وحيد الطويلة يفتح للسرد باب شعرية اللغة في رواية “باب الليل”

ورغم أن اللغة تمثل وسيطًا مشتركًا بين صنوف التعبير الجمالي وأجناس الإبداع الأدبي، غير أن مستحقات الأداء اللغوي تتمايز من جنس لآخر، فما يُطالب به الشعر من معطيات لغوية تمنحه رخصة الاستحقاق وتعطيه صك التكريس الشعري يختلف عما يُطلب من الروائي أو القاص، وكذلك الكاتب المسرحي؛ إذ ينتظر من الشاعر قدرًا أكبر من اللغة الشعرية القائمة على ركائز الصور المكثفة والمجاز المشفر، ودعائم الإيقاع الموسيقي كالوزن والتقفية ووسائل التوشية اللفظية، في المقابل يكون للسرد مستلزماته البنائية التي تقوم على الحكي المقتفي أثر الحدث والمعتمد على حركة شخوص الحكاية الممثلين أصوات السرد، بما يخلق حركة درامية تقوم بين عناصر السرد. غير أن ثمة تبادلًا جينيّا يقوم بين الأنواع، فكل جنس كتابي يحمل قدرًا من كرموزمات الأجناس الأخرى مع تميز خريطته الجينية باحتلال الجينات النوعبة للجنس المعين الشطر الأعظم من رقعته التكوينية. فالشعر قد يحمل من الخصائص النوعية للسرد عنصر الحكاية أو القص، مع تميزه بخصائص النوع الشعري من الصور والإيقاع، والعكس وارد كذلك، فإن للسرد أن يعانق بعض مقومات الشعر كالصور والتشبيهات ومجازية لغته وإيقاعية البناء اللغوي.

  وإذا كان لنا أن نُطل بشكل بانورامي على المنجز السردي للرواية العربية أو فيما يُعرف بالرواية الجديدة – لاسيما في العقدين الأخيرين – لنلاحظ أن الغالب على معظم المنتوج الإبداعي في السرديات هو انخفاض شعريتها اللغوية، فتأتي اللغة في الرواية العربية الجديدة – على الأغلب – منزوعة الدسم المجازي، لغة شديدة التقشف في حظوظها الشعرية، وفي ذلك تقوم الدعاوى المبررة حالة الجفاف التي تحل بقنوات اللغة السردية التي تبدو منبتة الصلة عن ينابيع الشعرية، على علل قائلة بحيادية اللغة الكتابية واقتصادها المجازي الموازي للعالم الواقعي المتسم بتقشف موازٍ، وفي مقابل ذلك قد نجد بعض تجارب سردية قد تسرف ببذخ في استعمال لغة شعرية بشكل مكثف وبحضور محتشد على امتداد النص مما يعطّل حركة السرد ويصيب شرايينه بنوع من التجلط الحكائي والتخثر الدرامي، مما يضع المنجز السردي العربي – في معظمه – في العقدين الأخيرين بين شقي رحى: الأنيميا الشعر لغوية في مقابل التجلط الشعري المتخثر المعيق لحركة السرد.

  ونحن إذ نطالع رواية «باب الليل» للكاتب المصري «وحيد الطويلة» التي يفتح فيها باب الحكي على عديد من المأسي تتخذ من تونس أرضًا لها ومن المقهى ركحًا مسرحيًّا لعرضها، فتتصدر المأساة الفلسطينية صف المأسي التي تطل على مسرح الحكاية ومعها المآسي العربية بما لها من أبعاد سياسية وإنسانية، فنجدنا أمام نص روائي يغتسل فيه السرد بأمطار الشعر، وتتعمد حكايته بمعمودية المجاز، دون كفر بحق السرد المشروع في جريان سلس لأحداثه في أنهار الحكي بما يسير تياراته الدرامية، فتنجو من مآل ركود السرد.

  باب المقهى والجسد

  يتخذ السرد في رواية «باب الليل» من عالم المقهى مدارًا مكانيًّا ومجالًا طبوغرافيًّا لمجرى أحداث الحكاية؛ حيث يمثل المقهى تمثيلًا مصغرًا وعينة منتخبة لعالم بات هم معظم أفراده وشاغلهم المقيم اللهاث وراء لذاتهم الجسدية ومطاردة شهواتهم الغريزية وقنص متعهم الجنسية، مما يجعل المقهى مسرحًا دائمًا لمناورات ممتدة وملاحقات دائرة:

  «كل شيء يحدث في الحمام،

  حمام المقهى بالطبع.

  تتحرك البنات صوبه، واحدة واحدة أو اثنتين اثنتين، في الغالب اثتين، خلفهن بمسافة معقولة رجل أو اثنان، يلجون بابه بدفعه ناعمة لا تحدث صريرًا….

  الواحد والواحدة اللذان في الخلف ينتظران دورهما في الاغتسال كانا قد أنهيا المهمة، تبادلا أرقام التليفونات سريعًا، اخذ رقمها في الغالب، وربما أخذت رقمه أحيانًا»(1) 

  يعمل الوصف المشهدي الذي يلج بالسرد باب السيناريو السينمائي لتناوله المدقق للأحداث الجارية والتقاطه لنثرياته الدقيقة على كشف ما يقع بالمقهى – والذي ينوب عن غيره من مقاهٍ – من مساعي صيد ومحاولات قنص تكشف حقيقة هذا العالم الذي غشاه الهوس الحاد باللهو الشبقي، فبات هذا العالم هو عالم الجسد كما يميط السرد اللثام عن وجه الواقع الذي يقر بذلك:

  «الجسد سيد اللعبة واللون الخمري بوابته، والعجيزات بطاقته، وبنات محتاجات يعملن في مقاهٍ غالبًا، يلقِّطن أرزاقهن، يضغطن على أمعائهن بقسوة، يعصرنها كصائمي الدهر ويدخرن ما استطعن من نقود للمظاهر، يلبسن ويمنحن أنفسهن مظهرًا براقًا وعافية وفيرة.»(2)

  يبدو من الوصف السابق بذل الجسد الذي بات سلعة في سبيل مواجهة الحاجة، كما تأتي معظم الأفعال بمخرج دلالي مزدوج البعد ( سيكو فزيقي) فأفعال كـ (يضغطن – يعصرن) تجمع بين المدلول المادي الحسي والنفسي الشعوري في عالم بات يقسو أفراده على أنفسهم لأجل مظاهر زائفة تجعل من البشر سلعة، وتجمِّد من مستوى الوجود الإنساني عند مستوى جسداني في حياة أمست لعبة زائفة.

  وفي عالم تتراجع فيه إنسانية الإنسان لحد يداني الغياب، تحضر الأشياء بقوة في المشهد كما يبدو في وصف باب حمام المقهى:

  «باب لزج متواطىء، يتحرك سريعًا، ثم يرتد بطيئًا كأنه يشارك بدوره في المكيدة…. باب الرجال في الغالب غير مقفل، موارب فحسب، ينظر عبره الواحد إلى الواحدة، يرقبها يترقبها حين تهم بالخروج، يراها في المرآة المتواطئة أيضًا»(3)

  مع انزواء الوجود الإنساني وتهميش الحضور البشري، تتقدم الأشياء لتضطلع بأدوار فاعلية تتجاوز اعتيادية تعينها الجامد، «فللأشياء سلطة خفية أو سلطة من نوع خاص، وأمام هذه السلطة تبدو الشخصيات الإنسانية باهتة جدًا»(4) ، فتمارس الأشياء في عالم المقهى تواطؤًا نحو الإنسان كالباب والمرآة اللذين يسهلان عمليات الصيد المنهمر التي يقوم بها الناس في المقهى إشباعًا لنداءات غرائزهم، فبات للأشياء قصدية فعلية مع انحسار القصدية الإنسانية لأناس العالم في العدو وراء شهواتهم، فكما نرى عند «ميشال بوتور» أن «عرض سيرة الأشياء والأثاث ومحتويات الأمكنة يأتي بديلًا عن سيرة الأفراد والشخصيات»(5)، ومع تراجع الحضور الإنساني وطغيان الحضور الشيئي، يُفقد الإنسان قيمته البشرية ليمسي حضوره تمثيلًا مجردًا:

  «قد لا يعجبها من منظره، من بدنه المترهل غير المشدود أو وسامته الغائبة، لكنه في مستقره داخل الشريحة وسط غابة من الأرقام، والاحتياط واجب، فمن تعافه اليوم قد تحتاجه غدًا»(6)

  في هذا العالم الشهواني، مع انحسار القدر الإنساني، يمسي الإنسان مجردًا من قيمته الإنسانية، كما يتحول إلى مجرد حضور مجرد، مجرد رقم وسط زحام رقمي، مما يجعل قانون الحاجة هو المهيمن على قواعد التعامل البيني للبشرية التي جنحت نحو الشهوانية، مما قد يجبر البشر على التسليم المبتذل لسلعة الجسد لمن حتى يعافونهم لمجرد الحاجة، كما أمسى قيمة الإنسان في بقائه مخزونًا احتياطيًّا أو منفعة مؤجلة محتمل اللجوء إليها فقط وقت الحاجة، وعند «درة» صاحبة المقهى، مشعلة حرائق الشهوة لدى الرجال يكتسي العالم ثوبًا رقميًّا:

  «العالم عندها أرقام، لا اسم واحد مكتوبًا في هاتفها، كل واحد برقمه، تحفظ كل رقم وتعرفه بنظرة واحدة»(7)

  إن الطابع المادي الغالب على تفاعلات البشر، قد جرد العالم، بل أفقد الإنسان هويته الاسمية، لتمحوها الهوية الرقمية المجردة، فإذا كان الاسم هو صك الهوية، وعنوان الوجود الإنساني الخاص لكل فرد دون غيره، فإن سلب الإنسان اسمه يُفقده – بالضروره – وجوده الخاص وكثيرًا من حضوره الماهوي الذاتي، فثمة فاعلية خاصة للأسماء حيث «إن الكلام وإطلاق الأسماء، والخلق من خلال الكلمة، مسألة لها جذورها الضاربة في الأساطير القديمة أيضًا. في الأسطورة، كما يرى أرنست كاسيرر، تصبح الكلمة في حقيقة الأمر نوعًا من القوة الأولية، ومن خلالها تبدأ كل الكائنات وكل الأفعال في كل العوالم الأسطوية التي يمكن أن تتبعها، وهناك استبصار دقيق إلى أسس هذه العلاقة بين الكلمة والخلق، موجود في عديد من الأساطير القديمة، في أسطورة معروفة تُغري إيزيس إله الشمس رع أن يكشف لها عن اسمه السري، ومن خلال معرفتها بالاسم تمتلك قوة تفوق قوته وقوة غيره من الآلهة، وقد كان الفرعون يُمنح عدة أسماء وكل اسم ينقل خاصية خاصة، قوة مقدسة جديدة…. إن الاسم هو قوة واقعية ووسيلة حماية في المسيحية، الكلمة التي كانت في البدء والتي هي الله، والكلمات أعطاها الرب في ديانات الكورا الهندية وسيلة ليتحكم بها في الأشياء، ولدى هيجل كان سلوك الإنسان الأول هو إطلاق الأسماء على الأشياء، ثم من خلال منحه الأشياء أسماءها استطاع أن يمتلك العالم»(8)، فسلب الإنسان اسمه هو محو لهويته وإنكار ضمني لوجوده البشري.

