نحت متكرر

مي التلمساني

ليل أول:

وسادة صغيرة استقرت وفي منتصفها فجوة ملأها رأسك المستدير. تحت الرأس يد صغيرة تحمل ترهل الخدين في سحبة النوم الأخيرة. الساقان ترسمان علامة تساؤل لا بد منها حين يتساوى الواقع بحلم قادم خلف الجفون المسدلة. تتبعثر ثنايا الملاءة وتتداخل مع الغطاء المبعـد عند أطراف الفراش. الحر شديد والنافذة مفتوحة المصراعين تنبئ بليل معتـم. في انتظام حركة الصـدر إنذار ببداية الحلم. أتركك وفي قلبي رغبة في المشاهدة. لن تتحقق. وفي حلقي أثر أنفاس شربتها منك.

رجل كبير يشبه أبي يحمل سلة مليئة ” بالفلفل الأخضر”. عند الباب هناك يترك كلبنا الصغير الأبيض اللون يهز رأسه وذيله في حركة ميكانيكية. تتهاوى أستار الغرفة حين يهب النسيـم الشاحب فترسم أجسادا لينه كالحرير. السلة الصفراء تهبط فوق مائدة وحيدة ويخرج من بين شقوقهـا أرجل ضفادع خضراء كبيرة. نقنقات وأصوات أخرى.

أصحو من نومي فجأة على صوت اسمي يأتي من الغرفة المجاورة. في تكاسل الليـل الذي خيم على قلعتنا الحصينة أسمع صوت أقدامك الصغيرة الحافية في ترنحها عبر الممر. إلينا تأتي وتدسي رأسك بين نهدي. أحملك وأستدير. لا أجرؤ على مد يدي خارج حدود القلعة. فالضفادع الكبيرة هناك لازالت. وأنت همزة وصل أكيدة بيني وبين أبيك الراقد هنا. بالفعل.

يقول الأمير الذي كان على هيئة السحر ضفدعاً إنه أحب الفتاة ذات الشعر القرمزي. ويطوي طرف ثيابه المتراكمة في حركة نبل أخيرة. أبي هذا الذي يفرغ سلاله عند مائدة الحجرة الوحيدة يبتسم. حين تسقط ثمرة فلفل وحيدة على مربع وحيد يعلن عن وجود الأرض، ينحني أبي . أمد يدي فلا ألتقط سوى يده. وأفزع.

تهبط يدك على وجهي في حركة تثاؤب عند اقتراب الفجر. وأشعر بقدمك المستقرة بين ساقي تتمدد كثعبان صغير ألف هذا التجويف. نظرة خاطفة على ستائر الغرفة المسدلة تنبئني بالوقت. أبتعد عن جسدك الذي يهبط بيننا في الوادي البعيد لاحقة بأطراف الحلم والفزع. ( ترى ماذا يحدث بعد ذلك ؟).

تخفت الأصوات القادمة من صنبور الماء البعيد. وأنسى أني كنت استرد خيوط الحلم الأخيرة حين تلتصق بي وتتمدد بطول ظهري المنحني. كاليرقة فوق ورقة شجرة ملساء. نتجاذب أطراف حديث سري ( أنا با حيبك. با حيبك يا مامه. وحستيني) لا تنتهي أصداؤه من الطواف في فراغ الغرفة إلاَّ حين تطفو فوق ذاكرتي أصوات أخرى وفوق جفوني صور أخرى يومية. أقولك كلمة مقتضبة وأنحت رسمك كيلا أنسى. وأروح أدير فوق الفراش الحار جسداً منهكاً لا يخلو منك. فوق وسادة صغيرة فجوتان فارغتان. صوت كأطياف ليل يتسلل.

صباح تال:

صوت ملعقة مجنونة تدور دون توقف في كوب ظننته فارغاً. في غضب مقرون بالدهشة أفتح عيني، قدمي تندس بسرعة في خف أسود. أخترق كثافة الوجود والباب لأجدك في غرفتك المجاورة بعينين مرحبتين تدعوني للشراب وتلقي بالملعقة من النافذة. كل ضفادع سلال العالم تتقافز أمام عيني ولا أرى في انحسار الستائر سوى سبباً لتعاستي ( راحت المعلقة ) والنوم الذي كان يداعبني والغضب أمام ابتسام شفتيك عبث أكيد. على الفراش أتهاوى وأنصت بلا اهتمام لزقزقات عصافير قريبة بينما تقترب مني وتجلس بين ساقي حاملاً الآن كوبك الفارغ، الذي ابتلع رنينه منذ قليل وصار لذلك بلا أهمية. قبل أن تلقيه من النافذة أمسك به وأسدل الستائر في وجه الشمس ( ربما !) لكن النوم رحل بلا عودة، والستائر لا تصمد أمام لعبة ثقيلة.

