مسافة الأمان في ‘مقدّمة‘ ذكري

يتبرّم ذكري في بداية مقدمته من الانتماء لمعسكر النزعة الشكلية، كونديرا ومحفوظ، ويعلن انتمائه للمعسكر المقابل جويس وإدغار ألن بو وديستيوفسكي، معسكر الكتّاب اللذين لا يهندسون كتابتهم واللذين هم عكس أولئك اللذين وصفهم في نص له بعنوان ‘رمية من غير رام’ بـ:”أدب المنتخبات المختصرة لطلبة المرحلة الثانوية.”، الكتابة لا توجهه دائما كما يقول، يبدأ بتوجيهها قاصدا الغرابة والمفاجأة الدرامية، كأسلوب صحيح، لكنه أيضا لأنه لا يستطيع جعلها تتمرد عليه، ليس هنالك قصة أو نزعة شكلية في أعماله لكن هنالك حديث دائم عن الكتابة، كمدخل للكتابة وكألعاب داخل النص يحكي عن اللعبة ويلعبها، تبدأ رواية الرسائل بـ: “كتب خالد لمريم متعثرا في الكلمات، اذ على الرغم من أن الكتابة مهنته، والكلمات أداته، الا أنه يجد دائما مسافة بين الاحساس و التعبير في كل ما يتعلق بمريم، في حضورها، وفي غيابها، وهذه المسافة لا هي بالكبيرة التي تدعوه لليأس، ولا هي بالصغيرة التي تدعوه للاهمال… ” هذه المسافة لا أراها بين الاحساس والتعبير فقط، لكن بين الهوس بفعل الكتابة (أو مرض كما يسميه) وبين الكتابة المرتبطة بـ’وعد التحقق’ ذاتها، يعني لو وضعنا مكان مريم كلمة كتابة سنرى المرض الذي يتكلم عنه في مقدمته، الهوس بالأقلام والدفاتر ونقاء الصفحة والخط الجميل، و قبل كل هذا التحضير النفسي والمادي لطقس الكتابة، من أكل وأفعال عُصابية و ترتيب للأشياء ثم المشي لمسافات عديدة داخل مكان مغلق كمن ينتظر طائرا ليتصيده، وفي لحظة سحرية يشعر فيها بتناغم المكونات واعتدال الميزان بداخله واندفاع الكلمات داخل رأسه يجلس ليكتب عن الكتابة أيضا، يدخل منها للنص ويقع في فخها، ويوقعها في فخه.

لكن لماذا هذا الأسلوب؟ لماذا هذه الكتابة؟ هل كتابة ذكري تشبهه الى هذا الحدّ لما قال عن الكتّاب: “إنهم غريبو الأطوار حالمون تلمس أطراف أصابعهم أطراف الماء دون الخوض في الحياة الحقيقية، فقلت بأسى إنهم مثلي، أنا من تلك السلالة العاجية المسالمة.” ؟ كتابته التي لا تخوض في الحياة الحقيقية وتستسلم “لوحشيّة التفاصيل”، التفاصيل عند ذكري ليست هي تفاصيل زولا الذي لا يكتب الشيء حتى يدرسه ويعاينه ويجربه إن لزم؛ بل هي انعكاس التفصيل في نفسٍ قلقة وعصابية، تريد أن ‘تسرُد’ التفصيل حتى لو ضيّعت القارئ، هنا تخف لعبة الكتابة قليلا  وتظهر تلك الوحشيّة لتجعل الاحساس والتعبير شيئا واحدا. التفصيل لا يأتي وصفا بقدر ما يأتي ‘تفصيلا مُدوّرا ومكرور’.

