مصباح المهدى: أنا ملك المهن المنقرضة!

حسن عبدالموجود

لم يختر مصباح المهدى أول مهنة عمل بها، وإنما اختارته، ابتعد عنها لفترات طويلة، لكنه كان يعود إليها مُكرَهاً، إذ أنها كانت «رفيقه اللدود»، مهنة الجد عيد تقى الدين. مهنة صناعة «الحصير اليدوى».

عام 70 كان مصباح طفلاً فى السابعة من عمره، لم تفتح الحياة ذراعيها له، مثل كثير من الأطفال، ويبدو أن البيت كان يهيّئه لمهمته الجديدة، إذ كانت العائلة تمتلك مشغليْن للحصير، وكان يشكل مع أخوته فريقين، فريق تولّى هذه الصناعة الشاقة، برئاسة ممدوح، وقد أصبح «اليمّان» وبعد دخوله الجامعة تولى مختار الأمر، حيث كان يمسك بالمضرب، ويقف على يمين العدّة، لكن هذا المسكين توفى بينما يدرس فى «كلية العلوم». كان مصباح مساعداً له، أى «مساعد المعلم»، ثم صار المعلم «ذات نفسه» وهو لم يتجاوز مرحلة الطفولة. أما الفريق الآخر فضمّ منير، الموظف فى الثقافة الجماهيرية، ومحمد رئيس القطاع فى التربية والتعليم.

كان مصباح ماهراً فى المهنة، لم يترك مرحلة من مراحل صناعة الحصير إلا وبرع فيها، من أول استلام الخوص الأخضر، ثم جمْعه، إلى إغراقه بالماء. كان العمل أكثر مشقة من «نول القماش» الذى يُترَك على الحائط ويتم العمل فيه بسهولة، إذ كانوا يضعون الحصيرة – وطولها أربعة أمتار وربع – على الأرض مفرودة، لتجف، لكن الشمس كانت تأكل ربع المتر الزائد. كانوا يعلمون أن الحصيرة ستنكمش، وأنهم يقدمون جزءاً منها للشمس قرباناً، ثم يبدأون فى فصْل الأمتار الأربعة إلى حصيرتيْن. كانت مهمتهم المقدسة فرش المساجد بالحُصر، وكذلك الزوايا، كما كان بيتهم قبلة للمقبلين على الزواج، وأى كنبة جديدة تصل إلى البلد لا بد من فرشها، ولهذا يمكن أن تقول وأنت مستريح إن أى بيت فى قرية «البرامون» بالمنصورة لا يخلو من بصمة مصباح. لم يكن هناك أفضل من حصير عائلة الشيخ عيد تقى الدين. كان متر الحصيرة بربع جنيه، لكن المصلّية كانت بثلاثين قرشاً، والقروش الخمسة الزائدة مقابل الجهد المضاعف فى صناعتها، فقد كانت أفضل حالاً من العادية، وكانت يومية الصنايعى سبعة قروش. يقول: «كنا نادراً ما نستعين بمعلّم، وكان هذا يحدث فى فترات مرضى، لكنى لم أكن أمرض تقريباً. كان المعلّم يحصل على القروش السبعة، كما يضمن الأكل والمبيت على حسابنا، وقد اضطررت فى فترات لاحقة بعد تخلينا عن هذه الصناعة إلى العمل كمعلم عند أسطوات آخرين».

انقرضت المهنة فجأة، إذ دخلت صناعة الحصير البلاستيك على الخط. كان البلاستيك وحشاً ضارياً أزاح من أمامه كثيراً من الصناعات اليدوية، كان معدن فترة الثمانينات الطيّع والكئيب، كآبة هذه الفترة أدبياً وسياسياً، باستثناء حصول محفوظ على نوبل فى نهايتها. تميز برخص أسعاره، كان ضيفاً خفيفاً، صحيح أنه كريه، لكنه يؤدى الغرض المطلوب للجميع، وهكذا بدأ الناس ينصرفون عن الحصير، ويشترون السجاجيد البلاستيكية، كان مصباح يذهب ليعمل عند تجّار الجملة القدامى، ممن ناضلوا لآخر لحظة للإبقاء على صناعة الحصير، لكن مع نهاية عام 79 أُطلقت رصاصة الرحمة على الصناعة كلها، وأغلقت الأنوال. كان جده تقى الدين «حُصرى» ومحفظ قرآن، أما أبوه «محمد المهدى» – وهذا اسمه المركّب – فقد تمرّد على هذه المهنة، وإن كان يمد يده فيها، لكنه ركز أكثر فى تجارة الحبوب، ويبدو أن الأب كان أفضل حالاً من الابن، فلم يتعرض لقسوتها البالغة. كانت مهنة مضنية للغاية، إذ كان على الطفل مصباح أن يجلس مقرفصاً مع الحصير داخل أحواض الماء، صيفاً وشتاء، وفى البرد كان يشعر بأن أطرافه تتآكل، وأن عظامه على وشك التحول إلى نثار، سيتطاير فى كل مكان، مع أول هبّة للريح.

