موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12

عبد الرحمن أقريش
عندما انخرط (العلّام) في وظيفته الجديدة لم يكن متحمسا كثيرا، فهو يعتقد أنه يستحق الأفضل، يستحق وظيفة أفضل من ساعي البريد.
تخرج من الجامعة منذ سنوات ويملك مؤهلا عاليا…ولكن البطالة بهدلته، أشعرته بالتفاهة واللّاجدوى، فاقتنع على مضض، أقنع نفسه في النهاية بوظيفته الصغيرة.
ومع مرور الأيام تقمص الدور، تقمصه إلى حد التماهي، الدراجة النارية ذات اللون الأصفر الفاقع، بدلة العمل ذات الأزرار المذهبة، القبعة، الشارات، وطبعا الإكراميات التي يدسها الناس في يده وهم يتسلمون منه مراسلاتهم، ومعها الكثير من الابتسامات وكلمات الشكر.
كانت الأغلفة البيضاء والملونة تسعده، تشعره ببعض العزاء، كان من السهل عليه افتراض أنها رسائل عاطفية، يتسلمها الشباب بفرح ظاهر، أنامل مترددة، وجوه باسمة، عيون مشرقة تنضح بالخوف والأمل…
أما المعاشات فيتسلمها أصحابها بقليل من الفرح وكثير من الاستسلام…تلك المعاشات تشعره بالغضب عندما يفكر في تلك الأرقام الهزيلة…
– أيعيش الناس بهذه المبالغ الحقيرة؟ 
يبدأ العمل مبكرا، يجوب المدينة طولا وعرضا، ينتقل من حي لآخر، يوزع الرسائل، اشتراكات المجلات والجرائد، وثائق إدارية، دعاوى، قضايا محاكم، ضرائب، معاشات، وحوالات مالية آتية من بعيد.
أشياء كثيرة غيرتها وظيفته الجديدة.
ولكنه بالتأكيد لم يكن سعيدا، يشعر بالحزن وتجتاحه كآبة عارمة في كل مرة يستعيد فيها أحلامه التي تكسرت بفعل البطالة وانسداد الأفق، كان ينبغي أن يكون شخصا مهما، أستاذا جامعيا، أو محاميا، أو رجل أعمال.
كان طموحه كبيرا، كبيرا جدا، بشكل أتعبه، وأتعب أسرته الفقيرة، وكان والده ينبهه دائما إلى أهمية الصلاة والتواضع والقناعة والرضا بقسمة القدر.
لم يفقد أبدا إيمانه، رغم جرثومة الكتب وأفكار اليسار والثورة، ولكنه بالمقابل، يشعر أنه غير محظوظ، يشعر أن الحياة خذلته، قست عليه، وأن القدر والرضا بالقسمة مجرد أكذوبة، وهم وعزاء للذات.
أحيانا كثيرة يتأسف على الفرص التي ضيعها، فمدينته مشهورة بالزواجات البيضاء، زواجات المصلحة، مدينة تحج إليها المئات من الروميات العجائز، بحثا عن شباب يبيع وسامته وفحولته مقابل أوراق الهجرة ومأوى وفرصة عمل.
المساء…
يجلس (العلّام) في ركنه المفضل في المقهى، يشرب قهوته المرة، يلعب الورق، ينخرط في الثرثرة مع الأصدقاء، وعندما يشعر بالملل يلوذ بالصمت.
أشعل سيجارته وراح ينفث دخانها ويتأمل الفراغ…
عندما وقع بصره على اللافتة، لوحة معدنية أنيقة تشدها إلى الأعلى حلقات نحاسية رشيقة، قرأ الجملة (ممنوع أكل الإسفنج) أشرق وجهه بابتسامة غامضة، بدا كمن يستعيد ذكرى بعيدة.
منذ سنوات، عندما افتتح هذا المقهى كان يحمل اسما جميلا وغريبا، (موكا) اسم بعبق قهوة آتية من بلاد اليمن، كان أول مقهى عصري ينبت في الحي الشعبي قبل أن تتكاثر المقاهي مثل الطفيليات، فضاء هادئ، نظيف ومريح، طاولات وكراسي أنيقة، تلفزة بشاشة كبيرة وملونة، واجهة زجاجية تزخر بألوان من الحلوى والمثلجات.
أصبح (العلّام) زبونا وفيا للمقهى، يجلس هناك أصيل كل يوم، يضع جريدته وحاملة المفاتيح، يطلب الشاي بإشارة صامتة، يخرج مسرعا، يغيب للحظات، ثم يعود وفي يده خيط من الدوم الأخضر تتدلى منه إسفنجات مقرمشة وشهية، فلم يكن محل الإسفنج إلا على بعد خطوات.
لم يكن صاحب المقهى سعيدا بحكاية الإسفنج القادم من المحل المجاور، الإسفنج في نظره لا يستقيم وأناقة المقهى، فبقايا الزيوت، وآثار الدهون على الطاولات والكراسي أشياء تضر بسمعة المقهى وطابعه العصري.
