“كما يليق برجل قصير” وجوه هائمة وأحلام مقموعة

وشخوص الطويلة ليست نمطية، فلا تعتمد على نقطة بداية أو نهاية، أو تضاريس اجتماعية وتاريخية محددة وصارمة، بل من فرط تشظيها في المكان تبدو وكأنها ليست مهمومة بقضايا كبرى، بل ربما ليست مهمومة بقضايا من أي نوع، لكنها مع ذلك مسكونة بشرطها الانساني البسيط، أو بمعنى آخر مأزقها، تحاول الانفلات منه، أو التأقلم معه بوعي بدائي عفوي، أو تتركه ـ أحياناً ـ للمصادفة البحتة التي قد تنقلب الى النقيض والضد. إنها شخوص تريد أن تعيش لحظتها، بصرف النظر عن أي ألم محتمل في الغد.

وعلى ذلك تطالعنا القصة الأولى في المجموعة «مصابيح بعيدة» بهواجس غلام، يتأمل ظله الذي يقصر ويطول على فترات متباعدة من النهار، ويتمثل هذا في موازاة مع عشقه للنخلة، وتفوح روائح القرية بطقوسها وعاداتها في خطوط السرد المنداح على سننه. وتومض في القصة علاقة اعتباطية، سواء بين الغلام ومفردات واقعه، أو بينه وبين الشخوص الأخرى. وهذه العلاقة سمة لافتة على نحو خاص في القصص التي تتكىء على هاجس القرية، حيث يظل هناك حاجز ما بين الرغبة وتحققها، ولا تملك الذات إزاء هذا سوى طاقة الحلم، تنثر فيه فوضاها وأشواقها، ولو على سبيل التخيل. وهو ما يظهر في قصة «مائة غمزة بالعين اليسرى» حيث البطل ذو الساق العرجاء ينفس عن كبته، بتخيل مواعيد غرامية مع ثلة من فتيات ونساء، لكن رغبته تخذله حين يصطدم بالواقع، وبعمته العانس التي ترمز بدورها الى اليباس والعقم.. وفي قصة «تصويرة» مثلاً، يخذل الواقع رغبة حجازي وكاميرته الطينية، وحلمه في التقاط صور حقيقية لتلاميذ المدرسة ونسوة القرية. وفي قصة «مدار الجدي» تتعلق حياة «نعمات» وأشواقها لعودة فتاها بأهداب رغبة لذلك.. «تظل تنتظره في البلكونة، تمسك بيدها بقايا الوردة، تباغتها وهي تعد.. سيأتي.. لن يأتي». ومن خلال شظايا المونولوج المبثوث بذكاء في نسيج السرد تطالعنا صورة الفتى وهو يستعيد أيضاً بخيالاته صورة رغبة، تحاصره من كل الجهات وتكاد تخنقه، فيناجي نفسه في إهاب ضمير الأنا – المخاطب.. «صور عديدة تفاجئك على الحائط لرجال بأعمار متقاربة، ملامح متشابهة، إطارات مذهبة، بدون علامات سوداء، منزلقة على الإطار، وستكتشف أن هناك إطاراً فارغاً، وهي تخرج عليك مدهونة بالروب الأحمر مثل هند رستم في أفلام زمان».

ان الرغبة هنا ليست مجرد رمز على الفقد، أو الحرمان، أو الجوع، أو الكبت فحسب، وإنما هي بمثابة بحث عن وجود هارب، وزمن آخر، لا تطاله شوائب الذبول والانكسار، زمن يكمن في الرغبة ويتماهى معها، ففي داخل الرغبة نفسها تكمن امكانيات تحققه وتجسده بل وصيرورته، لذلك هي رغبة مفعمة بالحيوية والحركة، كما انها ليست مستحيلة، أو قرينة العدمية، بل تظل امكانية مفتوحة بعفوية على فوضى العالم والذات معاً، وأحياناً تتماهى مع الموت، ليس لأنه نقيض الحياة فحسب، وإنما لأنه ينطوي على سرها الأكبر، لذلك تتحول مواساة البطل الذي يهذي بالحمى ويشارف على الموت في قصة «كما يليق برجل قصير» التي وسمت المجموعة، تتحول الى رغبة في تحقق الموت نفسه، للفوز بمفتاح الصندوق، وكأن الرجل الميت أودع فيه كل أسرار الحياة.. ان الموت هنا ليس مجرد فعل عبثي، حتى وهو يعكس الوجه الآخر السلبي النقيض لجوهر الرغبة نفسها، انه نوع من الحلول، للخروج من المأزق، وامكانية، ربما تتحقق فيها رغبة الآخرين وحلمهم.

ويعتمد الطويلة في هذه القصة على شرائح مشهدية، تتعاقب على فعل الموت الذي يمثل زاوية رأسية، ورأس سهم لمنحنى درامي صاعد ومتوتر، مخفوق بمسحة طقسية، يتضافر فيها إيقاعا الداخل والخارج، حيث تختلط في سكرة الموت هواجس طفولة البطل وشبابه، يسردها بضمير الغائب الحاضر، وهو يتأمل أصدقاءه وأخواته، وهم يتحلقون حوله، متلهفين لوصيته الأخيرة. ويجدد الصراع في نهاية القصة نفسه بشكل سريالي، منقلباً الى الضد، ويتركنا الطويلة أمام عدة احتمالات لنهاية واحدة، أو بمعنى آخر لبداية لم تنته بعد، حيث.. «لا أحد يسأل عن المفتاح، لا أحد يأخذ عزاءه، تركوا النعش عند باب المقبرة، وهرولوا عائدين. في منتصف المسافة انكبوا على وجوههم، وعندما انتبهوا وجدوه يصعد المئذنة كعادته.. هذه المرة كان مرتدياً طاقية طويلة».

