فصل من رواية “هليوبوليس”

مي التلمساني

نزرع الريحان في شرفة منزلنا بالطابق الخامس. نرويه كل صباح مرة ونربت على عيدانه المتربة فتنتقل إلينا رائحته والتراب. المائدة المصنوعة من البامبو نحتار في وضعها كل فترة، بين الكرسي البامبو وسياج الشرفة أم عند الحائط بجوار الكرسي. نطلوها بالأبيض فتقاوم الشمس زمناً ثم بعد أسابيع قليلة تكون قشور الطلاء قد كشفت العيدان البنية الأصلية. الريحان نتسابق على سقايته كل صباح ويكون الدور على من ينتهي من ارتداء ملابسه قبل الآخرين. يتباطأ الصغير أحياناً وينتصر الكبير بالتناوب والاتفاق. رشاش الماء المعدني إعتراه الصدأ عند التقاء قاعدته بحيطانه، وحال لونه. رذاذ ماء قليل يبلغ الجذور، وكثير يستقر فوق العيدان، من باب اللهو. أرض الشرفة تراكم الماء والتراب والأوراق الجافة خلف أصص الريحان، لا ننظفها إلا عندما نتوقع زائراً. في ليل الصيف يتناول أبي عشاءه على المائدة البامبو ويستقبل زائره على الكرسي الخيزران شبيه كراسي المقاهي. نأتي به من الناحية المنسية في الشرفة، تلك التي تتكدس فيها مخلفات المنزل وبعض ألعابنا السرية. لا ننظفه من الأتربة، نتركه يشارك أبي الحديث ونذهب إلى شئوننا متلكئين، وربما يجلس الصغير عند باب الشرفة وينصت بلهفة إلى أطراف الحديث المحمل برائحة القهوة التركي. نزرع الريحان وننصت لوشوشات الزائرين ونستبق للسقاية ونخدش من حين لحين طلاء المائدة الأبيض ونلقي بالقشور في الهواء عند سياج الشرفة الحجري.

 

   في شرفة الطابق الرابع تقبع الجدة “شوكت”، لا هي داخل الشرفة ولا هي خارجها، فقط عند حدودها حيث تخترق أشعة الشمس البلاط والعظام المتعبة. تغفو عند باب الشرفة بين الثامنة والعاشرة صباحاً ويغفو عند قدميها قط عجوز مثلها. يضع القط قلادة من الجلد حول رقبته وتضع الجدة رباط رأس أسود ينسدل نصفه على ظهرها، تعقده بخط مائل على الجبين وتغطي به أذنيها كصور سيدات العشرينات الأنيقات اللاتي يقضين يوماً كاملاً عند “المصوراتي” ثم يعلقن صورتهن في إطار بني منقط بالأسود فوق مرآة التسريحة. الكرسي الأسيوطي تنفرد به الجدة وحدها. والأبناء – آباؤنا – يتحلقون حوله في أمسيات الشتاء الباردة على الأريكة البلدية وعند أطراف الفراش. “جنينة” تحتضن أصغر الأحفاد وتجلسه بين ساقيها على الكليم البني وتسقيه الشاي المحلي بالنعناع. الصباح المشمس من حق الجدة، والكرسي الأسيوطي ذو الكسوة الكريتون المزهرة بذراعيه المفلطحتين وظهره المستقيم. في الأعياد، يستند ذراعاها على ذراعي الكرسي في وضع التقبيل وتتدلى اليد اليمنى قليلاً. نميل عليها ونقبّلها بينما تقبض اليد اليسرى على العملات الفضية. الكبير ينال حظاً أوفر من المال، والطقس المخيف (كل سنة وانت طيبة يا ستو) ينتهي بابتسامة شركسية وقبلة مقتضبة على الخد وعشرة قروش في اليد. نجري لنشتري اللبان والبمب، محرمات السنة محللات الأعياد.

