كلمات تشعل الحرائق

السيد زرد

     “قبل أن أبحث معك أي أمر، يجب أن تحدد معاني كلماتك” .. هكذا قال الفيلسوف الفرنسي فولتير Voltaire، فكم من مآس وصراعات نتجت عن سوء الفهم، وافتقاد التحديد، والتباس التصورات. وفي تاريخ المجتمعات، شرقاً وغرباً، قديماً وحديثاً، آلاف الأمثلة التي تبرهن علي خطورة الكلمة، والقدر الهائل من الدماء التي سالت علي مذبح إساءة الفهم. فلا يكفي – كما يقول بعض البلاغيين – أن يعرف المرء ما ينبغي أن يُقال، بل يجب أن يقوله كما ينبغي.          

     إن الكلمات يمكن أن تشعل الحرائق، نعم .. بالمعني الحرفي والمباشر للعبارة، دون أي مبالغة أو تهويل أو مجاز.  

     عالم الاجتماع الأمريكي “لي وورف” Lee Whorf ، والذي كان يعمل في بداية حياته في شركة تأمين ضد الحريق، لاحظ أثناء عمله أن حرائق كثيرة اشتعلت بسبب كلمة. فحين يقرأ الناس كلمة “فارغ” مكتوبة علي صهاريج البترول، فإنهم يلقون بأعقاب السجائر حولها متناسين أن كلمة ” فارغ” لا تعني أن الأبخرة الباقية في الصهاريج لم تعد قابلة للاشتعال.

     واستنتج “وورف” من هذه الملاحظة أن الكلمات – في كثير من الحالات هي العلة في اشتعال الحرائق. وبتعميق فكرته توصل إلي ما بات يُعرف باسم “فرض وورف”، وجوهر هذا الفرض هو أن اللغة هي التي تجعل مجتمعاً ما يتصرف ويفكر بالطريقة التي يتصرف ويفكر بها. وأن كل مجتمع لا يري العالم إلا من خلال لغته، فاللغة تدعم التفكير وتساعد علي نموه، فمن يتكلمون لغات مختلفة لديهم إدراكات وتصورات مختلفة عن العالم.       

     وبغض النظر عن مدي صحة هذا الفرض علمياً، فإن كل الباحثين في علوم اللغة – تقريباً – متفقون علي أن اللغة هي واسطة الإنسان في تكوين مفهوم للعالم. إن النظرة الحديثة للغة تعتبر الكلمات مواقف، فقديماً كان يتم النظر إلي الكلمات بوصفها إشارات منفصلة عما تشير إليه، لكن الكلمات في الفكر اللغوي الحديث أصبحت تعد رموزاً وأدوات ذهنية للتفكير.   

بانادورا وبندورة  

     وبعيداً عن المقولات ذات الطابع الإنشائي التقليدي المتعلقة بالكلمة وأهميتها، فإن الكلمة ليست قادرة علي أن تشعل حريقاً فحسب، بل أن الخبرة الواقعية تؤكد علي أن مجرد اختلاف اللكنة في طريقة نطق “كلمة” ما يمكن أن يكون طريقاً سريعاً إلي الموت.   

     فالكاتب الفرنسي الشهير “جان جينيه” Jean Genet كتب مذكراته التي تُرجمت إلي اللغة العربية تحت عنوان: “أسير عاشق” عن الشهور التي أمضاها في ضيافة الفدائيين الفلسطينيين في “عجلون” بالمملكة الأردنية الهاشمية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، والجولات التي قام بها في فترات لاحقة في أقطار المغرب ولبنان وسوريا .. يحكي “جان جينيه” في مذكراته – عرضاً – عن الصراح المسلح في لبنان عام 1982، فيذكر أن مقاتلي حزب الكتائب اللبناني كانوا يستوقفون سائقي الشاحنات، وهم إما لبنانيون أو فلسطينيون، ويسأل الكتائبي – وهو شاهراً لسلاحه – السائق عما يحمل من بضاعه، وهي في كل الأحوال، في ذاك الوقت، لم تكن سوي “الطماطم”.  

     وعلي ضوء إجابة السائق يكون رد فعل الكتائبي المسلح إما رصاصة في الرأس أو سلاماً حاراً باليد.

     لو كانت إجابة سائق الشاحنة كلمة “بانادورا”، فهو لبناني يستحق التحية مع الأمنيات الطيبة. أما إن نطق الكلمة باللهجة الفلسطينية “بندورة”، فتلقائياً يلقي رصاصة ترديه قتيلاُ في الحال. فمجرد طريقة نطق كلمة ، مدّ حرف أو إضغامه، مجرد لكنة تنبئ عنها كلمة تكون حداً فاصلاً بين الحياة والموت.