في أعمال ذكري مسافة أمان طويلة، يبقيها بينه وبين الحياة أولاً ثم تنتقل الى كتابته المتشظية، المحتفية بالشوّارد والشذرات، فالنّص عند ذكري مجموعة شذرات متجمعة، ان لم يكن في حد ذاته شذرة استطالت لصفحات. هذه المسافة نجدها بين شخصياته والواقع المحيط بهم، مسافة تبقيهم بعيدين نهر الحياة، يقفون بعيدين عنه، ولا أظن أن يرد عنوان فيلم »غير المنسجمين مع المجتمع « صدفة، في أول سطر من أول رواية له. لن نقارن شخصيات الفيلم والحبكة مع أعمال ذكري، لكن يكفي أنه أشار له في بداية رواية ما يعرفه أمين ، لكنّ الكاتب يريد أن يوهمنا بأنّ المسافة أقصر مما نعتقد، رغم أنّه يكرر في السطور على لسان شخصياته أنّهم بيتوتيون وانعزاليون، الا أنّه يريد دحضها بسرد التفاصيل. الوحدة تخلق الهوس بالتفاصيل أيضا، أو وحشية التفاصيل كما يسمّيها الكاتب.

‘وحشية التفاصيل’ نجد لها سببا آخرًا، فعلى الغلاف الرابع لأعماله الكاملة، نقرأ ثلاث فقرات قصيرات عن كتابة ذكري (نستطيع أن نجد نفس الأفكار في كتابه على اطراف الاصابع) تبدأ أول فقرة بالتالي: “كتاب لعشاق القراءة الحقيقيين.”  وآخر فقرة بـ: “نشر ذكري أول أعماله في بداية التسعينات عندما زهد الانسان في الوطن والتاريخ والجماعة السياسية والقضايا الكبرى. ولم يبق أمامه سوى الغياب في ظرف وجوده الفردي وزمنه الخاص.” هذا النوع من المُصادرات في كتابة ذكري التنظيرية يجعلنا غير مرتاحين، خاصة عندما نقرأ صفة ‘القراء الحقيقيين’، كأنّ الكاتب ينفي ذات الصفة عن من لا تعجبه كتابته، محددا دائرته الخاصة والمغلقة، مع آلهة الكتابة. أما بالنسبة للمقطع الثاني والذي كان مبررا ‘للوحشيّة’ في المقدمة أيضا، ورغم أنّ ذكري يتكلم دائما عن مسافة الأمان التي يضعها بين رصاص السوسيوسياسي و ذهب الفن الحقيقي على حد تعبير يوسف رخا في مقاله شرح ديوان ذكري، رغم هذا الا أنّه يربط بداية نشره لاعماله بسياق زمني معين، وهو تغيّر النظام الدوّلي، وبداية العولمة والمدّ الرأسمالي للاحادية القطبية، وزهد الانسان في القضايا الكبرى وبداية عصر ما بعد الايديولوجيا، كأنّ الظرف التاريخي كان مبررا لولادة كتابة ذكري، رغم أنّه لا ينفك يكرر نفور كتابته من كل ما هو تاريخي وسياسي واجتماعي.

لكن أكثر ما يحسب لذكري هو تشديده على فكرة أنّ ‘الأسلوب شرف الكتابة’. يقول في مقدمته “… إنّ الأساليب الأدبية بمثابة فيروسات تضرب أساس اللّغة”. شيء نختبرته عند سيلين الفرنسي أيضا، عندما يشعرك الكاتب أنك غريب عن تلك اللغة حتى لو كانت لغتك، عندما تشعر أنه لا يكتب من قاموس جاهز، و لا يتكئ على عبارات جاهزة ولا يغرف من بحر. عندما لا يكون شرطا أن تقرأ بعد كلمة حزن، صفة عميق. وليس شرطا أن تكون مرتاحا وأنت تقرأ، ليست المفاجئة الدرامية هي ما يراهن عليها ذكري لكن أيضا المفاجئة اللغوية، أن تقرأ عنوانا كـ:”حطب معدة رأسي” أو “هراء متاهة قوطية”، وعبارة كهذه:”رقعة من ظلام الأرق، رقعتان، ثلاث، في ثوب النوم الزاهي، والأحلام تقفز في حذر فوق رقع الظلام”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

كاتب من الجزائر

عودة إلى الملف