  ولم يفت السرد في تجواله في أرجاء الحكاية أن يمر بباب التحولات الفارقة التي تعصف ريحها بالشخوص كما يحكي السرد عن «نعيمة» تلك الفتاة التي نزحت إلى المدينة التي أخضعتها لقواعدها:

  «عملت نادلة، والبنت في المقهى مطلوبة تناغي وتناجي.

  في المقاهي تسقط الحواجز، كلمة من هنا، ويد تصدم بعفوية أي جزء بارز أو لين، هدية من هنا وسهرة في علبة ليلية مع الصديقات تريح الأعصاب، والجو العام يسحبها من شواطىء براءتها بقوة.

  في البداية كانت تتفرج، تشاهد ما يجري دون أن تشارك سوى بالضحك الخفيف، كان يكفيها أن تنقل رقم هاتف من زبون لزبونة، وتحاول أن تزيد في إيرادها كي تكفي مؤونة العيش.

  في البداية كانت تخشى أن تخلع سروالها، كله على الناشف وتعود لحجرتها، لكنها بعد أن جرفها التيار وتعرفت على ماء الآخرين ونقودهم صارت تنساه في مكان قد لا تعود إليه»(9)

  ينقل السرد التحولات المفصلية في حيوات الشخوص، وانحراف مساراتهم وخروجهم من باب البراءة ودخولهم عالم الفساد عبر باب الاعتياد على السقوط والاحتكاك بالساقطين وعبر باب المال كذلك، فنعيمة انتقلت تدريجيًّا من مشاهدة اللهو الماجن إلى التورط في ممارسته مع الاعتياد التدريجي والحاجة المادية، فشدها تيار الدنس من شواطىء براءتها ليغرقها في دوامات الفساد، فقد أبدل عالم المقهى طبيعتها الطيبة وفض بكارة نقائها.

  وكما أطل السرد على تحول الشخوص من عالم البراءة إلى دنيا الرذيلة ومن وسط النقاء إلى مستنقع الفساد، كذلك يتتبع السرد تحول الشخصية عن مداها الروحاني إلى عالمها الجسدي تلبية لدعواته كما حدث مع «شادي» الشاعر السوري المنبت، الفلسطيني الجهاد والعروبي التطلع:

  «شاعر، مناضل ووسيم، وصفة سحرية للعشق والصيد، صيد من أول يوم، انخفض سقف الروح قليلًا وارتفع مؤشر الجسد.

  ارتطم بشاعرة من أول ندوة ونام على وعد بالاستقرار، لم يتذكر ما قاله شاعر عن زواج شاعر بشاعرة، أجاب بسرعة: انتحار.

للجسد نداؤه، رحتُ أتحسسه كأنني أكتشف للمرة الأولى أنه موجود، كأنه كان لواحد غيري، كان يرتخي والأيام ترتخي بمحاذاته، والعمر يهرب منه»(10)

  إن انتقال الشاعر من عالم الروح إلى عالم الجسد قد جاء عبر باب الحاجة إلى الاستقرار، وإجابة نداءات الجسد الذي بدأ يستكشفه مع تنامي شعور بالارتخاء وتسرب العمر، فكأن ثمة علاقة عكسية بين معامل الزمن وعالم الروح، وكأن دوران الزمن بالعمر يُلزم الذوات بالعناية أكثر بالجسد على حساب الروح والمادة على حساب الجمال والفكر، فمع تقدم العمر تتراجع الروح لتفسح الطريق للجسد ليقود الذات في اختياراتها المصيرية، وهو ما آل بصاحبه فيما بعد إلى التعثر في حياته الزوجية، فقد أضره خضوعه لنزوات الجسد وإعلائه له على حساب الروح.

باب المأساة الفلسطينية

  تمثل المأساة الفلسطينية بابًا رئيسيًّا في عالم «باب الليل»، فينفتح باب الحكاية على مطالعة حال فلسطينيين بقوا بتونس – دون مواطنيهم – لسنوات رغم اتفاقية «وأسلو» للسلام مع الدولة العبرية، بسبب رفض إسرائيل لمسالة عودتهم لارتكابهم حوادث قتل ضد إسرائيليين، فيصف السرد حال الشراذم التي بقيت عالقة من الفلسطينين بتونس بعد حرمانهم من العودة، بعد اتفاق «أوسلو» كما يصف السرد المقهي:

  «يعج ببقايا فلسطينيين بقوا هنا مرغمين بعد أن غادر الجميع تقريبا إلى رام الله مع ياسر عرفات بعد اتفاقية أوسلو…. بقايا لم يجدوا أسماءهم في كشوف السلطة الفلسطينية. وفي القوائم الإسرائيلية كانوا ومازلوا، ممنوعين من العودة، أياديهم ملطخة بدماء الإسرائيليين، وأرواحهم ملعونة أيضًا، وعليهم إن تنفسوا أن يفعلوا ذلك في مكان آخر يستحسن أن يكون قبرًا سحيقًا في جوف الأرض»(11)

   توغل الحكاية في مكامن المأساة الفلسطينية بالمرور من باب اتفاقية السلام التي أُبرمت بأوسلو، فتقوم الرؤية السردية بنزع ورقة التوت الذابلة من على عورة اتفاق السلام الهش الذي أبرمته السلطة الفلسطينية بالعبور من باب التنازلات والمضي قسرًا في مضايق الاستسلام لإملاءات الطرف الإسرائيلي، ولو كان هذا على حساب بعض مواطنيهم، بل على حساب نخبة من ثوارهم ومجاهديهم الذين خاطروا بحياتهم وحملوا السلاح وسيلة لمقاومة الاحتلال الصهيوني، مما يجعل السرد يمر بباب المفارقة التي تتفجر في مثل هذا الوضع، فالمفارقة «بدرجاتها المختلفة وشروطها المتعددة من أبرز مظاهر شعرية السرد؛ تعادل في أهميتها وخطورتها الوظيفيِة الدور نفسه الذي يقوم به المجاز في شعرية القصيد، وذلك لاعتمادها على خاصية جوهرية تتفق مع المجاز، وهي أنها: تقول شيئًا وتقصد شيئًا آخر، بالإشارة المرنة إلى الموقف والظروف المحيطة بعملية التواصل اللغوي خارج النص. عندئذٍ لا يُمكن الاكتفاء بالمعنى الحرفي وتصديقه بشكل مباشر»(12)، فتنجلي المفارقة هنا في اتفاق طرفي العداء السابق – بعد توقيع اتفاقية السلام – رغم عدم سابق اتفاقهم على إقصاء بعض المجاهدين الفلسطينيين، الذين خاطروا بحياتهم وجازفوا بأرواحهم بحملهم السلاح أداة لمقاومة الاحتلال الصهيوني، فتلاقي قيادات الدولة الفلسطينية تضحيات مجاهديها بالجحود وتكافىء تقدماتهم العمر قربانًا على مذبح الفداء في هيكل الوطنية بالإقصاء والنكران، مما يفجِّر مفارقة تنضح بالألم وتطفح بالمرارة والأسى.

  غير أن معاناة الفلسطينيين الباقين بتونس لم تقف عند حد أن سلطتهم الوطنية قد أوصدت في وجوههم باب الرجوع إلى الوطن، بل إنها قد ورابت باب المعونات والمرتبات التي ترسلها إليهم كما في شهادة «أبو شندي»:

  «لكن السَلَطة الفلسطينية – ينطقها مفتوحة – يكرمها الله، كسرت الكريستال أو أعطته لونًا آخر وأكملت جميلها: خفضت رواتبنا، أحالتنا إلى التقاعد أحياء بعد أن رمتنا سابقًا على رصيف الموتى الأحياء.. بالكاد نكمل نصف الشهر….من ثار تقاعد، من ثار جاع، من ثار لم يعد يعرف إن كانت فروض الصلاة أربعة أم خمسة، لا شيء مؤكد، الشيء الوحيد الأكيد الذي يعرفه جيدًا أن قبلته أصبحت في اتجاه الغرب، في اتجاه إسرائيل والدول المانحة»(13)

  تتمادى المأساة الفلسطينية بأيدي القيادة الفلسطينية، التي أوصدت باب الحياة الكريمة لأبناء الوطن المنفين في تونس بتخفيض رواتبهم وإحالتهم إلى التقاعد ووأدهم أحياء، فتكون مكافأة الثوار الإقصاء والمعاناة المعيشية، مما يُفقد الذات إيمانها بمطلقاتها، فقد تلاشى الحق وأغلقت أبواب اليقين اللهم إلا باب الائتمام بإسرائيل والغرب والانسحاق أمامهما، والغالب على عديد من مقاطع الخطاب الروائي التي تتناول الأبعاد الأيدلوجية للأوضاع القائمة هو انفتاحها على باب الغنائية في مفارقة لافتة، وهو عكس الاتجاه الطبيعي للأيدلوجيا التي تبعد عن مجال الغنائية، فتلك الغنائية في التناول البوحي للأيدلوجيات إنما يعكس سقوط الأيدلوجيات الكبرى وزوال المطلقات العامة، لتحل محلها الرؤى الذاتية كبدائل فردية للحقائق الكلية الغائبة وهو ما يفتح السبيل للغنائية في طرح الرؤى الشاملة للعالم.