كان هناك ما يشبه الراديو، أو ما يُطلقون عليه «سماعة»، وكانت هناك ثلاث إذاعات – فى ذلك التوقيت – ارتبطت فى ذهنه بهذه المهنة، إذ حفظ، وهو يقلّب الإرسال بحثاً عنها، تردداتها، وكذلك أسماء برامجها، ونبرة مذيعيها، وكان يتوقع انقطاعاتها المفاجئة، حيث تصلهم فجأة آلاف الأصوات المتداخلة، الرفيعة والسميكة، الحادة كشفرة، والطيّبة. كانت تبدو كأنها أصوات قادمة من أقصى المجرة. هذه الإذاعات هى «صوت العرب» و«البرنامج العام»، وإذاعة مُوجَّهة إلى إسرائيل هى «كول كاهير راديو كاهير». يحكى: «كنا نفتح عيوننا ونحن نقلب تلك المحطات الإذاعية على عبارة أمجاد يا عرب أمجاد، وبرامج: أخبار خفيفة، وهمسة عتاب، وكلمتين وبس، وكذلك أصوات مقرئى القرآن العظام، عبدالعزيز على فرج، وعبدالعظيم زاهر، وعبدالفتاح الشعشاعى، وكامل يوسف البهتيمى». كانت أصواتهم الجميلة تعنى أنه سيبدأ ذلك العمل الشاق المخيف، الذى يبدأ فى الخامسة صباحاً، ويستمر حتى التاسعة مساء، ولهذا لم يحبها على الإطلاق: «كانت مهنة فظيعة، وتركت فىّ أثرها إلى اليوم، انحناءة لا تذكّرنى سوى بساعات عذاب لم تكن تنتهى أبداً. كان انقراض تلك المهنة بمثابة العفو الإلهى عنى».

عمل صاحب «يرجى إعادة شحن البطاقة» و«كما لو كانوا بيحبوك» و«شجر للعياط» و«لحد ما يكمل المشوار» و«وريد مفتوح على الدفتر» و«كلها ساعتين ويدّن» فى مهنة صانع براويز لإستوديوهات التصوير، لمدة عام، ثم «عجّان مبيّض محارة»، فى جنوب سيناء، ابتداء من 83. يقول: «كنا قد تسلمنا الطور بالكاد من إسرائيل، ولم يكن بها سوى المنشية، والكرنتينا.. وهى الحجر الصحى أيام طريق الحج القديم. كان فى المنشية كام بيت ومسجد، وكام عشة، إذ كان البدو لا يحبون العلب الأسمنتية، وكانت هناك ثلاث شركات تتعامل فى تعمير الطور، إسماعيل مسلم على، وشركة البحر الأحمر، وعملتُ فى الثالثة وهى شركة عثمان أحمد عثمان. كنا نعمل فى شرق الطور على إنشاء معهد المعلمين، وأتذكر أن قسم الشرطة، وبيت المحافظ كانا فى الكرنتينا، وكان هذا فى آخر عهد محافظ جنوب سيناء الفريق فؤاد عزيز غالى. كان يعرفنا فرداً فرداً مع أننا كنا نبلغ مائة عامل تقريباً. كنا نجلس فى قهوة لؤلؤة الجنوب، وقد أطلقنا عليها اسماً آخر من وحى وظيفتنا، وأقصد قهوة التوضيب، فبعد ثمانى ساعات عمل تذهب إليها، وتجلس فيها، بعد أكلة ملوخية أو عدس من مطعم سودانى ملاصق لها، لتشرب الشاى، وتلعب الدومينو أو الطاولة، ثم يأتى كبار الصنايعية مساء ليحددوا مستقبلنا فى الصباح. ينادى النجار على بعضنا، وينادى مبيّض المحارة على بعضنا الآخر، وتتبقى مجموعة منا لا يُنادى أحد عليهم، أى أنهم ماتوضّبوش، وهذا كان يصيبهم بحزن بالغ، إذ أن كلاً منهم سيضطر للصرف من يومية الأمس – وكانت تبلغ فى أفضل الحالات سبعة جنيهات – على الطعام والشراب. كان من يتم النداء عليهم يتهللون، ويعيشون حالة مرح بالغة، بينما كان الباقون يغرقون فى الحزن والعرق، ويتركون لعب الطاولة، وكل منهم يشرد فى مستقبله، لكن الأمور كانت تتغير فى اليوم التالى، إذ كنا نتبادل الحزن والفرح، كأنها أشياء توزع مع النداء».  

