موقع الكتابة الثقافي uncategorized 14
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

محمد عبد الرازق

يبدو أنني تهت، أنساني الجوع طريقي الذي كان مفترضا أن أسير فيه، والنقود في جيبي بالكاد تكفي أجرة العودة إلى البيت.

توقفت تحت شجرة، على جانب الطريق، ومسحت العرق عن جبهتي، ما هذا الجوع الشديد الذي يقرص معدتي؟ جوع لم أشعر به منذ طفولتي، بدأت أستحلب ريقي الجاف لعله يسكت معدتي، لكن لا جدوى. نفضت جاكيت البدلة الأسود كي أخفف الحر عن صدري، وددت لو أخلعه وأرميه في وسط الشارع، لكن أبي أمرني أن أحضر بزي رسمي. سرت بجانب سور حديدي، أحاول تخمين المبنى الذي يحيطه ذلك السور، أهي جنينة الحيوان أم شركة كبيرة؟ أو ربما مطعم فخم على عدة طوابق، في الطابق الأول مثلا يقدمون المشويات على الفحم، وفي الطابق الثاني يقدموت آكلات بدوية، وفي الثالث أسماك، وفي الرابع يقدمون المحاشي والمعجنات، لكن من هو الغبي الذي سيجمع المحاشي مع المعجنات في قسم واحد!! أرخيت كتفي منهزما وصور الأطعمة والمأكولات تتدفق في ذهني بقوة وتضغط على معدتي فتكويها. قبضت على سيخ حديدي من السور كيلا أقع من طولى ورفعت عيني في الداخل إلى شجرة خضراء، آه لو كانت شجرة تفاح! لتسلقت ذلك السور بسرعة قط، وانقضضت على تفاحها واحدة تلو الأخرى، حتى يمتلئ جسدي كله بلذعة التفاح اللذيذة، ثم أنام في ظلها حتى أرتاح تماما.

 دارت بي الأرض، ومر بي عشرة أشخاص، ومع كل شخص يمر وددت لو استعطفته أن يطعمني أي شيء، كنت أقسم في نفسي أنهم لو رفضوا فسوف أتمرغ على الأرض حالا، غير عابئ بالجاكيت، سأظل أتمرغ حتى يطعموني، أو ينقذوني من تلك المقابلة المخيفة التي قذفني أبي إليها. لقد اتصل بي أمس، من مكان لا أعرفه، ولا يعرفه أحد، بعدما اختفى عن الناس جميعا، عندما شاعت في البلدة قصة الثأر الذي يطارده، أخبرني أنني لابد أن أسافر إلى العاصمة توا، كي أقابل لواء متقاعدا كان صديقا له، قلت له أنني لا أعرف العاصمة، قال لي أن مستقبلنا جميعا بات بيدي الآن، اعترضت ولم يجدِ إعتراضي أبدا، فأنا أصلا لم أختر شيئا من كل هذا!!

