مصطفى ذكرى …الفنان الخالص

 ولأن مصطفى لا يبحث عن شهرة ولا عن أمجاد خارج إطار الفن الأدبى والسينمائى، فهو لا يبحث عن ناقد يطرّز له مقالا فى جريدة، أو يدبج عنه مقالا ينشره فى مجلة، وكان يكتفى بالكتيبة الناعمة التى انتمى إليها واخلص لها،هذه الكتيبة التى شاع أنها تضم الكتّاب منتصر القفاش ومى التلمسانى ونورا أمين،هذه الكتيبة لم تعلن عن نفسها كجماعة أدبية،ولا تدشن نفسها كتيار أدبى يصدر بيانات ويستجدى الإعلام والصحافة من أجل بضعة أخبار هنا وهناك،وأعتقد أن مصطفى ذكرى الذى مرق قليلا إلى عالم السينما وحقق بعض انتصارات فردية،ولكنها قليلة،وهناك كات ستينى كتب قصصا قليلة،وكان الناس يسألونه دوما:”لماذا لا تكتب؟”،فكان يجيبهم دوما_كذلك_: ياناس لا تحاسبونى عن ما لم أكتبه،ولكن حاكمونى على ماكتبته،هذا الكاتب هو الأديب والمترجم،الذى يرقد حاليا على سرير المرض،وتنتظر الساحة الصحفية والادبية لحظة معينة تحسم حالة مرضه،ليكتبوا عنه ويعلنوا عن تاريخه الادبى الجميل،هذا الكاتب هو محمد ابراهيم مبروك، ولا أعرف لماذا عندما أفكر فى مصطفى ذكرى ،أتذكر محمد ابراهيم مبروك، وأخيرا اهتديت إلى أن الكاتبين يعيشان حياة الفنان الخالص بشكل أساسى،وما عدا ذلك ليس إلا عارضا فى سياق حياة الفنان،السمة الثانية ،عندما نشر محمد مبروك قصته الأولى: “عزف نزف صمت نصف طائر”فى منتصف الستينيات فى مجلة المجلة،أثارت الدهشة لدى الجميع،وبالتأكيد هناك من وصف محمد مبروك بالجنون، خاصة أن يحيي حقى الكاتب رفيع المقام ورئيس تحرير المجلة،اقترح على مبروك تغيير هذا العنوان الصادم،واستبداله بعنوان آخر،فرفض مبروك ذلك، وعندما قال له يحيي حقى :”حتى لو كان ذلك يعوق نشر قصتك الأولى”،رد عليه مبروك :”أنا متمسك بعنوان القصة حتى لو لم تنشرها”،ولكن يحيي حقى نشرها،معجبا بشخصية الكاتب العنيدة والذى لم يهادنه ويفاصله إزاء صفقة نشر القصة مثل آخرين،هذان مفتاحان يتمتع بهما مصطفى ذكرى،فهو لا يفاصل فى الفن،ولا يشترى به ثمنا قليلا،ولا تخدعه الجماهير الغفيرة التى سوف تقرأ كتاباته،فهو لا يعتنى إلا بوجهةنظره الفنية فى الكتابة،وعلى القارئ الكسول المتراخى أن يبذل المجهود المطلوب للدخول إلى عالمه، واكتشاف الجزر السحرية التى تنطوى عليها هذه الكتابات،وحكاية الجزر السحرية هذه ليست حقيقة كاملة،بل هى جزر للعنف وأولاد الشوارع وحثالة الحياة والشوارع،إذن لا جزر سحرية ولا يحزنون،بل مصطفى ذكرى يقلّب حيوات المجتمع الفوضوى البشع والردئ، والعبرة الفنية أو التقنيات أو الأدوات التى يبذل ذكرى مجهودا مضنيا فى استخدامها،هى السحر فى حد ذاته،فمصطفى ذكرى هو صاحب مدرسة فى تشريح المجتمع التحتى بتقنيات فوقية عليا،ولا أقصد فوقية بمعنى أنها متعالية،ولكننى أقصد تقنيات راقية،حيث أن ذكرى لا يحلم بتحقيق منجز إبداعى يتسم بالعادية أو المألوفية،إنه يناطح كتّابا من طراز كونديرا وبورخيس،ليس على مستوى القيمة فقط،بل على المستوى الإبداعى الذى لا ينفصل عن القيمة،وهذه العوالم التى يبحر فيها ذكرى،ماهى إلا الحلم القديم الذى كان ضمن طموحات المجموعة التى نوهنا عنها،وكان الحلم هو إنجاز رواية بوليسة مصرية خالصة،رواية تستطيع أن تنافس على المستوى العالمى،وليس هذا النوع الرخيص والمتدنى فى الكتابة،بل هو شكل لما يكتبه مصطفى ذكرى،وذهب الحلم أدراج الرياح لدى منتصر ومى ونورا،وذهبوا جميعا إلى اكتشاف ذواتهم الفنية فى أشكال كتابية أخرى،وبقى مصطفى يحلم وينجز ويكتب ويبدع وحده،والبسطاء من النقاد، أقصد السذج قالوا إنه ينهل من عام بورخيس،لمجرد أنه استخدم مفردة “المتاهة”،ولكن من يتأمل هذه الكتابات المصطفوية الذكروية،سيكتشف أن عالما خاصا يحيط به،هذا العالم الذى يبنيه مصطفى ذكرى لا يشبه من قريب أو بعيد هذا أو ذاك،ولذلك فذكرى يفنى نفسه من أجل صياغة جملة تخصه،حتى لو كانت هذه الجملة صادمة للقارئ،وليست على هواه،فمصطفى ذكرى ليس بصدد صفقة مع قارئ أو ناقد أو ناشر أو سينما،إنه عميل مخلص لنفسه ولمبادئه ولطريقته الفنية الخاصة،وهذا يعود لأن مصطفى ذكرى من أكثر أبناء جيله ثقافة وقراءة ومعرفة بالأدب العالمى،وهو لا يقرأهذا الأدب ليقلده،بل ليتجاوزه،ويضعه نصب عينيه حتى لا يقع تحت تأثيره،أعتقد أن مصطفى ذكرى من هؤلاء الكتاب الذى يمارسون القسوة على انفسهم قبل أن يمارسوها على القارئ،لذلك ستظل علامة مصطفى ذكرى..الفنان المحض، علامة خاصة جدا لا تقبل التقليد ولا تندمج فى السائد ولا تغازل المألوف.

عودة إلى الملف