  والرواية التي تجوب في شأن العالم العالم العربي في فترة ما بعد حرب الخليج الثانية واتفاقية أوسلو تدين تخاذلًا قوميًّا بشأن القضية الفلسطينية، ولو من منظور فردي عبر أحد أصواتها وهو «أبو جعفر» الفلسطيني النازح من العراق بعد الغزو الأمريكي له في 2003:

  «بوجه متغضن بالحسرة يقول: الأمة العربية كلها – ما عدا الرفيق صدام – اشتغلت على الثورة الفلسطينية، ورقة التوت التي بها غطوا عوراتهم، ناضلوا بها كذبًا ونافحوا عنها بهتانًا.

  يصمت كدهر ثم ينطق كلحظة:

كسبوا بها وخسرنا نحن»(14)

يعمل المنظور الرؤيوي للخطاب السردي على الربط بين القضايا والمساءلة في القضايا الكبرى، ولو حمل بعض شخوص السرد أراء صادمة أو اتخذوا بعض مواقف تتسم بحدة عاطفية أو قدر من المبالغة في تعظيم بعض المواقف أو إدانة مواقف أخرى دونها.

 فيمارس الخطاب الروائي نوعًا من العصف الذهني في متابعة مناظير أصوات السرد حول القضايا الكبرى مما يفتح الباب على رحابة رؤيوية.

باب العنونة والتسمية

  إن للعنوان فاعلية أنطولوجية في النص، فإذا كان «جاك دريدا» يذهب بأن «العنوان يعلو النص ويمنحه النور اللازم لتتبعه»، و»العنوان يعد أخطر البؤر النصيّة التي تحيط بالنص»(15) فبولوجنا باب النص، عنوانه، باب الليل، نجدنا أن مركّبا إضافيا يفتح للمكان باب الزمن، والباب ينفتح على دلالات متقابلة بين الانفتاح والانغلاق، الداخل والخارج، الضيق والاتساع، العبور والمنع، الكشف والحجب، وإذا كان الإنسان «وجود نصف مفتوح»(16)، فالباب هو «كون كامل للنصف مفتوح. الواقع، إنه أحد صور النصف مفتوح الرئيسية، أصل حلم اليقظة بالذات الذي يجمع الرغبات والغوايات: الإغراء بفتح الأعماق القصوى للوجود والرغبة في قهر الوجود المتكتم»(17)، أما الشريك التكويني في العنوان، وهو الليل، فأي ليل؟ هل هو ليل اللهو وملاحقات الشبق التي تدور بالمقهى، أم هو ليل الفقد والألم والضياع الذي هو مصير معظم شخوص الرواية، أم ليل الانتظار لانبثاق النهار المخلص من العتمة؟

   وبالنظر إلى عناوين فصول الرواية وأبوابها البالغة خمسة عشر بابًا: (باب البنات – باب الفتح – باب الهوى – باب الأقواس – باب العسل – باب الملكة – باب النحل – باب الوجع – باب الجسد – باب الريح – باب النار – باب البحر – باب الرجال – باب النساء – باب للّا درة)، يمكننا إعادة تقسيمها وتوزيعها على أربع مجموعات، كلٌ ذات صلات عضوية رابطة بين أبوابها على النحو التالي:

1-  باب (البنات – الفتح – الهوى – الأقواس)، فكأن باب (البنات) هو مفتاح الأبواب وأول الأبواب، وهو الباب المؤدي إلى (الفتح) لعلاقات (الهوى)، غير أن ثمة هوى خليقًا بأن يُوضع بين (الأقواس) لأنه عشق مفارق ومجاوز في جنونه وصفائه، كما كان بين «أبو شندي» المجاهد الفلسطيني ومعشوقته اللبنانية المسيحية، فيقول «أبو شندي»: «جمال العشق أنه يصبح هو الديانة، ينحي كل الديانات أو يجعلها تذوب فيه وتأخذ لونه وطقوسه وصلواته»(18)

2-  باب (العسل – الملكة – النحل – الوجع)، فكأن (العسل) الذي هو إفراز رامز للذة الشبق، إنما له مذاق مختلف حينما يمنح من (الملكة)، ملكة (النحل) «درة» أو «باربي» المتناهيتين الجمال والغواية، واللتين تختاران من يلقحهما كاختيار ملكة النحل لمن يلقحها، غير أن تلك اللذة مشمولة بالوجع ومقرونة بالألم، جراء الغدر وتخلي الملكة لاسيما «باربي» الصحفية الشابة عمن لقّحها ولو لليلة، باحثة عن غيره، في اليوم التالي.

3- باب (الجسد – الريح – النار – البحر)، فنستطيع أن نرى فيها الإسطقسات الأربعة المشكلة للوجود، فالجسد بإعمال المجاز المرسل باعتبار ما كان وما سيكون، يحيل إلى (التراب)، مع (الريح) التي هي بأعمال المجاز المرسل اعتمادًا على علاقة (المسببة) هي نتاج الهواء، وهناك (النار)، أما البحر فهو يحيل بعلاقة المجاز المرسل المكانية إلى (الماء)، فكأن تلك الأبواب التي هي من أبواب الليل، هي منفذ على الوجود.

4-  باب (الرجال – النساء – للّا درة)، فكأن الرواية تنتهي من حيث بدأت، بملاحقة الرجال والنساء عند صاحبة المقهى (درة)، التي هي ست البنات.

  واعتبارًا لما تحمله الأسماء من طاقات موحية، فإن لكل اسم علاقة بمسماه، فثمة ترابط رمزي يجمع الاسم بحامله، فلحامل الاسم نصيب من معنى الاسم؛ فشخصية مثل (درة) يفتح لنا اسمها رمزية الـ(درة) التي هي لؤلؤة عظيمة، فدرة الشخصية كالدرة، اللؤلؤة العظيمة، باهرة الشكل، وباهظة الثمن، غير أنها مجرد جماد، عديم الروح، وهو ما ينطبق على شخصية (درة) المنغمسة في شهواتها الجسدانية، دون أي فاعلية روحانية تمارسها.

  غير أن اللافت هو استعارية أسماء معظم الشخوص، فمعظم الشخصيات تحمل اسمًا لم يكن اسمها الأصلي: «شادي، بالطبع لن تعرف، إن كان اسمه الحقيقي أو واحدًا من أسمائه العديدة التي التصقت به، وتبدلت أسرع من تبديل ملابسه، طوال مدة نضاله في الثورة الفلسطينية متنقلًا بين المنافي بعشرات جوازات السفر»(19)، فإن تبديل الشخص لأسمائه، يعكس حالة من الحصار تؤدي لفرار الشخص من اسمه بالتوازي مع فراره من الأمكنة، فيتنقل الشخص بين الأسماء كما يتنقل – مجبرًا – بين الأماكن. وهناك المصري المشترك في النضال المكافح لتحرير فلسطين: «اسمه فاروق جعفر، على اسم لاعب الكرة المصري الشهير في السبعينيات، استقر عنده هذا الاسم بعد أسماء كثيرة..رويدًا رويدًا تبدّل اسمه إلى فاروق انجرام لأن اللاعب قام بإعلان شهير عن معجون حلاقة اسمه انجرام، مع الوقت اختفى فاروق أيضًا وبقى انجرام مسبوقًا بتبجيل واضح بلقب السيد» (20). إن استعارة بعض الشخوص لأسماء المشاهير، يعكس بقدر تعلقهم بهؤلاء النجوم، إحساسًا مطمورًا بضآلة قيمة الذات، أو العجز عن تحقيق الذات لاسمها شهرة ونجومية خاصة، فتلج باب أسماء النجوم استعارة للمعانهم وشهرتهم.

  وقد يكون الاسم تحريفًا لاسم الشخصية الأصلي؛ كشخصية «أحلام» أو «حلومة»: «اسمها أحلام، صنعت منها درة حلومة بسرعة فائقة، صديقة وعشيرة، حاملة لمفاتيح خزائن حكاياتها والخزائن نفسها»(21)، وإذا كان الاسم المحال نحوه لا يختلف كثيرًا عن الاسم الأصلي، غير أنها دال على تحكم «درة» صاحبة المقهى والسيادة في فتيات مقهاها، فجعلت «أحلام» تتخلى عن «أحلام» اسمها، وصنعت منها «حلومة»، مما يشي بطواعية تلك الشخصية «حلومة» وقابليتها للتشكل والصنع كمادة لينة وطيعة.

   غير أنه – أحيانًا – لا يكون الاسم على وفاق مع مسماه، بل يكون الاسم ضدًا لحامله: «اسمها ألفة، اسم في غير اتجاه، لا تألف أحدًا إلا بصعوبة، حتى لو مازحتك مرة، أو مدت طرف حديث معك، تبدو كأنها لم ترك على الإطلاق من قبل، تتجاهلك ببرود كأنك لست هنا من أصله»(22)، إن تضادية الاسم مع حامله تعكس مفارقة حادة للشخصية، كما تشي بزيفها الخادع، وتناقضاتها المتمادية، مما أفقد الاسم معناه، بعدما انبتت الأواصر بين الشخصية واسمها.

  كما يحمل اسم المقهى «لملمة الأحباب» تناقضًا مع حاله، فهو يمثل عالمًا مفككًا يجمع شتيتًا من الناس، كما يُطلق عليه أيضًا مقهى «الأجانب»، لأن كل من ليس تونسيًّا يعد أجنبيًّا.

باب الهيكل السردي

  يمثل الشكل السردي أو قالب القص في عرضه لأحداث الحكاية مجلى دالًا على منظور الصياغة الفنية في استيعابها للعالم المحكي عنه وتعاطيها لوقائعه، فالقالب السردي هو معرض حركة العالم الموضوعي ترتسم ذبذباته لتخط سير السرد وتقود مساراته، وتُشكِّل أطره الحاوية المواقف ورؤى العالم المتمثلة في وعي أصوات السرد.

  وباستجلاء بنية السرد في «باب الليل» نجدنا إزاء بنية سردية مخاتلة، فرغم سعي حركة السرد بالمضي بالحكاية المروية أمامًا، ورغم الدفع التدريجي بشخوص جدد يظهرون على امتداد الحكاية، فإن حالة الجمود في الواقع والتكرار شبه الرتيب للأحداث والتناسخ المعاد للوقائع يجعل للسرد بنية دائرية يحدها مكانيًّا المقهى بما يجري فيه من مناورات ومحاولات قنص إشباعًا للغرائز أو تربحًا من سلعة الجسد وكذلك من بوح آسيان وسخط هادر لرواده من الفلسطينيين، كما يمثل العقد الأول من القرن الجديد خطًا زمانيًّا لأحداث الحكاية مع بعض الارتدادات استرجاعًا لتاريخ الجهاد الفلسطيني ضد العدو الصهيوني في أوروبا وغيرها من المواقع، غير أن حالة التيبس والجمود الذي ألزم الأفراد مواقعهم المكانية والزمانية دون تقدم جوهري يُذكر يجعل للسرد قوامًا مطاطيًّا يوازي حالة التسرب الزمني ليعيد الأشخاص مهما تقدم بهم العمر ومر عليهم الوقت إلى نقاط سابقة.

