مي وطالب وآخرون

سوسن الأبطح

اضطر حمد، بعد أن سدت في وجهه سبل الحرية وانعدمت الخيارات، وأنجب ابناً غير شرعي من حبيبته سارة، أن يشهر مسدسه ويطلق منه ثلاث طلقات ثأرية، واحدة سددها إلى رأس والدها الذي حرمه منها وزوّجها لآخر مقابل إعفائه من دين، واثنتان اخترقتا رأس ورقبة زوجها الذي في عمر جدها، وأرداهما قتيلين على مرأى من سارة، وهي تحتضن وليدها/ وليده بين ذراعيها في مستشفى الولادة. هذه الجريمة النكراء التي تنتهي بها رواية «رائحة البحر» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، ارتكبها حمد نيابة عن مجتمع بأكمله، انحاز لذكورية تعتبر المرأة مجرد «سيجارة رأسها حار وملتهب»، ويراها هو الشاب الجامعي بحسه المتفتح «حلم القلب» و«ريحاً ساحرة تتسرب للروح». حمد هنا هو رمز الرجل الجديد الذي يكره كلمة «لبيك» من فم أمه حين يناديها والده، ويبغض اللقاءات المشبوهة في الأماكن المعتمة، ويريد أن يشهر حبه في وضح النهار، و«إلى الجحيم المجتمع والناس بفهمهم».

وإذا صدقت مقولة أن الأدباء لهم حاسة سادسة، وقدرة ينافسون بها الفئران والقطط على تحسس الآتي والتنبؤ بالأحداث والتقاط ذبذباتها قبل الآخرين، فإن عديداً من روايات الجيل الجديد، على سوداويتها، تبشر بفتوحات جديدة في العلاقات بين الجنسين، لأنها تسلط الضوء باستفزاز عارم، وغضب حارق، على بؤر الظلم والعدوانية وتشهر المخالب للانقضاض عليها، وكأنما كل جنس بات يسعى لاستعادة كينونته والسوية. فعلوية صبح في روايتها «مريم الحكايا» لا تتحدث عن جريمة، يتسبب بها الميزان الاجتماعي المختل، وإنما عن جرائم بالجملة والمفرق، منها حكاية أبي طلال الذي يغتصب زوجته يوم العرس ويخونها مع كل عابرة سبيل، ويتزوج عليها بأخرى ثم يقع في فخها حين يقعده المرض، ويصبح طريح الفراش، وتنهال عليه بعصاها ضرباً وانتقاماً. عندها «عينا أبي طلال، صارتا تروحان وتجيئان تحت الضرب، وما ان تركته على سريره بألمه وخرجت، حتى زحف إلى الخزانة واستلّ مسدساً صغيراً، ثم أطلق النار على رأسه». وكأنما هذه الحكايا تخيرنا بين العدالة أو النتيجة الحتمية: الموت . بطلات علوية يعشن جميعهن قصص حب مجهضة، ولا ترتوي أي منهن بعلاقة تصل بها وبحبيبها إلى بر الأمان.

ولكن مقابل هذا الفشل العاطفي الذريع الذي يكتسح الروايات العربية الجديدة طولاً وعرضاً، وهذه القوة الاحتجاجية الضروس. ثمة أصوات تعلن عن تحقق صلح تاريخي كما في رواية «دنيازاد» للأديبة المصرية الشابة مي تلمساني، التي خصصت كتابها لا لمزاحمة الشريك في النجاح المهني، كما كاتبات الستينات والسبعينات، وإنما للاحتفاء بالأنوثة والحمل والأمومة والجسد الخصب الذي امتلك قراره، وحرية اختيار العمل أو تركه وزيارة الأصدقاء أو هجرهم، والتنفس بملء الرئتين إلى جانب شريك فعلي، وصديق محاور «صوته لا يعلو إلا نادراً». انه صداها واكتمالها، والأطفال معه لا تصنعهم بمحض مصادفات ليلية، وإنما «في لحظات حب نادرة». إنها رواية المرأة التي ما عادت تأنف من انتفاخ البطن وتهدل الثديين، وتتهرب من أنوثة جسدها ووظائفه الطبيعية، لتثبت أنها ند للرجل، كما في أدب غادة السمان. وهي كذلك، لا ترضخ، بعد كر وفر وعشق وغرام وتعود إلى الحظيرة، لتقترن برجل صاحب ثروة وفي عمر والدها، بناء على طلب ولي أمرها كما فعلت بطلة أحلام مستغانمي في «ذاكرة الجسد» (أنظر كتاب عبد الغذامي «المرأة واللغة» ص163 و206). البطلة هنا لا تصرخ بأعلى صوتها «أنا حرة» كما فعلت سابقاً فتاة ليلى البعلبكي في الستينات، لأنها تعرف أنها محاصرة، وإنما القضية في «دنيازاد» هي كيف للمرأة أن تتعامل مع هذا المحيط من الحرية الذي تسبح فيه، وما هي أولوياتها وخياراتها الذاتية؟ «دنيازاد» ليست رواية عبقرية، وأهميتها أنها لم تخترع حكاية لترويها، وإنما قالت دواخل امرأة عادية تعيش مع رجل عادي، فقدت جنينها، ويتلبسها هاجس حمل جديد يكتمل دون فشل، مع الرجل الذي تحب. لقد أيقنت مي التلمساني ببساطة أنه ليس من الضروري أن تكون المرأة ضحية ومقهورة كي تتصدر بطولة قصة، وتستطيع أحياناً أن تكون امرأة وكفى.

حمد بطل طالب الرفاعي كان يحلم بحياة وديعة وهادئة، يخلّف فيها مع سارة صبيانا وبنات على طريقة «دنيازاد»، وطموح الحبيبين لا يقول غير ما يفكر به رجال الأرض ونساؤها، في لحظة صفاء لا خبث فيها ولا تشوهات. فعلى غرار الزوج في «دنيازاد»، الذي يرى في عمليتي الحمل والإنجاب شراكة له كاملة الحقوق، هو حمد مع حبيبته، يمزقه الألم لأنه لا يستطيع أن يكون معها ومع جنينه لحظة بلحظة. إنه وعي الرجولة بكينونتها الطبيعية، وسعيها لاستكمال ذاتها المنتقصة تحت وطأة «العيب» و«كلام الناس». ويتماهى المؤلف طالب الرفاعي مع بطله حمد ـ الذي يريد أن يكون شريكاً في الولادة مع حبيبته ـ حد الانصهار حين يقرر هو الأديب الرجل، أن يخصص فصلاً كاملاً، أي ما يزيد على مئة صفحة، يتقمص خلالها سارة ليصف آلام الطلق والمخاض ودفق الماء وخروج الرأس، وما يصاحبها من تمزقات في الجسد والروح.

«دنيازاد» و«رائحة البحر» مثلاً، روايتان لجيل واحد،الأولى لامرأة والثانية لرجل، هي وهو ينظران إلى هدف واحد: إلى طفل العشق الخالص، المنقى من الاوبئة الاجتماعية. طفل نجا في «دنيازاد»، وولد «ابن عهر» في «رائحة البحر». والسؤال يبقى مفتوحاً وملحّاً، أي أطفال نريد؟ وكيف؟

 

عودة إلى الملف