراهق في توتره ووقاحته. بيجليا تميز بتكنيكاته الروائية المبتكرة، هو كاتب تجريبي من الطراز الأول. كلاهما طليعي، كلاهما مدرك للفخ الذي صنعه ماركيز وبورخس وكورتاثر حين وصلوا لقمة الخيال وقدموا أعمالًا يصعب تجاوزها. لذلك هجر بيجليا وبولانيو هذه الأرض وراحا أرضًا مختلفة ليزرعا فيها.
في المقابل، لم يطمح ثافون لتأسيس عالم سردي جديد، لم يكون مشغولًا بالتجريبية ولا بإضافة بصمة خاصة في الأدب. كان مشغولًا، قبل أي شيء، بكتابة رواية مقروءة، سهلة، شيقة، حتى التجديد في الرواية الإسبانية الذي جرى من بداية الألفية كان ثافون على هامشه، فلم يشكّل فردًا في جماعة ولا تيار ولا جيل، ولا اتصلت كتابته بأي من مجايليه. بل يمكن القول إن حياته نفسها كانت منقطعة عن إسبانيا باستثناء مدينته برشلونة.

ثافون ككاتب ظل
خلال 55 عامًا هو عمر ثافون، وخلال 30 عامًا هو عمره الأدبي، لم يظهر الكاتب الكتالوني في أي تجمعات ثقافية، لا في معرض كتاب ولا ندوة، وظهر مرات نادرة في التلفزيون. في حفلات التوقيع كان يختار مكانًا قصيًا، لا يسمح إلا بالتوقيع لقرائه بدون حتى تبادل بعض كلمات المجاملة. لا يملك أحد من الوسط الأدبي الإسباني اي ذكرى معه أو حكاية، باستثناءات قليلة منها إدواردو مندوثا، ابن مدينته، الذي قابله ذات مرة في لندن وتناولا العشاء معًا. يقول مندوثا إنه شخص لطيف جدًا لكنه منعزل وصعب الوصول إليه، لكن ما إن تصل إليه سيفاجئك بلطفه وأدبه. ربما لذلك رآه الوسط الأدبي ككاتب متكبر، لا يتواصل مع أحد ولا يهتم بشأن أحد. لكن في العمق، ثافون من الكتاب الذين يحبون البقاء في الظل، ولو لم تحقق “ظل الريح” ومن بعدها “لعبة الملاك” و”سجين السماء” هذا النجاح المدوي، ربما لكان تحول لـ باتريك زوسكيند. هو من نوع الكتاب الذين لا يحبون الأضواء، صلته بالعالم هي الكتاب المكتوب. حتى في برنامجه اليوم كان ينام نهارًا ويكتب ليلًا.
منذ منتصف التسعينيات هاجر كارلوس رويث ثافون إلى الولايات المتحدة، لكنه عاد إلى إسبانيا مرات كثيرة في زيارات قصيرة. لم يشاهد خلال هذه الإجازات في أي مكان له صلة بالثقافة، كان يزور مدينته كأي مواطن عادي يستمتع بها في صمت ويقابل صداقاته القدامى. لم يشكُ ثافون من تجاهل النقد له، لم يتحدث أبدًا عن مجايليه، لم يهتم بالتنظير للكتابة. كان مشروعه محددًا: كتابة رباعية مقبرة الكتب المنسية، وبانتهائها مات. كأنه جاء ليؤدي مهمة وانتهى منها فودّع الحياة. ورغم أنه أصيب منذ عامين بسرطان القولون، إلا أنه لم يتكلم أبدًا عن ذلك، حتى حواراته نفسها مع الصحف كانت قليلة.

برشلونة ثافون
صنع ثافون من برشلونة مدينة أسطورية، مدينة يمد فيها الأب يده لابنه ليحمله إلى مكتبة لتبدأ علاقته بالكتب هكذا، وفي الطريق يمر على بحر وكاتدرائية، ويكون السر بين الأب والابن هو مقبرة الكتب المنسية. هذه المدينة التي رسمها ثافون فضاء عمومي بعد الحرب الأهلية. الأب لم يحمل الابن لسرقة دراجة هوائية، ولا لسرقة مطعم أو خبز، لم يحمله ليعمل معه لمواجهة الفقر الذي خلّفته الحرب. بذلك تختلف برشلونة ثافون عن برشلونة إدواردو مندوثا، كارمن لافورت، خوان مارسيه، خوان جويتيسولو، ليست برشلونة الخراب والدمار، وإن كانت لا تزال برشلونة الهزيمة والحيرة.
أراد ثافون أن يصنع مدينة تخصه، تخص رؤيته هو لها، تضاهي في جمالها وتاريخها ماكوندو ماركيز، وكومالا خوان رولفو، مدينة ليست مدينة حرب وقتلى ودمار. بطريقة ما، مدينة سياحية يرسم خريطتها للسياح الذين يأتون ليرتاحوا على شاطئ برشلونة بعد تمشية بشارع الرامبلا بدون أن يشعر بوخز ضمير أو يحمل ذكرى سيئة عن المدينة. ربما كان طموح ثافون أن تخالف مدينته ما قدمه إدواردو مندوثا وخوان مارسيه بالتحديد، فلم يكن متاحًا إلا برشلونة المثقفة، القارئة، ذات المكتبات السرية.
رحل كارلوس رويث ثافون في الخامسة والخمسين، مخلقًا وراءه قراءً بوسعهم أن يشكّلوا مدينة كبيرة، مثل المدينة التي يمكن أن يعيش فيها محبو “مئة عام من العزلة.