  ورغم الترابط الدائري والاتحاد المتضام لفصول الرواية البالغة خمسة عشر فصلًا، غير أن اللافت هو قابلية البنية السردية لإمكانية الانشطار العضوي والتفكيك الفصلي والانسلاخ الوحدوي؛ فلكل وحدة سردية أو فصل من فصول الرواية أن تشكِّل بنية مستقلة بذاتها رغم انضمام كل فصل من الرواية لدونه من الفصول فيما يشبه اتحادًا كونفدراليًّا لوحدات السرد سكون الرابط بينها الشخوص الممتد حضورها بامتداد السرد ووحدة المكان والتشارك في اقتسام هموم جامعة لأصوات السرد، وتشابك مصائر الأفراد.

باب الشخوص

  يمثل شخوص «باب الليل» نماذج محمَّلة بهموم مؤدلجة، فيتمدد حضور معظم أصوات السرد متجاوزًا مدى الكيان الذاتي والوجود الشخصي والتعين الفردي، ويمثل «أبو شندي» الوجه الأوضح للمأساة الفلسطينية الذي قدَّمَ سيلًا من التضحيات في سبيل تحرير وطنه من الاحتلال الإسرائيلي:

  «عشرون عامًا من النضال تحت راية الثورة الفلسطينية في بلاد الله ومثلها في تونس بعد أن طارت الراية أو تبدلت.

  لم يعرف ألعاب الأطفال، لم ينم ليلة على أغنية مفرحة، لم يعرف سوى أسماء الشهداء، صاحب البندقية، أخذها في حضنه ونام، لم يلعب بها، قسم إيمانه على نصفين، نصف في ظهره ونصف بين عينيه»(23)

  وفي المقابل لم يلق إلا الخسران الفادح، إذ مُنع من العودة لبلاده مع مواطنيه العائدين من تونس إلى رام الله بعد اتفاقية أوسلو 1993 امتثالًا لرغبة إسرائيل، كما فقد في حادث تفجير حبيبة عمره وزوجه اللبنانية «أم زينة».

  وفي المقابل يعد «بريجينف» باسمه المستعار مثالًا للمجاهد الحنجوري المتاجر بالثورة دون بذل أية تضحية، فهو نموذج لنوعية من القيادات التي تحصد ثمرات ما غرسه الآخرون بالجهاد وما رووه بالدم، دون تعب، في خلل فاضح لواقع مشوَّه يغيب عنه العدل.

 أما «أبو جعفر» الفلسطيني الذي لاذ بالعراق، استقواءً به في حشد الدعم للقضية الفلسطينية، فتنهار آخر قلاع الحلم وآخر حصون المقاومة باحتلال أمريكا للعراق في 2003، فهو كما يصفه السرد:

  «مناضل بجناحين، كان على موعد مع المرحلة الذهبية، يقولون إن علاقته بصدام أكسبته القوة وأعطته البوصلة، وصار ذا باع طويل في بلاد الرافدين.

  تحت الجناحين برم الدنيا من بوخارست إلى بون إلى براغ، أماكن النضال ومسرح العمليات، واستطاع التوفيق بين جميع الحبال، طموحات الثورة وأهداف الأخرين.

  لم يكن عميلًا مزدوجًا، كان عميلًا – إن شئت الدقة – لحلمه بوطن واحد كبير.» (24)

  يمثل «أبو جعفر» مثالًا للمناضل القومي أو العروبي المخلص لفكرة القومية المشتركة رغم أفول زمنها، فلم يلق مصيرًا أفضل من زميله في الجهاد «أبو شندي»، فسقط حلمه بالوطن الواحد بسقوط بغداد، وخسر كذلك على صعيد أسري بسفر زوجته بأطفاله للعيش مع أسرتها في المغرب، مع تصميمه على البقاء بتونس استجماعًا لشتات الوجود الفلسطيني هناك.

 ويشيّد «الطويلة» مبناه الروائي على ثلاثة محاور متعادلة من حيث شخصياته الروائية، مرتكزًا على قواعد الجنس والجنسية الوطنية والعمر.

  وفيما يخص محور الجنس بالنسبة لشخوص الرواية نجد في الظاهر أن ثمة ترجيحًا طفيفًا للعنصر الذكوري على حساب الإناث، ففي السرد حوالي عشرة شخصيات ذكورية يتراوح وجودهم من حيث التأثير بين الأصالة والثانوية، في مقابل شخصيات ظلِّية مثل «كسوف» المحتال بالمقهى لنقل أرقام الهواتف إبرامًا لصفقات التواعد الغرائزي، و«سفيان» العامل بالمعمار عشيق «درة» صاحبة المقهى، وزوج «درة» المقاول المعماري. أما العناصر النسائية الرئيسية فتبلغ سبعة عناصر: فشخصية «نعيمة» فتمثل الفتاة التي أودت المدينة ببراءتها وكانت صيدًا للجميع بمن فيهم أختها التي ضحت من أجلها «نعيمة» بتحمل مكابد العمل بالمقهى وتقديم جسدها سلعة مبتذلة للإنفاق علي تلك الأخت الصغرى في تعليمها الجامعي والتي ردت لها الجميل بإقصائها عن رفيقها الإيطالي واقتناصه لنفسها بوشايتها بأختها نعيمة لدى الإيطالي. أما درة تمثل نموذج المرأة اللعوب، التي تستغل الرجال، وأولهم «سفيان» البنّاء المعماري، حبيبها وعشيقها، الذي ما لبثت أن منعته عن جسدها الذي أتاحته لغيره، بعد أن بنى لها المقهى وصاغ ديكوراته. أما «ألفة» فهي نموذج للمرأة اللعوب المحتالة التي تتناقل بين أكبر عدد ممكن من الرجال لقنص متعها الشهوانية والاستيلاء على أقصى ما تستطيع من مقدراتهم، حتى إنها كفرت بنعمتها وتمردت على زوجها الألماني وعلى مجتمع ضاقت بنقائه وغياب الاحتيال عنه. أما «باربي» فهي صحفية بالقطعة تمارس متعتها بانتقاء من تهبهم جسدها من الشباب في أواسط العقد الثالث من العمر، من أجل المتعة لا المال الذي قد تبذله مكافأة لمن يمنح جسدها المتعة.

  أما «رحمة» و«حلومة» فتمثلان شخصيات نسائية غدر بها الزمن: الأولى عن طريق زوجها الذي ذهب ليتزوج عليها، ثم غدر بها ثانية برحيله عن الدنيا وتركها وحيدة في تربية ولديها، والثانية عن طريق صديقتها وعشيقها اللذين ورطاها في إدارة شركة وتوقيع شيكات بدون رصيد فكان مصيرها السجن وممارسة السحاق. أما «حبيبة» فتمثل نموذجًا رمزيًّا للفن الصاعد والحلم بالنجومية والسفر إلى مصر، بما تلاقيه في طريق ذلك من محطات لابد لها من المرور بها.

  أما الشخصيات النسائية الظلِّية والأصوات الأنثوية الصامتة، فتتفوق كما على مقابلاتها من الشخصيات الذكورية بما يحفظ التوازن الكمي بين الشخصيات في محور الجنس ويصل بالفريقين إلى نتيجة التعادل. فهناك شخصيات نسائية شبحية مثل: «أم زينة» اللبنانية زوج «أبو شندي» عشقه الخالد، وهناك أخت «نعيمة» التي غدرت بها وطارت إلى الساحل المقابل، إلى أوروبا، كذلك هناك شخصيات العاهرات اللائي كن يعملن في «ماخور» بألمانيا يُستخدم قاعدة لإدارة عمليات المقاومة وتصفية عملاء العدو بأوربا، وأبرزهن «العاهرة الثانية عشرة» التي يقول عنها «أبو شندي»:

  «العاهرة الثانية عشرة أوقعت صدفة بإسرائيلي كان يريد أن يصطادنا، فاصطدناه في غرفتها بمساعدتها، قتلها فقتلناه، وشيعناهما معًا في تابوت واحد.

حرقناه حتى لاتنبت منه عظمة واحدة ..

تصور، المجاهدة الثانية عشرة كانت تعلق في غرفتها وفوق سريرها مباشرة من قبل أن نشتري الماخور – صورة ياسر عرفات»(25)

  تتلألأ التماعات المفارقة بإخلاص العاهرة/ المجاهدة للقضية الفلسطينية رغم جنسيتها الأجنبية ورغم انغماسها في المتاجرة بجسدها، غير أنها تحلت بفضيلة مناصرة الحق، وبمقارنة موقفها بشخصية مثل برجينيف أو مواقف كثير من العرب الذين لم يخاطروا بأرواحهم مثل تلك العاهرة يتبدى لنا زيف الكثير من مواقف مدعي القومية والنضال.

  أما من حيث محور جنسيات الشخوص، فثمة تنوع متفاوت في أجناس شخصيات الرواية التي تضم في أرجائها عينات متنوعة من بقاع عديدة في الوطن العربي، غير أن هناك ارتفاعًا طفيفًا وتفوقًا محدودًا في نسبة التونسيين لأنهم أصحاب الأرض مدار الحكاية الرئيسية للرواية، لاسيما في العناصر النسائية الرئيسية فهناك سبع شخصيات رئيسية من النساء كلهن تونسيات، أما من الرجال فلا يوجد من الشخصيات ذات الحضور المهم في الرواية من التونسيين سوى «مهدي» التونسي المسيحي الوحيد بالمدينة بالإضافة لستة قساوسة، وهناك «محمد كازنوافا» أكثر الرجال مهارة وجاذبية في اضطياد النساء، بالإضافة إلى «كسوف» الذي يتحايل لكسب رزقه من المقهى، مع وجود لافت لشخصيات فلسطينية على أرض تونس مثل الثلاثي «أبو شندي» و«أبو جعفر» و«برجينيف»، وشخصيات متنوعة من العالم العربي كـ«شادي» السوري الشاعر والمناضل الذي قاتل في صفوف الفلسطينين حتى تنكر بعضهم له، و«غسان» اللجىء السياسي السوري الأصل حسب الأب والتونسي بالحصول على الجنسية، وشخصية «مجيد» من لبنان، و»حسن شحاته» المصري صاحب الاسم المستعار.

