مىّ التلمسانى: أكتب على الحافة ولن أدخل الدائرة

حاورتها: مها شهبة

هى كاتبة قدرها الحافة أو الجسر، به تقيم وعليه تقرر المراوحة بين ضفتين فى الحياة واللغة والموضوع الذى تشتغل عليه فى الدراسة، وربما في الهوية الشخصية.

فهى اليسارية ابنة الطبقة الثرية، وهى يسارية القلب لا يسارية الحزب والإيديولوجيا أى تقع على الجسر فى السياسة، وفى اللغة تقف على مفترق طرق ثلاثة بين العربية والإنجليزية والفرنسية، وفى الجغرافيا تتناوبها الجسور بين القاهرة وكندا وأوروبا، وفى الفن تنحاز لطريقين فى آن واحد، فهى ابنة كاميرا كانت تكتب تاريخا فى بيت العائلة، وبنت القلم الذى تصنع به مسيرتها.. وبين الكلمة والصورة جسر تقف عليه الكاتبة مى التلمسانى، أن تصر على العيش على الحافة وترفض الدائرة والاندماج فيما لا تريد..

مى التلمسانى ضد مفهوم “الكاتب الملتزم” فهذا المفهوم يمكن أن يعنى التضحية بالفن لإخضاعه لأغراض سياسية.. ورغم أنها بعد ثورة 25 يناير قررت أن تنشط سياسيا فأسست حركة لدعم المجتمع المدنى وتطويره، فإنها لا تقتنع بأن دور الأديب والمبدع أن يكتب عن الثورة، بل الأهم أن تعكس كتاباته روحها.

مختلفة منذ البدايات المبكرة.. منذ الكتاب الأول المجموعة القصصية “نحت متكرر”.. ذلك النمط المتفرد من الكتابة حيث التداخل فى الزمان والمكان والوعى والشعور والحوار يأخذ القارئ إلى عالم دقيق التفاصيل متتابع اللقطات، ولا يبتعد به عن الحافة أو الجسر وكأن الجسر قدر..

وتتكرر الدهشة مع رواية (دنيا زاد) و(هليوبوليس) ثم “أم أكابيللو”، لتصل الكاتبة المصرية – المقيمة فى كندا – مى التلمسانى إلى قمة وجدها و تلتمس وحيا جديدا عند حافة أخرى، وفى كل مرة تدخل مي غواية المغامرة الأدبية بروح تلك الطفلة التى شبت فى بيت تحكمه اللغة العربية التى تُدَرسها والدتها، والفرنسية لغة والدها السوربوني.

“كانت تلك بداية اللعب على الحافة كما أتذكرها.. أبى وأمى تبادلا تربيتى اللغوية، علمانى الفصاحة، كل منهما على طريقته… لم تنشأ لدى عقدة الدونية التى يقال إنها تصيب إنسان ما بعد الكولونيالية، لأنى كنت أنتمى بفخر إلى ما تمنحنى إياه كلتا الثقافتين”.

{ كنت حائرة فى البيت بين لغتين فهربت إلى لغة ثالثة للكتابة والدراسة فهل ترتاحين على برزخ اللغات أم تزيدين بذلك الفوضى الخلاقة فى كتابتك؟

{{ التدريس باللغة الانجليزية كان مفروضا على بشكل أو بآخر بسبب المهنة. ثم جاء النشر الأكاديمى بهذه اللغة مكملا لمشوار العمل الجامعى فى كندا منذ عشر سنوات. لكنى مازلت أعتبر نفسى ابنة بارة للغة الأم وهى العربية وابنة بارة للغة الأب (لو شئنا) وهى الفرنسية… وبينهما لا يمكننى أن أختار فعليا بشكل تراتبى، كما لا يمكن أن أنكر الانتماء للغتين والثقافتين العربية والفرنسية معاً. وللدقة، لست حائرة بينهما، فقد حسمت الأمر منذ زمن لصالح الإبداع باللغة العربية ولصالح الكتابة الأكاديمية باللغتين الفرنسية والانجليزية.

{ قلت إنك تفكرين فى كتابة رواية بالفرنسية، لكنك توقفت عن تنفيذ هذا المشروع. لماذا توقفت ؟

{{ أحجمت عن النشر لا عن الكتابة. ربما يفشل الكاتب حين يعبر بلغة لا يمتلكها إبداعيا. الكتابة الأكاديمية لا تطرح هذه المعضلة، لكنى إبداعيا قارئة جيدة لكبار الكتاب الفرنسيين، كما أقرأ الأدب الإسبانى والبرتغالى والأمريكى مثلا مترجما إلى الفرنسية. أعتقد أنى فشلت فى قراءة روايتى بالفرنسية بنفس القدر من الاستمتاع والشغف الذى أقرأ به روايات فلوبير وبروست بالفرنسية، وأنا عادة قارئة يصعب إرضاؤها. لذلك فالحل الوحيد الآن هو أن أترجمها إلى العربية وأنشرها بالعربية!

