موقع الكتابة الثقافي
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

 

مثل التراب الناعم الذي يغطي سيدة البيت وهي تنظف المكنسة الكهربائية، ومشهد الرماد وبقايا مواد إخماد الحرائق الكارثية الذي يغطي البشر في صور نشرات الأخبار أو أفلام الحركة بدت روحي مدفونة تمامًا ..

ورغم احتفال مستخدمي  فيس بوك الكثيف والمبتذل بذكرى ميلاد فيروز، يلازمني صوت ماجدة الرومي وهي تقول " قومي من تحت الردم كزهرة لوز في نيسان " أنا التي لا تعرف الفرق بين زهرة اللوز وزهرة اللوبيا تلك التي أصبح الكيلو الواحد منها بأكثر من ثلاثين جنيه .. أفكر أن المغنية تقولها لي ..

تذكرني الصورة التي وضعتها على صفحتي لنقيب الصحفيين وعضويّ المجلس المحكوم عليهم بالسجن عامين ، ماضيين متشابكي الأيدي وخلفهم حشد من الصحفين بصور أخرى تبدو مألوفة .. صورة تشبه مشهد النهاية في "كتيبة الإعدام" وكذلك بمشهد النهاية في مسلسل " الراية البيضاء" أفكر في كل ذلك وأنا أقلب في قنوات التليفزيون لأبحث عن خبر أو تغطية ما لاجتماع "نقابة الصحفيين" الذي تقرر عقده بسبب تلك القضية .. لا أجد شيئًا!

في حجرة الصغيرة ، أجد كل اللعب ملقاة خارج صناديق اللعب ، وصغيرتي تقف مثل الدمية الشريرة "تشارلي" بشعرها المشعث ونظرتها التي تملؤها شقاوة لا تلائم حجمها الصغير .. صغيرتي التي تقدر بإصبعها الدقيق أن تقتحم مخ أي دمية ، دائما ما نجد حشو الدمى مبعثرًا في البيت وندور أياما لنبحث وسطهم عن الدمية الضحية وأخيرا وبعدما تكون شارفت على الموت نجد ثقبا صغيرا جدا في يد إحداها او رأسها او مؤخرتها ، أستطاعت طفلتي الطيبة أن تصنعه قبل ان تستخرج منه كل حشو الدمية الضحية .. غالبا ما يلملم محمد الحشو من هنا وهناك ثم يرمم الدمية ، بينما تقف طفلتي امامه كمجرم تدينه كل الحقائق ، لكن القانون في صفه لذا سيحكم بتبرئته وسيتكفل الاخير بالظهور في كل المحافل الإعلامية ليحدثنا عن الشرف والفضيلة وقصة كفاحه .

تتناول الصغيرة دميتها وتحتضنها ،وتربت ضهرها كان شيئا لم يكن ، قبل أن تعيد كرتها مع ضحية أخرى .

بينما انهض من فراشي ، أشعر بأني في مغطس  زجاجي كبير يغطيني الماء ، لا استطيع التنفس ، يملئوني الغضب والحزن ، كمن تعرض لخديعة لا يستطع تجاوزها

وأفكر في كل الساعات التي ملئني فيها الأمل في المستقبل ، وأفكر في صغيرتي وكيف سيبدو العالم المجنون عندما تصير شابة ، تريد ان تحلم وتحب وتعيش ! 

وأفكر في ذلك الحنين الذي هاجمني منذ يومين ، كان الوقت مبكرا جدا ، تتأخر الشمس هذه الأيام ، وتسرى في الروح لسعة الشتاء ، في المطبخ أتدفأ برائحة أبخرة الطعام الذي اعده للصغيرة التي ستذهب اليوم لحفل " عيد الطفولة بالحضانة " ابتسم بحنان شديد للفكرة ، صوت " الكاتل" يشبه وشيش الباجور ، رائحة المطبخ تشبه رائحة مطبخ أمي وجدتي .. في لحظات تجسدت أمي في عيني ، تذكرت عيد طفولة بعيد ، تذكرت حماسي وقلقي كان علينا أن ندرس حصتين قبل أن يجئ الساحر والأراجوز للمدرسة مع بداية الحصة الثالثة .. في زمني لم تكن هناك فقرة العرائس الكبيرة والدي جي .

ابتسم للذكرى ، وأتذكر يدي انا والأطفال متشابكة في صف كنت لم اتجاوز السابعة ، فرشوا لنا سجاد الإحتفالات ونصبوا الكراسي وجلسنا نشاهد العرض ، واختارني الساحر لأساهم في إحدى فقراته ، كنت ارتعش من الإثارة مع أن الموضوع كان بسيطا جدا كان يعد نقود ويعطيها لي في يدي ويطلب مني ان اضغط عليها جيدا ، ثم نعدها مرة أخرى فنجدها زادت الضعف .. لم أعرف وقتها ما هي الخدعة ولم اعرف حتى الآن ..

في تلك اللحظة أشعر أن إعيائي طوال عشر سنوات لفقد امي ، غضبي الدفين لأنها غادرت صغيرة دون ان ننهي سويا ما بدأناه ، ذلك الشعور الذي عذبني طوال سنوات .. يتلاشى الأن

 " يسر " تلك الصغيرة القصيرة التي يتأرجح قلبي بين ضلوعي في كل حركة لها على الأرض جاءت لتكمل معي الحكايات ، تلك القطعة التي جاءت من السماء لتسد رتق روحي وغربتها

.. هي التي فاجئتني بما تعرفه عن شفرات علاقتي بأمي ، ولعبتنا القديمة الأثيرة لقلبي والتي افتقدتها حتى تشقق القلب .

كنت أحب كل صباح أن أقف أمام أمي، أدور واتلكأ حتى لو تأخرت على محاضرتي الأولى ، لا أبرح مكاني أمامها حتى تبتسم لي وتقول " ايه الحلاوة دي .. بنتي أحلى بنت ف الدنيا "

أحيانا كنت أخترع أسبابًا لإيقاظها في الصباح فقط لتقول لي عبارات التدليل والمحبة تلك .

كل يوم ولسنوات أنتظر منها الحضن المفاجأة .. ذلك الذي تقرر فجأة وبلا سبب أن تمنحني إياه، ويكون غالبا خارج السياق .. كأن نجلس نشاهد مسلسلاً ما وفجأة تقطع هي اللقطة وتسألني

 " انتي كويسة؟ مبسوطة ؟ ثم تاخذني في حضنها " كان ذلك أكثر ما افتقدته .

لتجيء "يسر" التي لا تعرف أكثر من عشر كلمات تدورها كيفما يتفق لتعبر عما تريد .. تقف أمامي تربت على ملابسها وتنظر لي بشغف أعرفه وتقول لي " أوي أوي" أفهم منها أنها تريد أن أقول لها " إيه الحلاوة دي جميل أوي أوي "

تدور حولي طوال اليوم لأقولها لها ، وأنا أخبرها بها اكثر من عشرين مرة في اليوم كلما تذكرت وتركت ما في يدها لتقف امامي وتناديني ماما ، ثم تلمس ملابسها وتبتسم  وعيناها ممتلئة بلهفة وشغف اعرفهما جيدا ، قبل أن أخبرها بما تريد سماعه ، صغيرتي التي تقف امامي الآن مبتسمة وهي تقول لي " ماما .. أوي أوي "

 

فأنساق للعبة وابتسم وربما أنفض الخيبات والردم وأتدفأ بحضن الصغيرة حتى تجئ الشمس .

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:767. Generation time:17.125 sec. Memory consumption:290.98 mb