السابعة صباح الجمعة. ( لسنا في الثالث عشر!) وجسدك النحيل يحتاج إلى رحلة صيفية إلى الحمام المقابل. أفتح باباً يفضي إلى صنبور صامت. عندئذ تدرك أن نواياي ليست بهذا السوء. تظل حاملاً لعبتك الصغيرة في انتظار لحظة النشوة القادمة. قدماك في الماء الفاتر ثم ساقاك وجزء من ظهرك. يظل رأسك مرفوعاً. ( ذهب الليلو طلع الفجر والعصفور ساو ساو) أحمل المنشفة وأنتظر متثائبة أن يكف العصفور عن الساوساو المبكر ذات يوم.

أدسّ ملعقة في فمك الصغير حين تنعكس ألوان قميصك النظيف على وجهك اللامع. تلوك طعامك بلا حماس كبير وتقلب صفحة في كتابك المصور. خطاَّن يصلان بين نظرتك المتسائلة وعيني الناعستين. حركة الملعقة الآلية تضبط الإيقاع. صار الحديث بيننا قليلاً وتفتت في رأسي صور السلة الصفراء، تتوالى صور كتابك والأسئلة بينما يعلو صوت الطريق. دقات الثامنة (أسرب مايه عايز أسرب مااايه). أعرف طريقي للصنبور بالصدفة. أترك الماء الساخن ينساب قليلاً ثم أملأ الكوب بالماء البارد. (سُكراً). في فمك العنقودي رغبة تدعوني لأن أقبلك. أهبط في تماسك واضح على وجنتيك وأطبع عليها قبلة متمهلة (العفو !)

أضمك إلى صدري فتحيط عنقي بذراعين لينتين ويلتصق رأسك الرطب بذقني. نسيم صيفي يتسلل عند انفراجة الستائر المسدلة ويهبط على فضاء الغرفة المحيط بنا.

ليل ثان:

حَمًلْتهُ إلى أبيه . وذهبت لبعض شأني .

أغلقتُ باباً خلفي وتركت الماء ينساب فوق منحني صدري. صففت شعري وتهادى طرف قميصي القصير عند اختراقي هواء الغرفة. رتبت الوسائد فوق الفراش وانتظرت.

دار المفتاح دورتين وتسللت أصابعي إلى أزرار قميصي. بطيئاً أغطية فراشنا الناعمة ووسائدنا الملساء تحملني بلا أحمال. أنصت إلى صمت الغرفة المجاورة ثم أترك لجسدي عبث اللحظـة المنفردة حين لا يؤوي الفراش غيرنا. بين غمضة عين وأخرى أراه قد تجاوز العشرين بوجهه المستدير وذراعيه الناعمتين. يضم امرأة تشبهني. كسحر الجنيات في القصص القديمة.

أستحضره فيأتي وكأن هدأتنا الأخيرة إشارة مرور خضراء لوجهه الناعس. ( مامه !) يأتي فأحمله وأستدير. همزة وصل أخيره بين جسدينا العاريين. يمد ساقه بين ساقي فأخشى ارتداء ملابسي حتى لا تفلت اللحظة. رأسه فوق ذراعي العارية وأنفه يلامس وجهي. حين تختلط أنفاسي بانتظام أنفاسه تتلامس عند أطراف الفراش أقدامنا إيذاناً ببداية ليل آخر. تنتظم حبات عقدي فوق عنقي ويصير لحركتها الرقيقة الهابطة الصاعدة صوت يشبه صوت النوم . أستدير بعد حين، تاركة جسده الهابط بيننا، لاحقة بأطراف الحلم الذي يبدأ.

……………..

*من مجموعة نحت متكرر، دار شرقيات، 1995

عودة إلى الملف