{ حائرة بين الصورة والكلمة، وتنحازين شيئا فشيئا لإرث العائلة فى الاهتمام بالصورة، هل فكرت فى خوض تجربة التفكير بالصورة، لا مجرد نقدها ودرس تاريخها؟

{{ فكرت، ولى تجربة كتابة سيناريو لم تر النور بسبب مشاكل إنتاجية، فقد حولت روايتى “تصريح بالغياب” لسيناريو منذ سنوات لكن لم أعثر على منتج يتحمس لها. وأخيرا، تم تحويل روايتى الأخيرة “أكابيللا” لسيناريو، وقرأته وأعجبت به، وأملى أن يجد المخرج تامر سامى منتجا للرواية. أما التفكير بالصورة فيحدث على مستوى الكتابة الروائية إلى حد كبير، ومصدر مهم من مصادر التخييل فى أعمالى الروائية يعتمد على الصورة السينمائية وعلى تاريخ السينما المصرية والعالمية.

{ هل تعتبرين نفسك يسارية مفارقة للدولة أم ليبرالية ابنة طبقتها الاجتماعية فى مصر؟

{{ اعتبر نفسى يسارية بلا شك. بنفس التعريف الذى يطرحه جيل دولوز، وهو يسار القلب لا يسار الحزب. اليسارى هو من يتمنى ويطالب بالسعادة للبشرية جمعاء قبل أن يفكر فيها لنفسه وشارعه وحيه ومدينته ووطنه. لا سعادة لفرد إلا لو تحققت السعادة للبشر. فى عالمنا اليوم، لم يعد ثمة شك فى هذه الحقيقة، كلنا نتأثر بما يحدث حولنا، وقليل منا فقط من يدرك أن سعادته رهن سعادة الآخرين، وهؤلاء هم اليساريون بالمعنى الإنسانى للكلمة وليس بالمعنى الحزبى أو السياسي.

{ تقولين إنك مسلوبة الإرادة أمام الماضى… كيف؟

{{ الكتابة مسألة اختيار. أنا أختار سواء فى الرواية أو القصة القصيرة الحديث فى الحاضر عن ماض عشته وأصبح يشكل جزءا من تاريخى لا أستطيع الفكاك من أسره. المسألة لها علاقة بفكرة التأمل أيضا، فكثيرا ما نحتاج للوقت لكى ندرك ما حدث، وعندما نفعل، يصبح ما حدث ماضيا قريبا أو بعيدا يصلح مادة للكتابة.

{ لماذا اخترت إدوارد سعيد موضوعا للدراسة؟

{{ تماما. إدوارد سعيد كتب مذكراته “خارج المكان” بنفس الإحساس الذى أشعر به فى الغربة: إحساس المنفى. ولكنه منفى اختيارى بمعنى من المعاني. المثقف ينتظر أن تتحرك الناس ليتبعها، ويرفض الخطاب المفروض عليه من السلطات العليا، سواء سياسية أو اقتصادية أو دينية، يرفض الظلم وكبت الحريات، وهو لذلك مثقف على الحافة، الجماهير مستعدة للتضحية به فى أى لحظة خاصة بعد أن تم تشويهه واتهامه بالانفصال عن مطالب الناس، وهو بالمناسبة نفس الاتهام الموجه لسعيد، وغيره كثيرون. هى حافة وهو منفى ولكنهما يسمحان بحرية التفكير والتعبير والاختيار وهى أدوات المثقف التى لا غنى عنها.

{ لحظات التردد عند مفترق الطرق… هل هى حكمة التأنى أم موات الإحجام عن ممارسة الحياة بتلقائية تستحقها؟

{{ ليس فى الحياة تلقائية أبعد من الممارسات اليومية البسيطة التى نقدم عليها أحيانا بعفوية. لكننا لو تأملناها لوجدناها متسقة مع طبيعة وتكوين وأشواق وتوقعات كل منا. والتأنى لو كان فعلا ممتدا فى الزمن لأصبح سجنا. الحقيقة أننا نمارس كل هذه الأفعال بدرجات متفاوتة من الكثافة. بتلقائية ألتقى بناس لا تربطنى بهم صلة فيصبحون أعزاء على قلبي، وبتأن أختار من يدخل فى دائرة الصداقة. بتلقائية اتخذت قرار السفر للخارج بهدف عمل الدكتوراه وبتأن اتخذت قرار الهجرة. لكنى لم أتردد لحظة واحدة عند مفترق الطرق عندما قامت الثورة فى مصر، بين الانتماء لفكرة الثورة وبين فكرة الإصلاح المتأنى أو الحسابات السياسية من قبيل الأمن قبل الديمقراطية. تلك الانتهازية السياسية تضعنى مباشرة فى موقف المعارض، عند الحافة، وليس عند مفترق الطرق.

{ متى تدخلين وسط الدائرة كذات كاتبة؟ أم أنك ستظلين تمارسين البداوة الحداثية إن صح وصف الترحال بهذا الوصف؟

{{ لا مجال للدخول فى دوائر، على الأقل فى المستقبل القريب. حتى لو شئت ذلك، الدوائر نفسها سترفضنى لأنى سأكون أول من ينتقدها من الداخل. الترحال أصبح اختيارا لا فكاك منه، بإرادتى وعن عمد.

………………..

* نشر في الأهرام اليومي يوم 27 – 10 – 2015

عودة إلى الملف