وجهُ أبي

 

أغلقُ الأبوابَ بهدوء،

كأنني أودِّعها،

أنسلُ خارجاً إلى العالم،

هكذا، سُمرة تعيشُ آمنة

تحت شعرٍ أبيض،

تتكلَّم عن الله الذي تعرفه،

والذي يحمله وجه كل زنجيِّ،

مثلك،

يا أبي.


2 ـ المُدرس


ذو الحقيبة الصفراء والقلب الضعيف،

الذي خسر أهله وذويه،

بمُناسبة أحياناً

ومن دون مناسبة دائماً،

كان يزرع ورداً في حديقةِ البيت،

الذي يمر أمامه القطار،

عشر مرات كل يوم،

أنا ذلك الصغير الذي يقف هناك،

ينظِفُ الأوراق الذابلة،

التي يزرعها أبوه،

أبوه الذي لن يموت وحيداً

في حادث قطار،

بل وسط هؤلاء جميعاً،

الذين يبكون في إيقاعٍ واحدٍ،

لوداع أجمل مريض سرطان

في العالم.

3 ـ الوحدة


أظنّك الوحيد في هذا العالم،

الذي كان يعرف أنني شاعر،

الجيران يعتقدون

أن شاربي جدير بضابط،

أمي تراني دائماً

ذلك الولد الذي يحملُ عينيْن مائلتيْن،

ابني الصغير،

صار يظن أنني أعملُ في الليل سائقاً،

أدور به على السينمات والمشافي،

بمنتهى العدل،

ابني الأكبر يعتقد أنني لص،

أجدُ مَن يدفع لي،

مُقابلَ أن أكتبَ له،

وأنا..

لا أهتمّ،

ما دام واحدٌ من هؤلاء،

لا يعرف

ـ والحمدُ لله ـ

أنني شاعر.


4 ـ البار


هو اللحظات الأخيرة،

يا أبي،

حيث تنفق آخر ما في جيبك،

على آخر ما في رأسك،

وحين يُغلق عاملٌ كسول البابَ

بضربةٍ واحدة،

الجنة التي يلوذُ بها،

مَن كان زاهداً فيها،

مَن يحاول العودة إلى البيت

وهو لا يستطيع أن يعودَ إلى نفسه،

البار،

قُبلة،

ليس بالإمكانِ أن تردَّها،

تماماً،

مثل الزجاجة التي أخطأت طريقَها إليكَ

ذات مرَّة،

ولن تعيش متعتها أبداً،

يا أبي.


5 ـ حَجر


كان حجراً صغيراً،

إلى جوارِ قلبك،

كان ورماً صلباً،

لا يزيد حجمه كثيراً،

عن ذلك الذي هددتني به

ذات نهار،

ونحن نسير معاً في الصحراء،

في الطريق إلى مسجدٍ ما،

لأنني تعثَّرتُ في:

‘ويلٌ للمُطففين’.


6 ـ اليأس


يذهب الملائكةُ بـ ‘الجلاليب’،

والطين يتساقط من أقدامِهم،

إلى المساجد،

تلك التي من حجرٍ ومن ذكرى،

يذهبون،

لينفضوا عن أبدانهم غبار اليأس،

كي يعيدوه كما هو

إلى الله،

اليأسُ،

ذلك الذي لا أب له أبداً،

في هذه المساجد سواكَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* شاعر من مصر