  أما من حيث الشرائح العمرية فالغالب عليها في الرجال لاسيما الفلسطينيين، هو الانتماء لمرحلة الكهولة في مطالع العقد السادس من العمر، ذلك الجيل الذي بذل عمره في خدمة الثورة والنضال، حتى حصد تضحياته خسرانًا وفقدًا وضياعًا، أما الجيل الشاب من شخوص الرواية سواء من الذكور والإناث فقد بدوا من المنغمسين في تتبع شهواتهم دون أي اهتمام بنضال وطني فقد عرضوا عن الدخول بباب الجهاد وأغلقوا باب النضال، وهو ما يعكس – بشكل رمزي – انتكاسة تلم بالجيل الشاب الذي نأى عن مواصلة مسيرة كفاح أسلافهم من الجيل المناضل.

  ومن المشتركات التي تجمع بين شخوص الرواية رغم ما بينها من تمايز  وتفاوت أيدلوجي هو وقوف معظمهم بباب الانتظار، فغالبية أصوات السرد إن لم يكن كلهم، ينتظرون حلًا لأزماتهم وخلاصًا ينتشلهم من حالة ضياع تلم بهم؛ فـ«مهدي» ينتظر مجيء المسيح، وبالتوازي ينتظر فرصة ذهبية بالعمل مع قوات المارينز الأمريكية، أما «أبو جعفر» الفلسطيني الذي عاش بالعراق، فينتظر عودة «صدام» الرئيس العراقي، رافضًا تصديق أمر موته، فيمسي «صدام» أبو جعفر هو مسيحه المنتظر، كما يصف السرد عكوف «مهدي» و«أبو جعفر» على حال انتظار مسيحهما المخلص:

  «يصنعان اللعبة معًا، يغرقان فيها في كل وقت في البيت والمقهى، وصدام مازال موجودًا على ظهر الدنيا، مازال مختبئًا، وسيظهر كالمسيح في أية لحظة، ربما في آخر الرواية، وما إن يسمع مهدي اسم المسيح حتى يقرع نواقيسه، يسحبهما من الوهم اللذيذ ويدخل في الحوار:

نعم، سيظهر المسيح، وانا في انتظاره.

الذي استفاق يلاعبه:

أين ستقابله؟

هنا في المقهى، يمسح دموعي ويلبي طلباتي كلها في غمضة عين، لأرتاح»(26)

   إن الواقع المأسوي الذي سكر باب الأمل في خلاص عاجل يمكن أن يتحقق بيد الذات أو البشر المحايثين، قد جعل الشخوص يقفون بباب انتظار خلاصٍ استثنائيٍّ خارقٍ، فانتظار المسيح الذي يقترن مجيئه الثاني بنهاية العالم والقيامة لا يعكس رغبة في الخروج من تلك الأزمات التي تعترض الذوات بقدر ما يضمر رغبة دفينة في التخلص من هذا العالم، كذلك فإن انتظار «أبو جعفر» لصدام مسيحه الخاص، بعد أن أبى أن يصدق موته، إنما يجسد مأزق الوعي غير القادر على استيعاب رحيل بطله الأوحد، وفقدانه الثقة في البشر الآنيين في سد فراغ رحيله وتعويض غيابه.

   أما «أبو شندي» فينتظر الرجوع إلى «فلسطين» أو بلد قريب من الوطن كالأردن، أما «مجيد» اللبناني فهو: «موعود أن يكون سفيرًا في إحدى البلاد قريبًا، ينتظر أن تتبدل الحكومة وتركب جماعته الحكم ليركب هو»(27)، وشخصية مثل «أحلام» أو «حلومة» التي قضت بضع سنوات بالسجن، خرجت لتنتظر انتهاء مدة الربع الباقي من مدة سجنها الذي كان مقررا له عشر سنوات، فخرجت بعد قضائها ثلاثة أرباع المدة؛ حتى تستطيع أن تستخرج بطاقة هوية، «وعلى نار تنتظر أن ينتهي الربع الباقي لتحصل على بطاقة شخصية ومن ثم على جواز سفر وتطير لتقابل أصدقاءها الكثر المتناثرين في أرجاء الإنترنت، على الأقل تخرج من هذه المدينة التي أدمت روحها وبدنها»(28)، أما رحمة فقد كانت تنظر الحب والغرام بعد حياة زوجية حافلة بالمعاناة: «تنتظر الغرام وتحتاجه، تهفو إليه كمراهقة في سنة أولى حب لكنها لاتبوح، كأنها أرض بيضاء لم يخط فيها فلاح خطًا ولا ضرب فأسًا»(29)، وكأن حال شخوص الرواية لا يختلف عن حال رفيقتهم «رحمة»، يشعرون بضياع حياتهم هباءً مما يبقيهم في حالة انتظار لحياة جديدة تعوضهم عن حياتهم المفقودة. غير أن اليأس قد يخامر المنتظرين من بقائهم قيد الانتظار كحال «أبو شندي»:

  «لا أحد ينتظر أنبياء الآن يا أبو شندي، زمن الرسالات انتهى.

  ملامحه من بلاستيك، كأنه لم يعد ينتظر شيئًا، يعرف أن الثورة راحت من زمان لكن دم الناس الذي سال على الأرض في كل شبر وفي الخنادق هو الذي حافظ على روحها وجعلها تستمر وقتًا إضافيًّا»(30)

  إن الصراع بين الرجاء الذي يدفع الأفراد إلى الوقوف بباب الانتظار، واليأس الذي هو نتيجة لطول الانتظار دون نيل ولو طرف من الحلم، يفضي بالشخوص التي تململت وسُحقت من طول الانتظار إلى التخلي عنه؛ إقرارًا بالهزيمة واعترافًا بالانكسار الذي يفقد البشر ملامحهم الطبيعية، بعد أن طال انتظارهم لحلم دفعوا ثمنه مقدمًا بالدماء التي أطالت أمد الانتظار دون بلوغ نتيجة تعادل كل هذه التضحيات.

باب الصراعات والحيل النفسية

  إن المار بـ«باب الليل» ليجد حصارًا نفسيًّا مطبقًا يلتف بالشخوص الذين يلفهم الشعور بالوحدة مثلما يلاحق «أبو شندي» ورفاقه الفلسطينيين:

  «وحيد غالبًا إلا من بقايا فلسطينين يأتنسون به أو يؤانسونه، يفرغون ما تبقى من شحنات غضبهم أو غيظهم معًا، يلتمون على بعضهم كأنهم اجتمعوا لعزاء»(31)

  فالشعور بالوحدة يجمع بين بقايا الفلسطنينيين العالقين بتونس، غير أن المدهش هو حالة الغضب المشمول بالانكسار ما جعل غضبهم واهنًا ومجرد بقايا مثلهم، كذلك فإن الوحدة تلاحق اللبناني «مجيد»:

  «وحيدًا إلا من رغبته العارمة في جمع البنات حوله، دائمًا اثنتين أو ثلاث، صباحًا أو مساءً، يغمز بعينيه ويقول كلامًا حارًا، كأنه إعلان مدفوع الأجر عن فحولته.

  وهو ينعتهن بالغزوات، غزوة ألفة، غزوة در صاف، وغزوة مونيا، وأحيانًا غزوة نعيمة.

  في لحظة نادرة أنس لها، قال والأسى يركبه إن الوحدة تكاد تأكله وإنه قارب الستين ولا طفل ولا أنيس، يقضي نصف وقته في المجمعات الاستهلاكية ينفق نقوده ليشتري أشياء لا يحتاجها، ينفق وقته الفائض عن احتياجاته، يشتري الشيكولاته ويوزعها على البنات كيفما اتفق»(32)

  فالوحدة وهي المثير النفسي الضاغط على الشعور، يدفع الأفراد إلى القيام باستجابات رغمًا عن حاجاتهم، محاولةً منهم في التحايل عليها بما يتخذون من حيل نفسية لمدافعة شعورهم بتلك الوحدة، كما تورط هذه الحيل الشخوص إلى فعل ما يفضح ضعفهم، فـ«مجيد» اللبناني يصطحب بنات الهوى لمسكنه دفعًا لوحدة، رغم عجزه الجنسي، فتلك الحيلة بتقديم رشوة للبنات تؤدي لكشف ضعفه، فكأنه يداوي داءً بالاستسلام لداء آخر.

  وقد تؤدي الوحدة بـ«مهدي» المسيحي الوحيد بالمدينة إلى  الانفلات الحاد والهيام الشعوري: «صامت، وجهه بين كفيه، ينظر بغيظ إلى الفراغ أمامه، كأنه يعارك أحدًا داخله»(33)

  فالوحدة تؤدي بالأفراد إلى الصمت المحتقن، كأنهم براكين مطمورة الحمم، وهو ما يعكس تناقضًا حادًا بين حالة الصمت الخارجي والثورة المعذبة داخليًّا.

   وإزاء ما يواجهه الأفراد من شعور ضاغط وأزمات نفسية، فإنهم قد يتخذون من الوسائل ويلتمسون من الحيل النفسية ما يدافعون به شعورهم بالخواء والفقد النفسي، فأبو شندي يحاول أن يهرب من اختناقاته النفسية بالمشي:

  «يمشي حتى لا يجلس مع روحه ويكتشفها، يصعب عليه أن يرى نفسه على حقيتها أو يعريها أمامه، يعيش هائمًا في الشوارع والمقاهي، ولولا أنه يريد أن يلوح بذراعيه لجماهيره لكان آخر واحد يخرج من المقهى»(34)

  يبدو أن هناك انشطارًا للذات تعانيه الشخصية، التي تفر من أية مواجهة مع النفس بالمشي حتى لا تنكأ جراحاتها وتقلِّب في دفاتر هزائمها، ولتشبثه بزعامة واهية ورمزية لا يخرج آخر واحد من المقهى لكي يلوح بذراعيه لتحية الجلوس، وأحيانًا ما يهرب «أبو شندي» من مشكلته بالانغماس في محاولات حل مشكلات الآخرين:

  «لكأنك تنسى مشكلتك يا أبو شندي وتحل مشاكل الآخرين، أو تدفنها في حكاياتهم، لا ، أنت لا تفعل ذلك إمعانًا في الهروب، لا تحتاج إليه ولا تقدر حتى عليه، أنت تضع مشوارك بين عينيك تمامًا، وتتذوق لسعته كجرح حي لا يتوقف نزيفه ..أنت الآن أمام الحقيقة كاملة دون رتوش يا أبو شندي، الحكاية كلها أشباح في أشباح»(35) 

  مع وطأة مشكلات الذات الحادة، تقوم بنوع من محاولات الإزاحة النفسية، فكاكًا من آلام الذات بالانغماس في محاولة حل آلام الآخرين، غير أن عملية الإحالة التي تتخذها الذات حيلة دفاعية فرارًا من مواجهة خاسرة مع الذات التي تكتشف شبحية عالمها هذا المفتقد أية يقائن.

