موقع الكتابة الثقافي uncategorized 63
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

د. نيفين النصيري

أتصور أنّ معظم الشهادات والقراءات التي ستتناول أعمال ميّ التلمساني الأدبية والنقدية ستوفيها حقّها باعتبارها من أهمّ الكاتبات العربيات في وقتنا الراهن. أمّا أنا فسأتطرق إلى زاويةٍ خاصة وحميمية جدًا لتكون بمثابة فرصة خاطفة للتبصُّر وإمعان النظر في خيط رفيع يرتبط بتكوين ميّ كناقدة وأستاذة جامعية، وبتطوّر موهبتها ككاتبة، وبتشكل شخصيتها كانسان.

إذا كان “للمنفى شجن لا يمكن التغلب عليه” كما يقول إدوارد سعيد، فإن رحلة الغربة (وليس الاغتراب قطعًا) التي بدأتها ميّ منذ أكثر من عشرين عاما مع هجرتها إلى كندا في نظري من أعمق تجاربها الإنسانية والإيديولوجية. فهناك جانب إيجابي في الغربة نادرًا ما يكتشفه المغتربون في ذواتهم، وهو الطاقة المحفّزة التي تجعلنا نحيا في خفة قد تُحتمل، نتخلص باستمرار من كل ما يثقل حقائبنا وأرواحنا وأذهاننا، نشيد بيوتا لنا أينما وطأت أقدامنا. دائمًا  على أهبه الاستعداد  للرحيل، طالما نحتفظ في حقائبنا وذواتنا بكل ما يشعرنا بالسعادة وراحة البال: وعادة ما تكون هذه الأشياء دون قيمة مادية إلا  أن ثمنها المعنوي بلا حدود. فتقوي الغربة طريقة رؤيتنا للعالم وللعلاقات المعقدة والمتشابكة بين الأشياء. نلتفت الي أدقّ التفاصيل وتشحذ قدراتنا على المقارنة والقياس واستجلاء مقاربات ليست دائمًا واضحة بين الأشياء، وتعلّمنا كيفية التعايش بين الثنائيات، والتطلع الدائم للمعرفة، واستبدال الثوابت والمتعارف عليه بالمتغيرات والخارج عن المألوف…

 

 وفي تجربة الغربة، وهي أيضا تجربتي الخاصة، تعمقّت معرفتي بميّ وتوطّدت صداقتنا الحميمية. بدأنا الرحلة في منتصف التسعينيات عندما كنا نباشر نحن الاثنتين رحلة كفاحنا الدراسي في كندا للحصول علي درجة الدكتوراه من جامعة مونتريال. كان موضوع ميّ عن صورة الحارة في السينما المصرية، وأنماط ابن البلد والأفندي والفتوة في أفلام مصرية من ١٩٣٩ إلي ٢٠٠١. أما انا فكنت أدرس الأدب الفرنكفوني وعمليات التناص عند بعض الكاتبات الناطقات بالفرنسية في كندا والكاميرون، وكيف أن هذه التقنيات وغيرها تتجاوز قواعد الكتابة التقليدية من خلال استخدام استراتيجيات “الاختلاف والتكرار” بمصطلح جيل دولوز.

وعلى الرغم من إحساس الغربة الذي لم يفارقنا حتى هذا اليوم، وعلى الرغم من مغادرتي كندا وانتقالي للعمل في الولايات المتحدة الامريكية، فصداقتنا قد تواصلت ومرّت بمراحل مختلفة. تطورت وتباعدت وتعثّرت وتقابلت وتعمّقت من جديد. تحدثتا وتسألنا وبكينا وشكونا من نفس الهموم: من أنا؟ مصرية؟ كندية؟ كائن هجين؟ أسكن “فضاءً ثالثًا” بتعبير المفكر الهندي البريطاني هومي بابا؟ ما هو الوطن؟ البيت “home “؟ هل حُكِمَ علينا بالعيش “خارج المكان” بشكلٍ دائم؟ وماذا مثلا عن أبنائنا؟ كيف نُنمّي لديهم حسّ الانتماء إلى ثقافتهم العربية والإسلامية دون أن نخلق منهم أشخاصًا شوفينين؟ كيف نبثّ فيهم قيمة قبول الآخر واحترام الاختلافات وعدم الوقوع في العنصرية والطائفية والتعصّب بكلّ أشكاله؟ وأين المحطة الأخيرة لغربتنا؟

