مي التلمساني: النخبة المثقفة شريحة مستضعفة

حاورتها: هانم الشربيني

بين فنون إبداعية عدة تتنوع كتابتها ما بين الرواية والقصة والنقد السينمائي إضافة إلى التدريس الجامعي، الكتابة لديها بديل حياة، وهي الرهان على عنصر التواصل، هي الكاتبة مي التلمساني، أستاذ الدراسات العربية في جامعة أوتاوا بكندا، وقد صدرت روايتها أكابيلا مؤخراً .

في حوارها مع الخليج تكشف التلمساني أن نظرتها إلى الكتابة منذ صدور مجموعتها القصصية الأولى نحت متكرر، وصولاً إلى روايتها الصادرة مؤخراً أكابيللا لم تتغير، وتشير إلى أن الترجمة هي من الأشياء المهمة التي ينشغل بها الكاتب مهما ادعى غير ذلك .

ما سر تسمية الرواية أكابيلا الذي يعني، وفق القاموس الإيطالي، الصوت المنفرد الذي يؤدي أغنية من دون مرافقة آلات موسيقية . وما علاقته العضوية بالرواية؟

– أكابيلا كان مقدرا لها أن يكون اسمها هو يوميات عايدة، لكن تغير الاسم إلى أكابيلا بسبب موقف شخصي حدث لي، فقررت إعادة كتابة رواية يوميات عايدة، لكن بشكل آخر بعد أن أضفت على الشخصيات الذكورية في الرواية بعض التعديلات التي غيّرت الرواية بشكل ملحوظ، والرواية تحكي قصة امرأتين صديقتين، عايدة الرسامة المتحررة، وماهي الراوية، الزوجة المخلصة المتقوقعة على أسرتها وحياتها، التي تعثر على يوميات عايدة بعد موتها المفاجئ وتنشرها بعد أن تعيد كتابتها، في محاولة للمزاوجة بين ما ورد في اليوميات وبين تفاصيل حياتية عاشتها مع عايدة وأصدقائها . لكل بين ماهي وعايدة رغم التعارضات والتقاطعات الشديدة بينهما صوت منفرد، صوت داخلي رائق . هذا الصوت يتضح عبر رحلة تنطلق فيها ماهي من خلال شخصية عايدة لتعيد اكتشاف ذاتها بعد الانفصال عن كل ما يعوق نموها النفسي وتحررها وانطلاقها في الحياة .

لكن الساردة في أكابيلا تعبر عن أكثر من صوت يتكلم، فما المغزى؟

– أنا سعيدة بهذه الملاحظة، أنا مؤمنة بشيء أساسي في الكتابة والإبداع عموما، وهو أن الصوت الأحادي سواء في الكتابة أو السياسة مرفوض، وللأسف نحن لا نعترف بتعدد ذواتنا، فالإنسان ذات متعددة الهويات، فأنا مثلاً متعددة الذوات والمثل الرئيسي على ذلك أنني زوجة وأم وناشطة سياسية وكاتبة وأستاذة جامعة، وكل ذلك يتقاطع مع بعضه، وبالتالي فأي شخصية لن تكون أحادية، وإنما ملتبسة، فشخصية الساردة، تمر بمرحلة المأزق الوجودي، وتكتشف أنها متعددة، فالساردة تمر بمرحلة تعقيد، وتكتشف أنها ليست شخصية واحدة، فمع بداية علاقتها بعايدة تدخل للعالم من أوسع أبوابه وتكتشف أن لديها رغبات أخرى فعايدة تمثل النقيض لها، وهذا يجعل منها شخصية مشوقة ويجعل القارئ يبحث عنها ويحاول اكتشافها .

لكن عايدة تمثل وحدة الرواية وبقية الشخصيات تعد هامشية، لماذا؟

– كنت مهتمة في البداية بأن تبدو عايدة الشخصية المحورية ثم بعد وقت نكتشف أن صوت الساردة يقابلها ومن ثم فعايدة والساردة تمثلان ثنائية وهما شخصيتان محوريتان تكملان بعضهما بعضاً، وقد اعتمدت على هذه الثنائية في كل الشخصيات، فشخصية كريم الكاتب المتحقق العدمي الذي يرفض منظومة الأخلاق المعروفة يقابله عادل الطبيب الطيب الذي يحاول ممارسة الكتابة ويفشل فيها، ويقابل أسامة الزوج الأول لعايدة الذي يغفر لها كل الأخطاء حسام الذي لا يغفر لها أي أخطاء، الذي يعود لينقلب عليها، ويرفض تصرفاتها، وقد لعبت على هذه الثنائيات وكأن الشخصية تنشطر إلى نصفين، وكل ملمح يرد على آخر، فالشخصية تدخل في لعبة الحوار .

لماذا توقفت عن الكتابة لمدة 12عاماً التي تعد فترة طويلة نسبياً؟

– هجرتي إلى كندا أثرت في ذلك، وكتابي للجنة سور يشرح صعوبة التعامل مع مجتمع آخر، هجرتي من مصر أعتبرها لحظة فارقة في حياتي، لأنها وضعتني في حال من انعدام التوازن، فجأة وجدتُني أعيش وسط عالم لا يقرأ العربية ولا يتواصل معي بصفتي كاتبة، وسيلتي للتخاطب مع هذا العالم ليست لغتي الأم، إنما الإنجليزية أو الفرنسية، سفري إلى هذا العالم كان للحصول على الدكتوراه، هذه الأشياء كانت معوِّقات أمام الكتابة والإبداع، شعرت بخواء بعد أن حوصرت بين عالمين، عالم الأسرة والبيت والأولاد، وعالم الدراسة الأكاديمية، وكلاهما يخلو تماماً من المشاعر والعاطفة والزخم المحفز على الكتابة، حاولت كتابة رواية بالفرنسية، ربما لأنني كنت أشعر وقتها بأنه لا يوجد لديّ ما يمكن أن أقوله بالعربية . لكنني توقفت بعد فترة . نحيتُ ما كتبته جانباً . بعدها كانت هناك محاولات أخرى للكتابة، لكنها لم تكتمل . وذات يوم، جاءتني شخصية عايدة ولم تذهب، عاشت معي واستمرت طويلاً حتى ظهرت أكابيللا .