  وأحيانًا ما يلجأ الشخوص إلى ممارسة اللعب بالمقاهي كوسيلة نفسية وطريقة للفرار من ضغوط خانقة:

  «الناس كلهم يلعبون الورق، كل الطاولات بوجوه متوترة، يخرجون من أعمالهم منهكين، اليوم طويل ينتهي في السابعة مساء، هدّهم التعب، هدتهم مطالب البيوت والأولاد وأقساط القروض التي أكلت رواتبهم وكسرت ظهورهم، والتسجيل في ملاعب البيوت شحيح، لذا يهرعون للعب الورق يهربون فيه، يغوصون حتى ينسوا، ويسجلون أهدافًا على الطاولة»(36)

  إن الشعور بالهزيمة والإحساس بالخسارة في الحياة العملية والفشل في الحياة الأسرية، مع تكالب الضغوط يدفع الناس لمحاولة اقتناص فوز وهمي وانتصار رمزي لإزاحة آثار هزيمة واقعية تثقل كاهل إحساسهم، فباتت الحيل الانسحابية والوسائل الرمزية كاللعب هي الباب الذي يطرقه الناس نسيانًا لإخفاقاتهم وتجميدًا لشعورهم بالخسران. فرغم أن القاعدة تذهب بأن ثمة تواشجًا وثيقًا بين (البيتية) والشعور بـ(الألفة)، فعلى العكس في الفضاء المكاني لـ«باب الليل» الذي يستبدل الخارج بالداخل، والمقهى بالبيت بالنسبة للتونسيين، كما يستبدل المقهى بالوطن بالنسبة للفلسطينيين ورفائقهم العرب.

 ولعب الورق هو نفسه حيلة «أحلام» أو «حلومة» في الهروب من واقعها الموسوم بالإخفاق:

  «وأبو شندي يقول:

لعب الورق هو الميدان الوحيد الذي تنتصر فيه، هو اللعبة اليتيمة التي تصارع بها الحياة، كأنها تريد أن تهزم الحظ السيىء الذي لازمها كظلها، لتكسره.

تنتصر في اللعب لتقاوم الهزائم المتكررة»(37)

  إن الهروب لعالم الورق واللعب الذي تمارسه «حلومة» لخلق عالم موازٍ لعالمها الواقعي تستغني به عن واقعها الذي تشعر بفداحة خسائرها فيه، وإذا كان العالم التعويضي، عالم الورق، يقوم اللعب فيه على أسس المقامرة والرهان والحظ لا الجداراة أو الكفاءة، فهذا يحيل رمزيًّا إلى العالم المنسحبة الذات منه، عالم الواقع، وكأنه واقع عبثي، تعتمد الحياة فيه على المقامرة، لا الموضوعية، وهو ما يمثل ظلمًا قاسيًّا لأفراده.

  أما «شادي» الشاعر السوري والمجاهد بالسلاح لاستعادة فلسطين، فيحيد عن حلمه بدخول فلسطين بوسيلة أخرى كما يقول:

  «اسمع.. كنت أحلم بدخول فلسطين مع الداخلين، مثلهم، أغني لهم، أنا الحادي، أدخل لأضع كوابيسي تحت وسادتي وأنام أو أموت سعيدًا.

  لم أستطع، نعم لم أستطع، الآن أعتبر كل واحدة فلسطين، أحبها، أسعد بها، أدخلها سعيدًا»(38)

  في ظل ممانعة الواقع الحائل دون بلوغ الشخوص أهدافهم وإدراك أحلامهم التي جاهدوا في سبيلها طويلًا، فيقومون باستبدال الهدف، في عملية إزاحة شعورية تسعى لأن تتعالى على حالات الإخفاق بفتح أبواب لبدائل تعويضية، مما يخلع على موضوعات العالم المعيش حضورًا نفسيًّا مزدوج الدلالة ومضاعف الغاية، فالمرأة – مثلًا – تمسي  مجالًا للإشباع الغريزي والقومي في آنٍ.

باب الضمائر السردية

  لئن كان للضمائر دور هام تضطلع به في الخطاب السردي ونقل مبثوثات الرؤية الدرامية، والبارز في «باب الليل» هو اقتدار الصياغة السردية في استثمار الضمائر والتقافز بينها كمحركات لآلة السرد، فرغم أن السرد في الجنس الروائي يعتمد بالضرورة على أحد ضميرين: الغائب حينما يكون السرد واقفًا خارج دائرة الحركة الدرامية للأحداث، أو ضمير المتكلم حينما يشترك الصوت السارد في الأحداث. وإذا كان الغالب في حركة الضمائر بباب الليل هو استخدام ضمير الغائب الذي يستخدمه الصوت السارد في نقل معظم الأحداث والرؤى، غير أن اللافت هو استخدام الراوي لضمير المخاطب الذي موطنه الشعر والمسرح، بما يتجاوز السائد في طبيعة التضمير السردي، فيبرز وبشكل مكثف وفي غير موضع بالرواية خروج الصوت السارد في الحكاية من باب ضمير المخاطب، فيقول السارد بعد وصفه للهو الدائر في المقهى وعقد صفقات التواعد:

  «لا تقلق.. قلت لك لا تقلق، البنت التي تخرج الآن مع رجل، إن أعجبتك لا تجحظ عينيك، لا تمصمص شفتيك، لا ترخي جفونك، ولا تسمح لضغطك أن ينخفض أكثر من اللازم، ستكون لك غدًا، لا أحد يستقر على عجيزة واحدة أو نصل وحيد في هذا المقهى»(39)

  إذا كان الغرض الأبرز لاستخدام السارد لضمير المخاطب في السرد هو فتح باب الألفة أمام المتلقي في تفاعله مع المسرود وإشراكه أو توريطه في دائرة الأحداث، فإن مطالبة السارد في تحول مباغت عن الحكاية نحو المتلقي بعدم القلق أو الاضطراب، بعد أن روى طرفًا من أحداث قد تبدو مثيرة للدهشة، إنما يعكس إحساسًا بغرابة الواقع المنقول عبر السرد وتجاوزه لمألوفية المحتمل ما يدفع السارد لمحاولة تخفيف حدة الصدمة المتوقع حدوثها لدى المتلقي، حتى يتمكن من استيعاب ما روي له من الحكاية وكذا حتى يمنح المتلقي قدرًا من التحصن لما يُمكن أن يطرحه السرد على امتداد الحكاية وما تبقى من أحداثها من وقائع غريبة، فما يقوم به الراوي هنا بإشهار الخطاب السردي بضمير المخاطب في وجه المتلقي، يعمل على كسر وهم القص، استشعارًا لثقل ما يحمله القص من غرابة.

  إن استخدام السارد لضمير المخاطب في السرد لم يقتصر على المواضع المفصلية في ثنايا الفصول، بل أحيانًا ما يستهل السارد فصلًا جديدًا ببث رسالة عبر ضمير المخاطب للمتلقي، وكأنه يود تحفيزه من بداية الفصل لوقائعه، كما في الفصل المعنون بـ«باب العسل»:

  «هل رأيت امرأة تسيل الرغبات على جدرانها مثل حبات صغيرة مكتنزة، تنفرط وتنعقد على انحناءة هنا، وبروز هنا أيضًا، وتتوقف، إن توقفت في المكان الذي شدها أو استهواها، تسيل متباطئة على منحدر، تتريث عند زاوية، وقد ترتاح فوق قبة أو تغطس في سرّة أو مأوى؟»(40)

  إن ما يبثه السارد باستخدام ضمير المخاطب من شحنة استفهامية تذهب بالمتلقي إلى التهيؤ لاستقبال ما سوف يطرحه السارد من محمولات إخبارية متجاوزة عن تلك المرأة المسيلة للرغبات، فالسارد يسير بإطلاقه لرسالته الاستفهامية عكس الاتجاه الاعتيادي للخطاب السردي الذي يغلِّب النسق الإخباري لا الانشائي الأنسب للشعر أكثر.

  وبعد أن يطوف السارد في وصفه لمفاتن تلك الفاتنة «درة» صاحبة المقهى، فاتحًا باب الافتتان بها، بلغة شعرية واصفة تنافس فتنتها فتنة الموصوفة جمالًا وتدفقًا عذبًا، يعود الصوت السارد مرة أخرى ليفتح باب الخطاب نحو المتلقي:

  «دعك من كل ما سبق، أنا أكذب عليك – يكذب عليك من يكتفي بذلك، هذا الوصف ليس كافيًّا – إن كنت قد رأيت فيلم «وخلق الله المرأة» الذي أخرجه المخرج الفرنسي روجيه فاديم لقطّة السينما الفرنسية وقتها بريجيت باردو والذي قدمها فيه للعالم لأول مرة كقنبلة من لحم ودم، ثم تزوجها بعده، ستعرف قيمة حرف الواو في الجملة، وأنها بدونه لا تعني شيئًا، بل إن الكون دونه لا يعني شيئًا، كأنه كان ينتظرها ليبدأ مسيرته»(41)

  إن تقافز السارد بين تعبيد أرض التلقي باستخدام ضمير المخاطب الباث الاستفهام، ثم الخوض في الوصف المنساب للمحاسن الباذخة لتلك الفاتنة «درة»، ثم يواصل السارد تصعيده المواجهة مع المتلقي لا بهدف عقد هدنة معه لاستيعاب ما ألقاه له من وصف – كما هو متوقع – إنما يخترق السارد حاجز التوقع، بإطلاق شحنة وصفية إضافية لجمال تلك المرأة الـ«درة»، ولكن هذه المرة بعقد مقارنة تناصية مع فيلم «وخلق الله المرأة»، استحضارًا لبطلته «بريجيت باردو» كنموذج جمالي فائق محال إليه مقارنة «درة» الحكاية بها، ولم يفت السارد أن يستثمر المستدعى التناصي أقصى استثمار وذلك بالإحالة الى عنوانه المفارق (وخلق الله المرأة) بتلك البداية بـ«واو» كان يفترض أن تكون وظيفتها اللغوية وظيفة استئنافية لخطاب سابق، فإذا بها صارت مفتتحًا للخطاب، متجاوزة لما سبق، وكأن تلك المرأة الاستثناء، المتناهية الحسن والفائقة الجمال، بريجيت باردو/ درة، هي حدث استثنائي استئنافي يلغي ويمحو ما سبقه، فتلك المرأة تمنح بجمالها العالم بداية جديدة.