فى 85 حصل مصباح على دبلوم معهد فنى تجارى، ثم أدى خدمته العسكرية، وعمل بعدها لفترة فى «القبّانى» وهو ميزان المحاصيل، واستطاع بسرعة شديدة مراكمة خبرة هائلة يبدو أنها كانت كامنة فى جيناته. عرف أن قنطار القطن يساوى 157 كيلو ونصف، وأردب البرسيم 168 كيلو، وأردب الذرة 140 كيلو، وأردب الفول 155 كيلو، وأردب القمح 150 كيلو. دخل مصباح امتحان «الوزّانين العموميين» عام 88 واجتازه بنجاح. كان لـ«الوزّانين» جمعية باسم «القبّانية» وهى تابعة لمصلحة «الموازين والدمغة»، وقد عمل عشرين عاماً فى هذه المهنة إلا شهرين، ولذلك لم يحصل على معاش، إذ دخل الميزان الإلكترونى على الخط. يحكى: «كنت وزّاناً عمومياً حاصلاً على رخصة، وكان الفلاحون يأتون إلينا فى الشون لتوريد القطن، فأزنه، كنا نتعامل مع بنوك التسليف وجمعيات الإصلاح الزراعى، ثم تأتى الشركة الشرقية وتحصل على القطن، وأنا أوقّع على محضر التسليم، فى دفاتر مخصصة لهذا الأمر، وبها علامة مائية، وكانت هناك ثلاث نسخ، واحدة للفلاح، وأخرى للجمعية، والثالثة للشركة. كانوا يوردون إلينا كذلك القمح والأرز، كما كنا نفصل بين الفلاح وابن القرية، فالناس هناك كانوا يحتاجون إلى القمح ليخبزوا عيشهم، وإذا لم يكونوا من أصحاب الأراضى كانوا يأتون إلينا لنزن لهم ما يحتاجونه من القمح والأرز والفاصوليا، ويسألنى الشخص: السعر كام يا عم مصباح؟! فأقول له: بكذا، ثم يدفع ويحمل مشترياته ليسعد زوجته وأفراخه. كنا نحصل على أجرتنا من الفلاحين وليس المشترين».

ذهب مصباح إلى السعودية فى 90، ليعمل «عجّان مبيض محارة»، وعامل «ديكوات جبسيّة»، واكتسب خبرة «مش بطالة»، حيث صار بإمكانه تطويع الجبس إلى ملبن. كان يحصل على خمسين ريالاً فى اليوم، وكان ينشر قصائده فى المجلات المختلفة، «الرياض» و«عكاظ» و«الحرس الوطنى»، و«المجلة العربية». كان يحصل فى أحيان على 400 ريال مقابل نشر القصيدة، لكن لم يكن مسموحاً له أن ينشر بشكل دورى، فهناك آخرون ينتظرون فى الطابور.

كان هناك شخص ثرى يسكن فى سرايا أمامهم، وكانت لديه شقيقتان من العوانس، وبينما يتجه مرة إلى البئر القريبة، نادته إحداهما: «يا مصباح!»، فهرول ناحيتها باهتمام، فأخبرته أنها تريد فَرْش الكنب، لكن ذلك الكنب لم يكن كبقية الموجود فى القرية. كان المقاس العادى 60 سم عرضاً ومترين طولاً، أما فى السرايا فكان 75 سم فى ثلاثة أمتار، فاستأذنها أن يذهب لإحضار المتر، إذ عرف بعينه الخبيرة أنه أمام تحد جديد. عاد وأخذ المقاسات، ثم ذهب لإخبار أبيه، والأب قال له: «أنصحك بلاش، لأنها مش هتشترى حاجة منك!»، ومصباح الطفل الغاضب ذى الأعوام الثمانية قال له: «أنا اديتها كلمة!»، والأب رد: «خلاص أنا مش هصغّرك!»، وعمل مصباح ثلاثة أيام كاملة حتى ينجز مقاسات الكنب «الأسطنبولى» الضخم، ورفَعَ الحِمل الثقيل، وكان بالكاد يتحرك، حتى وصل إلى السرايا، ومد يده بصعوبة إلى المقبض الحديدى الضخم ورزعه فى الباب الخشبى كثيراً، لدرجة أن الأموات فى الجبّانات القديمة، تململوا فى رقدتهم الأبدية، حتى فتحت المرأة وسألته بحدة: «فيه إيه؟!»، فأخبرها أنه أنجز الشغل، فقالت ببساطة وبتعالٍ: «مش عاوزاه»، وأغلقت الباب بعنف. وحينما عاد قال له الأب: «ولا يهمّك، بس اتعلم من الدرس ده.. إنك لازم تمسك عربون فى إيدك». بعد ذلك بسنوات ماتت المرأة، بينما يقوم هو وأبوه بكسوة مسجد بموكيت تبرّع به أحدهم، اقترح الأب سد الفراغات حول الأعمدة، تلك التى يركن فيها المصلون أحذيتهم، وبينما يمد يده أسفل الموكيت أمسك بشريط من فرْش كنبها الإسطنبولى، الذى رفضته، وشعر بأن هذه علامة، أو كأن القدر تدخل ليطيّب خاطره.