 

الشرفة لا يملؤها شذى الريحان. في أشهر الأزمة التي تلت وفاة الابن الأكبر في بلاد الغربة، إحتلتها أقفاص الدجاج البلدي. البيض لا يكاد يكمل قشرته السميكة المشربة بالحمرة حتى نكون قد أكلناه، والدجاج لا يعمر طويلاً فرائحته فضلاً عن صوته يزعجان الجدة، والزائرون يتوافدون كل أسبوع فنذبح دجاجتين وتدور رائحة التقلية في البيت. في الشتاء، الشرفة نظيفة والبلاط لامع. تكنسها “جنينة” كل يوم وتغلق الزجاج في وجه البرد والأتربة. تضع فيها الجدة شجرة فل لا تلبث أن تموت. الفل الأبيض المكتنز يميل بعيدانه النحيلة في كوب ماء صاف يستقر على الكومدينو بجوار الفراش، رائحته لها وحدها. نتسلل بين غفوة وغفوة لنأكل ورقة من أوراق الفل وتبقى رائحته المدوخة عالقة بأطراف أصابعنا. عند مدخل الشرفة، على الكرسي الأسيوطي القديم، بعد العاشرة صباحاً، تحتسي الجدة “شوكت” قهوتها التركية وتذيب في بقايا الفنجان قرص الأسبرين.

  

أريكة بلدية للعمة “آسيا” في شرفة الطابق الثالث، تتسع لتشملها وأبناءها وبعض الزائرين. إن شاءت الظروف يجلسون على كرسي بامبو جديد اشترته بعد وفاة “الأستاذ” لتحتل بانفرادها به مكانة الأب الغائب. ثم أصبحت تتنازل عنه من حين لآخر من أجل ضيف عزيز يندر أن يشرفها بالزيارة. صغاراً نمر تحت ساقي العمة حين تبسطهما فوق السياج الحجري القصير الذي يعلوه سور حديدي مزخرف. هي لعبتنا الوحيدة في الشرفة الباردة، حين تقرر “زوزو” أداء واجب الزيارة. نمر تحت الساقين من الناحية التي تجلس فيها “زوزو” إلى الناحية التي تستقر فيها الأريكة البلدية. تحت الساقين السمينتين المبسوطتين ممر معتم. الأريكة يغطيها قماش الكريتون الذي حال لونه وذَبُلَت أزهاره. نمد يدنا تحت الغطاء المنسدل فتقابلنا كرات الأتربة وخليط من الخيوط المتشابكة وفتلات الشعر الفضي. نجذبها سريعاً صائحين في وجه الولد الصغير كأننا لمسنا أطراف ملاءة الشبح البيضاء، ونقذفها في الهواء فتظل عالقة به فترة قبل أن تهوى بطيئاً في اتجاه الريح. ينصت الولد لحديث “زوزو” غير عابئ ويبحث حتماً عن فرصة عبث أكثر شيطانية من مجرد تصور العفاريت تحت الأريكة. فجأة تصرخ”زوزو” وتندفع إلى أطراف الشرفة البعيدة وتنهره. الولد تسلق السياج الحجري القصير واعتلى السور الحديدي المزخرف كأنما هو حصان يريد السيطرة عليه وحثه على الطيران. لا فاعل، ولا مفعول به، ولا حتى تفاعل بين الولد الشقي وحصانه المتخيل وبين كف “زوزو” التي تهبط على مؤخرته فيسقط أرضاً بحركة تمثيلية مستفزة. ابن العمة “آسيا” كان حتماً سيعالجه لو هوى في قفزة عنترية من شرفة الطابق الثالث. والعمة كانت حتماً ستضع له كيس بُن كاملاً على الجرح الذي كاد يشج جبينه قبل أن تصحبه “زوزو” إلى المستشفى القريب. وكان ممكن… وكان لازم… والولد يضحك فتكرهه العمة “آسيا” وتربت على ظهر الكبير “العاقل” وتنهرني بنظرة أو غمزة أو كلمة لأني أبتسم في ودعاة للولد الشقي، فضلاً عن أني أرتدي سروالاً مثل الصبيان.