  إن خطاب الصوت السارد لا يشمل فقط المتلقي، بل أحيانُا ما يمتد الخطاب السردي للراوي ليخاطب إحدى شخصيات حكايته بضمير المخاطب، فبعد أن يبوح «أبو شندي» في مداخلة حوارية بجانب من مواجده ومكابداته عن حبيبته القتيلة في لبنان، حتى يتدخل السارد ليوجِّه له خطابًا:

  «قف يا أبو شندي، لا مكان لك هنا، أنت فقط تتمنى لو تستطيع العودة إلى لبنان ساعة واحدة لتزورها. أنت تعرف أن لاقبر لها، هي بلا قبر، تسكن في قلبك ومثواها بين ضلوعك، والذي هناك ليس سوى عظام حبيب تنتظر، تشتاق حبيبًا ينادي عليها لتجمع نفسها بسرعة وتضم نفسها بعجلة الملهوف»(42)

  إن مخاطبة الرواي لشخوص حكايته أو لمتلقيه يشبه ما يقوم به الرواي المسرحي من تقنية بريختية وهي «كسر الحاجز الرابع المسرحي»، وهنا يمكن أن نعده كسرًا لحاجز التخييل السردي، فكأن السارد الذي يشفق على إحدى شخصيات حكايته «أبو شندي» من استمرار انهماره البوحي، يتولى هو عنه استئناف ما يود قوله لقسوته وحدته العاطفية.

  وفي غير موضع بـ«باب الليل» يقوم السارد بعملية التفات ضمائري بالانتقال من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب في تفاعله مع نفس الشخصية:

  «لماذا يغير الأوربي بوصلته فجأة وهو المعروف عنه أنه لا يكذب مثلنا، ولا يشغل مخه كعادتنا؟

  لماذا غدرت بها أختها، لحمها ودمها وفلوسها، لماذا خطفته منها؟

  يحدث ذلك بين البنات أحيانًا، أما أختها فلا..

  تكاد تُشل.

  لمَ نشلته وهي التي تملك فرصًا أخرى كبيرة.

  لا أحد يملك هنا فرصة يا نعيمة أو نصف فرصة، إنها تأتي بغتة إن أتت والذي يجدها أو تهبط بين يديه ويتركها تمرق ولا يكمشها لم يخلق بعد على هذه الأرض.(43)

  ينتقل السرد من التساؤل حول حال نعيمة وغدر أختها بها عبر ضمير الغائب، إلى مساءلة نعيمة حول تفريطها في الفرصة وتبديدها مكتسباتها، وكأن حركة السرد المروحية بالالتفات الضمائري في التعاطي مع نعيمة من الغائب إلى المخاطب إنما يعكس تراوح شعور السارد نحوها من التعاطف معها والرثاء لحالها عبر ضمير الغائب إلى التوبيخ والمساءلة عبر ضمير المخاطب.

  ولا يقتصر التقافز الضمائري في الخطاب السردي لـ»باب الليل» على تنقل السارد في حكايته من ضمير غائب للوصف ومخاطب لمحاورة المتلقي، أو مخاطبة السارد لإحدى شخصياته، بل إنه يسلم عصا الحكي في مضمار السرد في الفصل الرابع (باب الأقواس) لراوٍ آخر، وهو أبو شندي ليروي شطرًا من الحكاية بضمير المتكلم، ولكأن السارد الرئيسي للحكاية يفتح بابًا أو أقواسًا جديدة لإحدى شخصياته «أبو شندي» ليروي بنفسه جزءًا من الحكاية، إمعانًا في إضفاء قدر افتراضي من المصداقية على الحكاية:

  «عشقتها.

  كانوا مجموعة من المشايخ يرونها لأول مرة، كنت أعرف أنهم يريدونها، أما أنا فعشقتها، حكايتي معها حكاية: ذبنا في بعضنا كعاشقين.

  يودون لو يفهمونها وأنا لا أريد أن أفهم شيئًا.

  تنام عندي مرتاحة هانئة، تسلمني شفرتها بوداعة بمجرد أن أمرر أصابعي عليها، حين تشعر بنبضها أو سخونتها تستعيد وميضها، تبوح بأسرار قلبها.

البندقية؟

نعم البندقية»(44)

  إن ثمة نوعًا من التداول السردي والتوالد الحكائي يُنعِش السرد بتناوب الأصوات الساردة، غير أن هناك استدراجًا وصفيًّا يقوم به السارد في مفتتح فصله بما قد يُوهم المتلقي أن الحديث عن امرأة معشوقة، في حين يتدخل الصوت الأصلي للسرد مستدركًا بسؤال عما إذا كان الصوت الذي أنابه دوره في السرد يتحدث عن البندقية، فرد بالإثبات، في ازدواج صوتي للسرد.

باب الحوار

  يمثل الحوار مع الوصف رئتي الخطاب السردي، وللحوار بما يحتله من مساحة في الفضاء الكتابي دلالة ميتالغوية تتجاوز دلالاته اللغوية المباشرة، وجلي أن الحوار في «باب الليل» يتسم بمرونة تناسب المواقف وأحوال الشخوص والأوضاع الكلية الحاكمة.

  إن الغالب على الحوار هو الميل أكثر إلى القصر، وإن كان هذا لا يمنع من بعض مواضع لمبادلات حوارية ممتدة، ومن المواضع التي يُلاحظ فيها قصر الحوار ما ينضح به شعور «أبو شندي» الأسيف لتخاذل الجماعة الفلسطينية الحاكمة:

  «- سبحان الله جماعتنا يسمعون الكلام والجماعة عندهم لا يرضون بأقل من قتلنا أو دفننا أحياء حيث نكون.» ثم يتدخل الراوي:

  «لا تضغط عليه، لن يحكي لك كثيرًا أو قليلًا! دعه يحكي حسب الحالة»(45)

  إن البارز في مقاطع «أبو شندي» الحوارية هو قصر مساحتها – في أغلبها – بما يعكس اضطرابًا يحد طاقاته الكلامية ويخفض شحنته القولية، مع مجيء حواره من طرف واحد – في معظم المقاطع –دون رد بما يجسد حالة من اللامبالاة بما يقوله وبقضيته، فيما يطلقه من حديث يضيع هباء بلا صدى له، والمقطع الحواري السابق يشكّل طلقة صارخة بالتأسي بالموازنة بين حال جماعتين حاكمتين: الفلسطينية والإسرائيلية، والتي اتفقتا – رغم تاريخ الصراع الدموي الطويل – على القتل المعنوي والنفي لبقايا مجاهدين فلسطينيين بتونس.

  غير أن مقاطع حوارية لـ«أبو شندي» قد تمتد في مواضع يسيرة ، رغم غلبة القصر على مقاطع «أبو شندي»:

  «- تصور، المجاهدة الثانية عشرة كانت تعلق في غرفتها وفوق سريرها مباشرة وقبل أن نشتري الماخور – صورة ياسر عرفات.

لم نكن نعرف.

اشترينا سوق المومسات بثمن خمس كيلوات من الهيروين دبرهما أحد مناضلي الثورة المتحصنين في لبنان، تصور!

استلمت الكمية في بون، وباعها العميل المزدوج في برلين، وبجزء من ثمنها اشتريت الماخور، بعد ذلك اشتريت مطعمًا وناديًّا للرقص، نصرف من إيراداتها على العمليات في أوروبا.

يضم ملامحه:

العدو كان ناجحًا يمتلك أكثر من خمسة وعشرين موقعًا في ألمانيا وحدها.

يكثف ملامحه، تكاد تشعر أنها تتعارك.

كنت مغتاظًا، قلبي يحترق كل يوم من قدرته وضعفي، من ضيق أفق معظم الذين كنا نعمل تحت قيادتهم حتى استطعت بمساعدة الهيروين أن أقتفي أثر العدو، أحاربه بما يحاربني به وأوجعه حيث يوجعني.»(46)

   ثم يستمر «أبو شندي» في دفقته الحوارية الممتدة لأكثر من ذلك، وبمقارنة هذا المقطع الحواري الطويل، بسابقه القصير، نجد أن المقطع الحواري الأول يبدو منكمشًا في رقعته انعاكسًا لحالة الضيق النفسي التي تلم بالمتحدث «أبو شندي» حينما يتحدث عن مواقف القيادة المخزية بالخضوع لإملاءات العدو، أما في المقطع الحواري التالي والمنهمر في اندياحاته البوحية، فيتسم بالطول، نظرًا لأنه يستعيد ماضي الجهاد وذكريات البطولة بما تحمله من لذة المغامرة ومساعي المخاطرة وشرف البطولة، وتاريخ المجد وهو ما يمد أوتار الحوار تماشيًا مع حالة البوح النشوان بماضي نضالي، في مقابل قصر الحوار في حالة تناول واقع آني مخزٍ وليس فيه إلا النكران والجحود لأبطال جهدوا في خدمة قضية وطنهم، وهو ما عرقل سير الحوار وأجهض دفقته القولية وأوصد باب الحديث أمام استمراره.

  أما من حيث المبادلات الحوارية بين أصوات السرد، فقد تتفاوت أطوال المقاطع الحوارية من شخصية لأخرى حسب المواقف، كما في الحوار الذي دار بين «شادي» السوري الأصل، عند استدعائه من قبل مدير مدرسة ابنه ومعلمته بشأن استجوابه في رد الابن على سؤال معلمته حول ما يتطلع إليه من عمل حين يكبر، ورد الابن بأنه يريد أن يكون رئيسًا:

  «- كيف يتجرأ ابنك ويقول إنه يفكر – مجرد تفكير – أن يصبح رئيسًا في المستقبل.