أخرجت من جيب الجاكيت الورقة التي كتبت فيها العنوان، ضغطت على عيني كي أقرأه، تراقصت الحروف أمامي فرفعت عيني عن الورقة ثم عدت إليها مجددا، لم تثبت الحروف مكانها أبدا. رأيت رجلا يمشي تحت الشجرة داخل السور، لم أتبين ملامحه لكنني أشرت له فتقدم نحوي، قلت له أنني غريب، ابتسم وأخبرني أن لى طلبا واحدا فقط أطلبه منه، توترت واعترضت أن طلبا واحدا لن يكفي وأن هذه قلة أدب، لم تتغير ملامحه وقال إن الحكومة أمرت أهل العاصمة أن لا ينفذوا للغرباء سوى طلبا واحدا، توترت أكثر وهاجت معدتي، قلبت عيني في الحروف المتراقصة وترددت هل أطلب طعاما أم أطلب أن يدلني على العنوان المكتوب، لو طلبت طعاما ماذا سأختار؟ ليس أمامي سوى شيء واحد من كل أطعمة الدنيا التي أشتهيها، هاجت معدتي أكثر كأنها تنتصر على العنوان، وما زال الرجل يستحثني بعينيه أن أتقدم بطلبي، ماذا لو لم يكن يعرف مكان بيت اللواء؟ سأكون فقدت الاختيارين معا، وماذا لو دلني على الطريق ثم لم يطعمني اللواء شيئا؟ قررت أنني سأطلب طعاما، ساندوتش فول أو فلافل مثلا، ربما يكون الرجل كريما فيعطيني نصف دجاجة، لكن الحروف المتراقصة دغدغت أصابعي، تذكرت الثأر الذي نبت فوق رؤوسنا؛ فوق رأسي أنا تحديدا، لا بد أن تنتظر رغباتي قليلا حتى أنقذ العائلة من الموت القادم، أعطيت الرجل الورقة فقرأها بعينيه ثم أخبرني بإشارة من يديه، دون كلام، أن أسير في طريق طولي ثم أنعطف يمينا، لم أتحرك، كنت سأسأله لماذا لم يتكلم، لكنه لم يعطني فرصة وإنما استدار بسرعة ووقف أسفل الشجرة يقلم وريقاتها، ناديت عليه، صرخت أنني جائع، لكنه لم يجب، تردد صدى صوتي في حديقة المبنى الكبير وفقط، تراخى كتفي من جديد، وتدحرجت معدتي داخل بطني كطفل ثائر، ضغطت عليها بكلتا يدي كي تسكت، لكنها ردت علي بصفعة متمردة، ناديت مرة ثانية على الرجل، لكنه لم يعبأ بي أبدا.

سرت في الطريق الذي أشار له الرجل، أحسست أن المباني زائغة كأنها مرسومة بألوان باهتة جدا، هل هذا صداع الجوع أم الخوف من الثأر؟ لا أعرف أصلا قصة هذا الثأر، لم يحكها أبي أبدا، كلنا تفاجأنا عندما عقد حقيبته وخرج من البيت جريا، في اليوم الثاني سمعنا صوت طلقات من بعيد، أعمامي قالوا أن الأعداء سيبحثون عنا في كل مكان ثم عقدو حقائبهم وخرجوا هم الآخرين من بيوتهم جريا، في اليوم الثالث جائني إتصال أبي، قال لي أن اللواء سيحل الموضوع؛ أنا لا أريد أن أحل الموضوع، ماذا لو قتلوني الآن في هذا الشارع الباهت، سأموت جائعا ببطن خاوية، مؤكد أنها ميتة قاسية، عندما تخترق الرصاصة معدتي الفارغة، لا تجد أي شيء يصدها، فتستقر في هوة معدتي التي ستكتوي بحرارة الرصاصة، فيجتمع علي قرص الجوع وسخونة الموت، أو لو قتلوني بطعنة سكين حاد، سيبقر بطني بكل سهولة، ستشعر معدتي ببرد لاسع، ولا تجد قطعة خبز حانية تدفيء جدارها الذي طالما غرق بألذ الأطعمة.

 توقفت على جانب الطريق مجددا،  قلت لنفسي حتى لو لم يقتلني الثأر فأنا سأموت يوما ما، لا بد أن أموت شبعانا مهما حصل.

عبرت رصيف الشارع إلى الناحية الأخرى حيث يوجد مطعم مشويات، حتى اعترضت طريقي سيارة بسرعة جنونية، توقفت أمامي وانفتح بابها، وأشار لي من داخلها رجل أعرفه، لا أذكر اسمه، ولم أقو على التفكير. في النهاية ركبت بدون اعتراض.