 

   في شرفة بعيدة، بعد شارعين من البيت، تجلس العمـة “أمينة” التي لا نزورها إلا في المناسبات. هي تزور الجدة دائماً. ربما تجلس على الأريكة البلدية المواجهة للكرسي الأسيوطي في غرفة الجدة المشمسة. وربما تتنازل لها العمة “آسيا ” عن كرسي البامبو الوحيد في شرفتها وتقدم لها فنجان قهوة مضبوطة بينما تنفث “أمينة” دخان سيجارتها في هواء الطابق الثالث. لكنها حتماً لن تصعد إلى شرفتنا ولن تشم رائحة ريحاننا فبيتنا يمتلئ بالصغار الأشقياء في صباحات الصيف. شرفتها أكبر الشرفات جميعاً. وهي تقتني مجموعة كاملة من البامبو المطلي بالأخضر الزاهي. بين شرفتها وشرفة الجيران حائط قصير يعلوه حتى السقف عدد من مربعات الزجاج الملون. نسمع أحاديث زائري الجيران ويسمعون أحاديثنا. نقفز قفزات عالية فنلمح عبر الزجاج الملون رءوس الجيران وكراسيهم البامبو. العمة “أمينة” طيبة وحكيمة ولا تحب العبث بأثاث شرفتها. ثم أنها تزوجت رجلاً رياضياً يحبنا وأنجبت ثلاثة أبناء طيبين مثلها، فلماذا ترانا نرغب في العبث بأثاث شرفتها. تطل في الصباح الباكر على الميدان الذي يتراءى لها من بعيد. تدخن سيجارتها الأولى وتنفث دخانها في فتحات السور الحديدي القصير. يكون زوجها قد لف الميدان عدة لفات وعاد نشيطاً يطلب الإفطار. ثم هي في الصباح تتحدث هاتفياً مع الجدة “شوكت” وتدفع بالسماعة دفعاً إلى زوجها الذي انتهى من إفطاره في الشرفة واستعد للرحيل. “صباح الخير” على حماته بصوت مبحوح وقاطع، “سلام عليكم” على زوجته بصوت أكثر عذوبة وخفة، قبل أن يصفع ضلفة الباب الزجاجي الخارجي ويتوارى ظله عند انحناءة السلم. الأبناء تزوجوا مبكرين والزوج ما زال يخرج إلى “العمل” بعد المعاش، والشرفة فسيحة تحتاج للكنس كل يوم والسور المعدني يحتاج لطلاء أخضر. تفكر العمة “أمينة” ماذا تصنع اليوم على الغداء وتضع برنامجاً قاسياً للنهار لا تنفذ إلا نصفه، فسرعان ما تقرر قبل الثانية عشرة ظهراً أن ترتدي ملابسها وأن تصطحب خادمتها “حليمة ” والكلب الكانيش وتعبر شارعها إلى شارعنا.

 

   شرفتنا الآن بلا رياحين، تعلو سورها الحجري أعمدة الألوميتال والزجاج البني العاكس للشمس الذي يحتفظ بالحرارة في الغرف القبلية. الجدة “شوكت” التي ماتت منذ سنين تركت شرفتها ومقعدها الأسيوطي لصاحب البيت الذي باع المقعد وأصبح يؤجر الشرفة للطلبة النازحين من السودان. العمة “آسيا” ماتت مؤخراً وتركت الكرسي البامبو لزوجة أحد أبنائها والعفاريت تحت الأريكة لأحفادها. الكرسي البامبو المطلي باللون الأخضر الزيتوني يؤدي وظائف متعددة فضلاً عن استقبال الزائرين، فهو يصلح مائدة لطبق الغسيل المصنوع من البلاستيك أو قفصاً لحبس الديوك الرومية التي تربيها زوجة الإبن أو مسنداً لمنع الكليم المفرود على السور المزين بزخارف نباتيه من الطيران. عندما ماتت العمة “أمينة” بكيتها وجلست ساعتين مساء الخميس للعزاء على مقعدها المفضل في الشرفة التي كان المعزون يتوافدون عليها كلما ازدحم الصالون. وعندما غادرت الشرفة أخيرا كنت موقنة أني لن أعود إليها إلا في المناسبات، كما تعودنا دائماً.

 

هكذا، لم تبق لي في مصر الجديدة شرفة واحدة.

……………

*رواية هليوبوليس، دار شرقيات، 2000

عودة إلى الملف