وفي القصص التي تراوح هاجس المدينة يخف إيقاع السرد ويتحلل كثيراً من كونه مجرد بنية، أو وعاء تتبلور فيه أبعاد وخيوط الصراع بشقيها المرئي والمتخيل. وربما يفسر ذلك أن الأنا الساردة لا تكترث كثيراً هنا بوعيها الضمني المسبق، والتي تلعب فيه الاستعارة دوراً أساسياً خاصة عند نكش صور الماضي وذكريات الطفولة، بينما في هذا الهاجس تواجه الأنا وعياً مفارقاً وصادماً ومراوغاً، يولد للتو، بأوجه وأقنعة متعددة، ولذلك تتحول الرغبة التي تشكل عصب الصراع في المجموعة من فعل إشباع غريزي محدد، الى حزمة من شظايا تومض في مرآة مهشمة، تكشف التناقضات المضمرة في طوايا الشخوص والأشياء والعناصر، وتبرز كذلك غواية الأسئلة، والمفارقات والرموز التهكمية، بدلالاتها السياسية والاجتماعية والعاطفية، وفي الوقت نفسه، ينتفي الصراع كفكرة وإطار، ويصبح هم القص لملمة الملامح والوجوه المتشظية، واخراجها من إطارها المهمش المهمل، لتكتسب حيوية خاصة، بل تبدو أكثر واقعية في نسيج القص نفسه.. ففي قصة «وردة الحب الصافي» تستعيد الأنا الساردة «الكاتب» وجوه أصدقائها، وفي حوار متقطع ساخر، تتجسد الرغبة في الحب كشيء هزلي، خاصة حين تتحول الحبيبة الهاربة الى أشباح حلم عصي عن الولادة، أو حلم مقموع بأوهام الذات نفسها. حينئذ لا تملك الأنا الساردة سوى تنويع شرائح مسروداتها بين الأصدقاء الثلاثة، إمعاناً في السخرية من الذات والحبيبة والواقع معاً، لتنتهي القصة بهذه المفارقة الكوميدية.. «حين انتهينا من جلستنا، أخرجنا محافظنا لدفع الحساب شركة كما اتفقنا. كان كل منا يداري صورتها التي تكاد تبرز من محفظته، وعيوننا تتطلع الى السلم الذي يهبط الى المقهى الواطىء» في إيماءة لافتة الى ابتذال الحب نفسه حين يصير شيئاً متدنياً تحكمه المنافع الذاتية الضيقة.

وفي قصص «يقف كزاوية شبه منفرجة» و«زجاج معشق» و«بن خفيف للسعادة» و«أطلس جديد لافريقيا» تطالعنا وجوه أخرى للرغبة، وتتوزع هذه الوجوه نفسياً وزمانياً بين دالين شديدي الحساسية. في الدال الأول تبدو الرغبة وكأنها فعل تحريض لاستثارة أشواق منسية وأحلام مقموعة، مثلما يحدث في قصة «زجاج معشق» وفي قصة «أطلس جديد لافريقيا» حيث المشهد يتحول كله الى فعل لاستثارة الرغبة، ويتقاطع مونولوج البطل مع هواجسه وخبراته العاطفية السابقة، ويحرضه هذا الفعل على استعارة نتف من وجوه أصدقائه وأشيائه الخاصة الحميمة، تتضافر في سياق السرد، وتضفي عليه مسحة من الفانتازيا الآسيانة.. أما في قصتي «يقف في زاوية شبه منفرجة» و«بن خفيف للسعادة» فيتحول دال الرغبة الى فعل تطهير. ففي القصة الأولى يتجسد مأزق البطل في كيفية الانسحاب من الحب نفسه، وصوره الشكلية التي تلاحقه هنا وهناك، وبعد ان تبخر الحب نفسه من نطاق الامكانية الى نطاق الاستحالة، لايملك البطل في نهاية القصة سوى طرح هذا السؤال الاعتباطي الساذج.. «هل من الممكن لبنت في سنة ثالثة كلية ان يزداد طولها قليلا».. وفي القصة الثانية نلاحظ انه على الرغم من ان الرغبة تملك طيلة الوقت امكانيات تحققها بين البطلين المحبين المخطوبين – كما تشي القصة – إلا انها تتحول في النهاية الى فعل استحالة وطاقة تدمير، حين يعلي طرف إرادته ونفوذه على حساب الآخر، وحتى لا ينفلت زمام العربة، وتصبح عربة طائشة تصطدم بما حولها بلا وعي، وربما تودي بحياة قائدها، لا يجد البطل خلاصاً سوى الانسحاب من الرغبة، وباسم الحب نفسه.

يبقى ملمح لافت في تكنيك الطويلة القصصي وهو مقدرته الفائقة على نفي الزمنية، كوعاء نمطي ومرجع تاريخي واجتماعي ثابت وجامد، يسيج حركة الشخوص ويحد من حركتها وفعاليتها الدرامية، مبتكراً منحنى زمانياً خاصاً، يتخلق من نسيج القص نفسه، وتنويعات السرد واللغة، واللعب بوعي القارىء من خلال منظور فني متشظٍ، لا يبحث عن جوهر الأشياء في وحدتها، وإنما فيما يتبقى منها من نتف وملامح وشظايا وربما يؤكد ذلك اتخاذ الطويلة المقهى كمكان أثير للكتابة يتيح فسحة أوسع وأعمق لتأمل التقاط هذه الملامح المتنوعة، أو على الأقل استثارة ظلالها في وعيه المسكون بهاجسي القرية والمدينة معاً.

 

عودة إلى الملف