السيارة من الداخل أوسع بكثير مما توحيه من الخارج، كان بها خمسة رجال، أعرف ثلاثة منهم، والإثنين الآخرين لا أعرفهم لكن بدت لي ملامحهم قاسية جدا، أخذوا يتكلمون دون الإلتفات إليّ كأنني هواء، وصوت ضحكاتهم يستفز جوعي أكثر، مستحيل أن يكونوا جائعين مثلي، بل إن تلك الشوارب والشفاه لم تشعر بالجوع أبدا، رفص الجوع معدتي, فصعد إلى يافوخي شرارة حارقة، صرخت لها كل ذرة في جسدي، تسائلت لماذا لا يشعرون بي؟ لم يشعر أحد بي منذ الصباح، لم يسألني أحد إن كنت أكلت شيئا أم لا.

توقفت السيارة أمام مطعم صغير، فعبقت برائحة خضراء ناعمة للفلافل المقلية، مد رجل يده من الشباك واستلم من البائع ثلاثة أكياس من الطعام، أكياس سوداء لا تظهر ما بداخلها، لكن رائحتها تفضحها بقوة، خمنت أنواع الأطعمة في الأكياس، فلافل، باذنجان، بطاطس، انهمر لعابي بهيسترية، وسالت الريالة على ذقني وياقة الجاكيت الأسود، لم أعبأ بنظافة الجاكيت وتناسيت اللواء تماما، قال رجل من ذوي الملامح القاسية “كيف حال أبيك؟” ، لم أرفع عيني عن كيس الطعام فنغزني الذي يجلس جواري، قلت له “أطعمني وأخبرك مكانه”، قال “لكنك لا تعرف مكانه”، قلت له “أطعمني وأعدك أني سأعرف” ، أخرج قطعة من الكيس ومضغها ببطء فصدر عن صدغيه صوت تمطق هاجت له أعصابي، سالت الريالة على ملابسي أكثر، قلت له “أرجوك ارحمني”، لم يرد عليّ وإنما بصق المضغة من الشباك فطارت عيني خلف الطعام الممضوغ وهو يقع على الأسفلت مفتتا، أردت أن أطير فألقف تلك  المضغة بفمي، سأبلعها سريعا كي لا أشعر بطعم لعاب الرجل، سآكلها بسرعة جدا كي تسكت معدتي قليلا. أخرجت رأسي من الشباك فسحبني الذي يجلس جاري, أخبرني أنهم يعرفون مكان أبي، لم أهتم بكلامه ومددت يدي نحو كيس الطعام فصفعني على ظهر كفي، قال الرجل الأول “سنقتل أباك الليلة”، اضطربت أعصابي فجأة ثم هدأت بأسرع مما اضطربت، أخيرا إنزاح الثأر من فوق دماغي، سيأخذون بثأرهم ولا حاجة لي في مقابلة اللواء الآن، لا حاجة لي في شيء سوى الأكل، قلت له “طيب.. دعوني آكل”، ضحك الخمسة من جملتي وقذف الرجل الأول بأكيايس الطعام من الشباك، تناثرت قطع الطماطم والخيار وأرغفة الخبز فوق الأسفلت، فتحت الباب لألحقهم لكنهم سحبوني للخلف، دارت بي الدنيا وتزلزلت معدتي، عرفت أنهم سينثرون قطع أبي فوق الأسفلت الليلة كقطع الطماطم تلك، قفزت فوق رقبة الرجل الأول فغرق وجهه بريالتي، تحشرجت أنفاسه بين قبضتي وتكالب عليّ الأربعة الباقين، شعرت بشيء يخترق معدتي، شيء رفيع جدا، ليس رصاصة، ولا نصلا حادا، لم يلهب معدتي ولم يبردها، اخترقها فقط، مسحت الريالة عن ذقني وعن ياقة الجاكيت الأسود، تاهت عيناي بعيدا ناحية الفتات المنثور, هدأت معدتي وانتظرت الطعنة الثانية.

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:766. Generation time:17.714 sec. Memory consumption:290.98 mb