لم يكن مصباح منحوساً فى كل القصص. صحيح أنه حين كان يعمل فى السعودية لم يكن يقبض أجرته بانتظام، وكان يضطر أحياناً إلى انتظار شهور طويلة، إلا أن أحدهم تدخل لصالحه ذات يوم.

كان رئيسه فى الشغل «مطلَّع عينه»، وكان يقول له اذهب إلى هذا الزبون لتحصل على مالِك، وحينما يذهب فعلاً يكتشف أن رئيسه اتصل بالزبون، وطلب منه ألا يعطيه شيئاً، ثم تعرف مصباح على شخص من طرف أخيه ممدوح، وهذا الشخص عمل معه «أحلى  واجب»، فحينما طلب منه رئيسه أن يذهب إليه نطّ فى تاكسى وخلال دقائق كان عنده، وقبض منه الأجرة، ثم جاء اتصال رئيسه متأخراً بعض الشىء، حيث طلب من الزبون ألا يعطيه المال، لكن الزبون الطيّب أخبره أنه منحه المال فعلاً، وكاد رئيسه أن يُجن، وسأل الزبون باندهاش عن السرعة التى تم بها الأمر: «عفريت هوّ مصباح هذا؟!»..

عمل مصباح كذلك فى «فرْط الذرة» فى بيوت الفلاحين. كانت لديه آلة بها عينان، يضع فى كل واحد كوز ذرة، وهكذا يحصل الزبون على «الحَبّ»، بينما يحصل هو على «القوالح»، ويبيعها للمقاهى، إذ كانت تستخدمها بديلاً للفحم فى «الجوزة»، لكن هذه المهنة لم تصمد بدورها، إذ اخترعوا ماكينة الدريس، وأصبح بإمكان من يمتلكها أن يضع «شوالاً» ممتلئاً بكيزان الذرة داخلها «حتة واحدة»، وأن يحصل على النتيجة فى نصف ساعة فقط، بعد أن كان مصباح يحتلّ بيوتهم لمدة ثمانى ساعات كل يوم. يقول: «أنا ملك المهن المنقرضة»!

يتذكر مصباح قصة جمعته بالشاعر عبدالرحمن الأبنودى، إذ سأله أمام جمهور غفير فى معرض الكتاب ذات يوم بعيد: «انت شغال إيه؟!» فقال له ضاحكاً وربما محرجاً: «ما بلاش السؤال ده!» لكنه أصرّ: «انت مكسوف ولا إيه؟! ما كلنا فقرا ولاد فقرا؟!» فقال مصباح: «أنا قبّانى وبتاجر فى القوالح!»، فقال الأبنودى: «موالح؟! عظيم. مرسى جميل عزيز كان شغال برضه فى الموالح». فضحك مصباح: «قوالح يا خال.. قوالح مش موالح»!

يكتب فى قصيدته الجميلة «عمرى آلاف السنين» من ديوان «بحبك هروباً من الانتحار»:

«شفتنى ويّا المعرّى

فى اللزوميات أنين

شفتنى حدّاد أبويا

شفتنى وصلاح جاهين

شفتنى الأبنودى خالى

شفتنى م الفلاحين

شفتنى وزّان فى شونة

وازن القطن فى بؤونة

شفتنى فى مشغل حصير

طفل مصلوب الإرادة

ضحكته سكر زيادة

دمعته كروان حزين

شفتنى مبيّض محارة

شغلتى نجار مسلح

شفتنى مسمار فى حيطة

عمره ما بالحيطة آمن

شفتنى للبنّا مونة

يا حياتى المطمئنة»