البناء الروائي في أكابيللا به نصوص تصلح قصصًا قصيرة؟

– أنا مشغولة بفكرة المزج بين أنواع مختلفة داخل النص الروائي، بحيث يمكن قراءة بعض النصوص الصغيرة التي يتضمنها باعتبارها قصصاً قصيرة، وبعضها الآخر يمكن أن يقرأ بروح اليوميات أو الرسائل، هدفي الأساسي ليس الحديث عن أخلاق الساردة أو عايدة وإنما أردت الحديث عن المأزق الوجودي للشخصيات، وأن نرتقي بمنظومة الأخلاق التي تحصر الأخلاق في علاقة الرجل بالمرأة، فعايدة أزمتها الحقيقية في عدم التحقق كفنانة مع كل العبث الذي تعيشه، الذي يقتلها هو ذلك، وبعد موتها تحققت، بفعل مساعدة أصدقائها .

معظم أعمالك ترجمت إلى عدد من اللغات، كيف تنظرين للترجمة وتأثيرها في مشروع الكاتب؟

– أي كاتب مهما أدعى ومهما حاول أن ينعزل هو في حقيقة الأمر يراهن على عنصر التواصل، لأنه كاتب تعيس من دون القارئ، أحرص على نشر كتبي في مصر أولاً، وحتى تتسع دائرة التواصل أسعى لكي يكون لهذه الكتب قارئ عربي وآخر أجنبي، وبالقدر نفسه من الرغبة في التواصل تأتي الترجمة، التي تتيح لي ليس فرصة القراءة في ثقافات أخرى مختلفة وحسب، فالقارئ على مستوى العالم أصبح متلهفاً للآداب العالمية، وأنا أرفض النظرة للأدب العربي على أنه أدب محلي، وأن الكاتب يغازل الترجمة بالحديث عن مشاهد معينة وواقع معين فهذا كلام سطحي .

هل للمجتمع الكندي الذي تعيشين فيه منذ 15 عاماً تأثير في أكابيلا؟

– لا أستطيع الكتابة بوحي من المجتمع الكندي الذي أعيش فيه منذ 15 عاما، فأنا أشعر بأنني غريبة عنه ولا أستطيع التفاعل الكامل معه، وأنا مصرية صميمة، ومصادر الوحي بالنسبة لي مصرية، ولذلك أزور مصر مرتين في السنة .

في فبراير/شباط 2011 أسست ضمن مجموعة من المثقفين والكتّاب موقعاً إلكترونياً عنوانه مصر دولة مدنية كيف جاءت الفكرة؟

– الفكرة جاءت من الإحساس بأن هناك من يسعون لاختطاف الثورة، الهدف الذي نسعى إليه هو تبديد مخاوف الناس من فكرة الدولة المدنية ومن أنها تعادي الدين وتعريفهم بها في شكل صحيح، عبر نشر مجموعة متنوعة من المقالات، وإنتاج عدد من الفيديوهات القصيرة .

ماذا عن أسباب تراجع دور الكتلة المدنية؟

– في مصر لدينا كتلتان: الإسلام السياسي، وهي كتلة منظمة، وكتلة مدنية غير منظمة، ولا يصح أن نحمل الإسلام السياسي مسؤولية الخراب في البلد، وإنما المشكلة أن الكتلة المدنية مفككة ولا تجتمع تحت تيار قوي وحاضر في المجتمع .

هل أصابك شبح الإحباط من الهجوم المتكرر على فكرة المدنية؟

– الأفكار لا تموت ولا تسقط بالتقادم، وأنا لا أدافع عن عرض سياسي، فمستقبل مصر والحل في الدولة المدنية، ومسودة الدستور التي نشرت، تمثل كارثة بكل المقاييس، فحرية العقيدة اختفت وأصبح هناك قطبان مسلم ومسيحي، ما يفتح الباب لكارثة طائفية حقيقية، وهنا نصل إلى الفصل الحاد بين الحقوق والحريات، بحيث يكون للرجل حقوق والمرأة حقوق، والغني له حقوق والفقير له حقوق، لا ننسى أن الإخوان رأسماليون بامتياز، ويدافعون عن فكر رأسمالي قوامه الأساسي هو التجارة، ولا يمتلكون مشروعاً نهضوياً صناعياً، وهذه كارثة اقتصادية، الإخوان من الممكن أن يحصلوا على أغلبية للمرة الثانية في البرلمان لأن بنية المجتمع لم تتغير، وبالتالي فالمجتمع لا يختار، والمثقفون شريحة مستضعفة .

لماذا يبدو المثقفون هم الشريحة المستضعفة من وجهة نظرك؟

– لسببين، هما القمع الذي يمارس عليه على المستوى السياسي، وشك الجماهير في دوره، والمثقف ليس صانع قرار ودوره هو التنوير وتغيير العقليات، والسؤال: أين النخبة السياسية في الضغط لتوفير المتطلبات الأساسية للمواطن، وللأسف لا يوجد هناك قنوات لإيصال أفكار هؤلاء المثقفين من التيار المدني.

 

عودة إلى الملف