في البداية تحمل الرجل، تغاضى، حفاظا على زبنائه الجدد الذين يتنامى عددهم يوما بعد يوم، ولكنه مع مرور الأيام اكتشف أمرا آخر لا يقل خطورة من مشكلة الزيوت والدهون، إنه المنافسة، منافسة الإسفنج لأصناف الحلوى والمثلجات المعروضة في الواجهة الزجاجية.
صحيح أن الإقبال على المشروبات كان جيدا ومعقولا، وصحيح أن الطلب على الشاي يتنامى ويزدهر بانتظام، ولكن رواج الحلويات والعصائر والمثلجات بقي راكدا وشبه منعدم.
عندها قرر الرجل التحرك لإنقاذ تجارته البائرة، يطلب ذلك بأدب، يقترب، يرسم على وجهه شبه ابتسامة، يخاطب الزبون على انفراد وبصوت منخفض.
– مرحبا سيدي، الله يخليك، أنت على الرحب والسعة، ولكن لو تفضلت بلاش حكاية الإسفنج…
– أنت على راسي من الفوق، مرحبا وألف مرحبا، إنما أنت ترى أن حكاية الإسفنج هذه تلحق الضرر بالمقهى من حيث الرواج والنظافة…
يبتسم الزبون، يحرك رأسه فيما يشبه الموافقة، يمضغ قطعا صغيرة من حلقات الإسفنج الموضوعة أمامه ويعود لكأسه وجريدته.
مع مرور الأيام بدا أن الإسفنج لا يقاوم، توسل الرجل، اشتكى، احتج، ولكن بدون جدوى.
انتهى أسبوع آخر من العمل، عمل طويل، شاق ومتعب.
جلس (العلّام) في مكانه المفضل بجانب النافذة، مكان يسمح له بتتبع الحركة وإيقاع الحياة في الشارع، يدخن، يقضم إسفنجته بكثير من المتعة، وبين الحين والآخر يرفع كأس الشاي إلى شفتيه، يحتسي منها رشفات صغيرة، يرسل الدخان بعيدا على شكل أعمدة قوية ومستقيمة، ثم يعود لجريدته يخط فيها بقلم الرصاص أجوبة للعبته المفضلة.
بدا سعيدا، منخرطا، ومستمتعا تماما بخلوته.
ثم انتبه، تملكه إحساس غريب، نوع من الحدس الغامض، شعور قوي وغير مريح يجتاحه بين الحين والآخر، نذير شؤم يعكر مزاجه ويفسد عليه متعته، شعور يسميه من باب الدعابة (لحظات ما قبل الكارثة).
رفع بصره عن الجريدة، وقف الرجلان ينظران إليه بصمت، تعرف عليهما مباشرة، الأول صاحب المقهى، والثاني رئيس المقاطعة الحضرية، (سعادة القايد) كما يسميه البسطاء من عامة الناس.
كان يهم بالعودة لجريدته عندما خاطبه القايد بنبرة حازمة.
– هذا السيد متضرر بزاف من قضية الإسفنج، واشتكى مرات ومرات…والآن أنا هنا باش نطبق القانون.
سأله (العلّام) بهدوء.
– أش من قانون؟ (أي قانون؟)
أجاب القايد بعصبية وصوت حاد.
– ممنوع أكل الإسفنج في هذا المقهى.
ابتسم (العلّام)، جال ببصره في المقهى وكأنه يبحث عن شيء ما.
– أنا زبون، وأحترم القانون، ولكنني لا أراه…
صمت قليلا، وواصل.
– لكي يمنعني هذا الرجل من أكل الإسفنج يجب أن يعلق لوحة هناك، إعلانا يقول (ممنوع أكل الإسفنج)
استمع إليه القايد بصمت، كظم غيظه، ثم تكلم بصوت حاول أن يبدو هادئا.
– غذا إن شاء الله سيكون الإعلان معلقا…
ابتسم (العلّام) مرة أخرى، ابتسامة المنتصر، قضم قطعة صغيرة من إسفنجته، ثم امتص رشفة خفيفة من كأس الشاي.
وقال.
– في انتظار أن يعلق ذلك الإعلان، أنا هنا زبون محترم، ومن حقي أن أستمتع بإسفنجتي.
توارى الرجل، أخذ مكانه خلف الكونطوار، وغادر القايد منفعلا وهو يهمهم كلاما عن القانون والنظام والمصلحة العامة وسلطة الدولة…
عندما عاد (العلّام) إلى نفسه كانت ابتسامته ما تزال مرسومة، تسرب تيار منعش إلى داخل المقهى، تحركت اللائحة المعدنية، تأرجحت، قرأ الجملة بداخله، تلاشت ابتسامته تدريجيا، إنمحت، نظر إلى قهوته، تأملها، ثم قرر أن يغادر.
في الخارج تغير الجو فجأة، ينزل مطر خفيف، تنفخ فيه الريح، استشعر رائحة الأرض تملأ عليه كيانه، توقف مترددا للحظات وكأنه يختار وجهته، على بعد خطوات من المقهى وقف أشخاص ينتظمون بشكل فوضوي أمام محل صغير لبيع الإسفنج.