يا سيدتي..

من الذي أوحى له بهذه الفكرة! لا لا، من الذي وضعها في رأسه؟ من أعطى الإشارة ومنحه الضوء الأخضر وزين له أنها يمكن أن تتحقق؟

يا سيدي..

أنت تعيش بعيد عنهم، نعرف، لكنك أنت الأب والكبير، لماذا لم تئد الفكرة في مهدها، لقد تعدى الأمر مجرد فكرة إلى الحلم بها، وتصور أنها يمكن أن تتحقق. ثم كله كوم وأن يكسر الرهبة، ان يصفع الاحترام حتى بكى، ثم يصرح بذلك علنًا.

يا سيدتي.. يا سيدي..

الخطوط الحمرا، لقد دستم الخطوط الحمرا.

إنه طفل صغير، يرى في الرئيس الأمل وهو الكبير القادر على فعل كل شيء، إنه يحب الرئيس ويراه الأعلى، ويريد ان يكون مثله يقتدي به.

مثله! أنت مخطىء مثله، أنت المخطىء الأكبر.

إنها أحلام طفل، إنها كوابيسه يا سادتي.» (47)

  إن التفاوت الحاد بين مساحات مقاطع المعلمة التي تتخذ مركز الهجوم الضاغط، في مقابل الانحسار الواضح لمساحات مقاطع الأب الذي يتخذ مركز الدفاع المنكمش، يعكس تباين وضعي طرفي الحوار، حيث المسؤولة والمعلمة في وضع القوة الممثل مركز الدفاع عن نظام شمولي مستبد يختزل النظام في شخص الرئيس، في مقابل ولي الأمر، الأجنبي في نظر أهل البلد، وهو في مركز ضعف، فتأتي الغالبية العظمى من جمل المعلمة طلقات استفهام استنكاري مصوبة نحو ولي أمر الطفل، كما تأتي معظم جمل ولي الأمر مبتورة، ومرتعشة، كحاله في موقفه الحرج، وحتى فحين طال مقطعه الأخير بعض الشيء، فكان بغرض مهادنة النظام واستدرارًا لعطفه، فجاء رد المعلمة باترًا وقاطعًا بتخطئة الأب.

  وفي بعض الأحيان يتأرجح الحوار بين أكثر مستوى من الدلالة، بين مدلول حقيقي وآخر مجازي؛ كما في حوار «أبو شندي» مع حبيبته اللبنانية:

هل تؤلمك قدماك؟

لم أمش بعد كثيرًا.

لقد جريتِ أمامي طويلًا في الحلم ليلة أمس. (48)

  إن «أبو شندي» يربط زمن الصحو واليقظة بزمن الحلم، فهو بحبه المتمادي يفتح بالحل وللحب ولليقظة باب الحلم، فهو يعتمد في حواره على ما يشبه أسلوب «البارودي» القائم على المفارقة بما يحدثه من تداخل بين مستويات الوعي وأزمنة الأحداث.

باب الصور

  لا مراء أن الصور تمثل بابًا رئيسيًّا لشعرية اللغة ومجازية الأسلوب، وهي بمثابة ترمومتر يمكن استخدامه في قياس شعرية النص وتقدير جمالياته، والعابر من «باب الليل» يستطيع أن يرى ثراءً في حضور الصور في لغة السرد بما يرفع من كثافتها الشعرية، ودونما إعاقة لسيولته الدرامية، كما يتجلى لنا أن الصياغة الفنية تطرق أبوابًا عدة في دخولها لمواضع الصور؛ وإذا يصف لنا السارد تربص «مجيد» اللبناني بالفتيات لاستقطابهن: «يعود في اليوم التالي يخطف فاتورة أخرى كصقر ويدفع الحساب كعصفور»(49)، فهذا التقابل الجامع بين وجهي المشبه به، يعكس مفارقة بين انتهاز الفرصة، وبين ثمن تلك الفرصة المكلف، مما يقوي درامية الصورة ويجلي تناقضات المواقف التي تصنع المفارقة.

  وقد تأتي الصور لتنسف أنساق العلاقات الراسخة بين الدوال ومدلولاتها بما يدخل بالصورة في تأويلها من باب الجدة التصويرية؛ كما يصف «أبو شندي» حرائق الحب المشتعل الذي جمعه بحبيبته: «صرنا كالعدوى لكل مكان ندخل فيه، لكل الأصدقاء، ولبعض الأعداء، يشار علينا بمجرد أن ندخل ردهة مطعم أو مقهى، عندما نتسكع في سوق أو حانة، كوباء فاخر لا يحتاج مصلًا ضده، مصله من وبائه»(50)، فالعاشقان بعشقهما كالعدوى، في تأثيرهما الملهم الحب للآخرين، وهم ما ينسف الدال المستقر لمدلول العدوى المقترن بنقل المرض بما له من فيروسات دلالية سلبية ومذمومة، كما تمسك الصورة في عنصر المشبه المزدوج بطرفي نقيض، العدوى والمصل، وهو ما يرسخ مبدأ الاكتفاء الشمولي لهذين العاشقين.

  ومع تنويع الصياغة التصويرية لطرائق هيكلة التشبيهات، نجد أحيانًا تشبيهًا معكوسًا يتقدم فيه المشبه به على المشبه؛ مثلما يصف السارد تمارض «أبو جعفر»: «لعبة البازل لم تكتمل بعد، قطعة تدخل في مكانها الصحيح كي تخرج قطعة أخرى، أو تبدل مكانها، تنتقل من طاولة لأخرى كما يفعل أبو جعفر المهزوم، حين يمرض أو يدعي المرض ينتقل إلى طاولة الفلسطينين، أو تنتقل الطاولة بكاملها إلى المستشفى، وحين يبرأ يحوم حول طاولة نعيمة أو ألفة أو أي واحدة أخرى أو يجمعهم معًا على طاولته»(51)، يعمل التشكيل التصويري على قلب عناصر الصورة ليلفت انتباه التلقي إلى المشبه به (لعبة البازل وملابساتها الإجرائية) فيتقدم المشبه به الذي يجيء مركبًا على المشبه، ليسلط الأضواء على المشبه به الذي يتسم بالجدة والرمزية، ويعكس طرفًا من المأساة الفلسطينية، فقد بات الفلسطينيون في الشتات كقطع البازل، في تكنيك تصغيري للمشبه في إلحاقه بالمشبه به، وهو ما يجسد ما يقاسونه من انتهاك وتشرذم وانكسار، فمهما تجمعوا، فهم شتات

  وإن من مظاهر البكارة التصويرية في «باب الليل» هو إحلال المشبه محل المشبه به تقوية للمشبه؛ كما في وصف حال الفلسطينيين المتردي: «وجوه ملطخة بالحيرة، بملابس قديمة اقتنصوها، من سوق الملابس المستعملة، وأبو شندي يقول: ملابسنا تشبهنا، تشبه أحلامنا بالتمام والكمال، نعيش بها وقد نموت فيها»(52)، فما تقوم به الصياغة هو رد الفرع على الأصل، فتجعل الفرع أصلًا والأصل فرعًا، في انقلاب تصويري، فبدلًا من تشبيه الذوات بالملابس في التجمد وقدم الحال، فتنعكس الصورة لتصبح الذوات وأحلامهم مآلًا تشبيهيًّا يحال عليه الملابس الرثة المشابهة لحالهم الرث مما يعمِّق الشعور بتفاقم المأساة التي يعيشونها.

  ويتكرر هذا الخلط التشبيهي الإبدالي في غير موضع مما يقلب أوضاع الصور، كما في وصف «أبو شندي» للبندقية: «البندقية مثل المرأة، تشبهها..قال ..الجزء الخلفي فيها اللامع المصقول بعناية، المنتفخ بحساب حتى لتضمه لصدرك جيدًا ليركن ويرتاح فيه – هو المؤخرة. هو باب البدن .. الجزء الممتلىء تحت رأسها الرفيع المدبب هو صدرها»(53)، فتقوم الصورة التي تقلب العلاقة المألوفة بين أركانها وتقلب التوقعات لتجعل البندقية مشبهًا والمراة مشيهًا به على أنسنة الأشياء وتشكيل طبقة من الألفة الحميمة معها.

  غير أن التصوير في «باب الليل» أحيانًا ما يستدعي شخصيات تاريخية ذات بعد أسطوري لتكون طرفًا في الصورة، فتشبه الصياغة التشبيهية «درة» في تنكرها لـ«سفيان» حبيبها السابق بعد أن شيد وأعد لها مقهاها بـ(حتشبسوت): «في النهاية هي أجمل من حتشبسوت، وأكثر إنسانية وحنانًا، حتشبسوت – حسب الرواية الأرجح – قتلت المعماري الفذ الذي شيّد لها معبدها، محته من كشوف الحياة وإن طاردتها أصابعه، أما هي فقد اكتفت فقط بأن تحرمه من سريرها بعد أن أرضعته طويلًا عسلها، هي افضل منها ملكة الفراعنة جلست على عرش شيّده ذكور قبلها، وعلى شعب لا تعرفه، وملكة حي النصر شيّدت مملكة من الذكور صنعتها على يدها وعلى أفخاذها وهي ملكة على شعب تعرفه بالواحد»(54)، فتلك الصورة التي تدخل من باب الأسطورة إلى ردهات التشبيه التمثيلي، لا تكتفي بأن تقيم علاقة مشاكلة مع المشبه به وهو القناع الأسطوري، ولكن تقيم نوعًا من الجدل الذي يطوِّر في ملامح المشبه به ويخرج عنها، فثمة قدر من التماثل وآخر من التخالف القائم بين المشبه به وقناعه الأسطوري، وأحيانًا ما يكون نفي التشابه التام بغرض إبراز المفارقة، فإذا كانت حتشبسوت قد قتلت المهندس الذي شيّد لها معبدها ودرة لم تفعل ذلك حرفيًّا، لكنها قد قتلته بحرمانه من ممارسة متعته النزقة معها، ليكون نوع آخر من القتل. وبالمثل فالتصوير يستحضر «شهريار» ليشبه الصحفية «باربي» به، في استبدالها لعاشقها ليلة بعد أخرى، و«أبو جعفر» في رؤاه الوجودية بـ»سارتر»، و«ألفة» في غزواتها الشهوانية بألمانيا بـ«طارق بن زياد» في فتوحاته.

 

عودة إلى الملف