كم من بيوت تنقلنا بينها، وكنّا نحرص بهوس على إيجاد منزل يمنحنا إحساسًا بالاستقرار ولو بشكل مؤقت أو زائف. وصارت منازلنا الصغيرة في كندا مع الوقت ملاذًا لوجودنا، وقد زينّاها بتفاصيل صغيرة وخاصة تعكس ارتباطنا القوي ببلدنا الأم. في هذا الملجأ الذي سرعان ما تحوّل إلي وطن ثاني تناولنا في حديثنا كلّ الأشياء الممكنة. بفرح حقيقي نتصفح الروايات التي حصلنا عليها خلال عوداتنا المتقطعة إلى القاهرة، من إلياس خوري وإدوارد الخراط ورضوى عاشور وليانا بدر؛ و كتبًا أيضًا اشتريناها أو استعرناها من مكتبة جامعة مونتريال وأسماء كجبريال روا أو ميشيل ترامبليه من كييبيك أو أسماء عالمية كمارسيل بروست وكافكا وإدوار سعيد. وأحيانا كنا نلتقي لمشاهدة فيلم ليوسف شاهين، أو لبازوليني أو دوني اركان أوروبير لوباج. واكتشفنا معًا السينما الإيرانية مع أسماء كمحسن مخملباف وعباس كيارستمي. وبتلك السهرات كنا نداعب الحنين بأغاني أم كلثوم وعبد الوهاب ومحمد منير وزياد الرحباني، ولكننا كنا نسمع أيضًا سيزاريا إيفورا وداليدا وعلي فاركا توري وبوب مارلي وسيلين ديون وجاك بريل … وكم من أمسيه تناولنا خلالها أطيب الأطباق العربية كالملوخية والكشري، ولكن أيضًا المعكرونة والسلطات، أو التندوري الهندي، أو السوشي …

ومن هذا المنطلق، يمكن وصف الغربة الجغرافية التي تعيشها ميّ (وأعيشها أنا أيضا) بأنها غربةٌ أنطولوجية تحمل طاقةً غير محدودة سرعان ما تتحول إلى مصدر للإبداع. وهنا أريد أن أستبدل بالغربة كلمة “الترحال”  “errance   وفقًا لمصطلح الناقد الفرنكفوني من جزر المارتينيك  إدوار جليسان  Édouard Glissant ، والترحال كمصطلح أقرب إلى المنظور الذي أري من خلاله جوهر ميّ. فميّ من هنا وهي كذلك لم تعد من هنا، وميّ من هناك ولم تصبح من هناك، بل هي بين الهنا والهناك. والترحال حالة تنقل وجودي تستدعي التعددية والمرونة والانفتاح والتحرر من القيم التقليدية، وهو رفض لفكرة التجذّر في مكان واحد، وإنكار للوجهة الواحدة الراسخة. الترحال يحشد الجسد والذهن من أجل الانفتاح على أي مكان جديد بكلّ إمكانياته ومجهوليته. بمفهوم الترحال يمكن احتضان تنوّع العالم كنمط لحياة الإنسان على الأرض، من خلال الالتحام بأفق العالم في مجملة”Tout monde“, Glissant) ). وهكذا أرى ميّ، كاتبة وإنسانة في حالة ترحال دائمة، وبداخلها طاقة هائلة من الإبداع في صيرورة مستمرة…

عودة إلى الملف