فصل دون كلمات، رقم 2 (إيمائي/صامت لمُمَثِليْن فقط)

صاموئيل بيكيت، 1959

ترجمة: د. إقبال محمدعلي

توجيهات تسلط إضاءة قوية على عمق خشبة المسرح حيث يشتمل الديكور على مسطبة طويلة، ضيقة، غيرمرتفعة(أشبه ما تكون برصيف المشاة)….ما تبقى من الخشبة، يجب أن يكون مظلماً تماماً…. المشهد، جامد.

الممثّلان:A & B

ألف: بطيء الحركة، شارد الذهن على الدوام. يتصرف بطريقة، خرقاء مضحكة، عند لبسه أو خلعه الملابس.

باء: على العكس منه، نشيط، سريع الحركة و دقيق.

ملخص العمل:

الكيس(ألف) والكيس (باء) مطروحان على الرصيف الطويل، مسافة ياردتين عن الجناح الأيمن لخشبة المسرح.. المتفرج في الصالة، يجب أن يرى الكيس (ألف) على يمين الخشبة والكيس (باء) على يساره وبجانبه على الأرض، كومة من الملابس النظيفة المرتبة بعناية فوق بعضها: معطف، بناطيل في قمتها، جزمة و قبعة.

يمتد من جهة اليمين بوضع أفقي دقيق (مهماز)، برأس حديدي. يتوقف مسافة قدم واحدة من الكيس (ألف)، يتراجع. يتوقف ثم يندفع بسرعة إلى الأمام لينخس الكيس. سكون. لم يتحرك الكيس، يتراجع المهماز إلى الخلف أكثر من المرة السابقة. يتوقف. ينطلق ثانية، ينخس الكيس و يتراجع مسافة قدم . سكون. يتحرك الكيس. يخرج المهماز.

*يمد (ألف) رأسه زاحفاً بقميصه من داخل الكيس، يتوقف عن الحركة، يفكّر بقلق.. يصلي.. يُفكّر بقلق.. يقف على قدميه. يخرج علبة حبوب من جيب قميصه، يبتلع حبة.. يفكر بقلق.. يعيد علبة الحبوب إلى جيب قميصه. يفكر بقلق. يبدأ بلرتداء الملابس المكومة. يفكر بقلق. يخرج قطعة جزر من جيب معطفه.. يأخذ منها قضمة كبيرة، يمضغها ثم يبصقها بقرفٍ و يضع ما تبقى منها في جيب معطفه. يفكر بقلق. يرفع الكيسين و يحملهما على ظهره المحني، مترنحاً. ينزلهما عند منتصف المسافة المؤدية إلى الجناح الأيسر من الخشبة. يفكر بقلق. يخلع الملابس إلا قميصه ويتركها مبعثرة على الأرض. يفكر بقلق. يبتلع حبة أخرى. يفكر بقلق، يركع على ركبتيه، يصلي. يزحف بعدها داخل الكيس، دون حركة. أصبح كيس (ألف) الآن على يسار كيس (باء).

صمت

*يدخل المهماز في هذه المرة، على عتلة بعجلة صغيرة واحدة. يتوقف مسافة قدم من كيس (باء)…سكون.. يتراجع ثم يتوقف. ينطلق  بعدها بسرعة، ينكز الكيس و يتراجع مسافة قدم واحدة منه. سكون. يتحرك الكيس. يخرج المهماز.  

يزحف (باء) بقميصه خارجا من الكيس. يقف على قدميه. يخرج من جيب قميصه ساعة كبيرة، ينظر إلى الوقت.. يعيد الساعة إلى جيبه.. يقوم ببعض التمارين الرياضية، ينظر إلى الوقت.. يخرج فرشة أسنان من جيب قميصه ويبدأ بتفريش أسنانه بحدة. يرجع الفرشة إلى جيب قميصه. يحك فروة رأسه بحدة، يخرج المشط من جيب قميصه، يمسد شعره ثم يعيد المشط إلى مكانه. ينظر إلى الوقت، يرى كومة الملابس، يبدأ بلبسها..ينظر إلى الوقت، يخرج فرشة ملابس من جيب معطفه، يبدأ بتفريش ملابسه بحدة، يُفرش شعره بحدة، يعيد الفرشاة إلى مكانها.. يأخذ مرآة صغيرة  من جيب معطفه يتفحص مظهره، يعيد المرآة إلى مكانها.. يخرج قطعة جزر من جيب معطفه، يأخذ قضمة منها، يمضغها بتلذذ ثم يبتلعها.. يعيد ما تبقى من قطعة الجزر إلى مكانها. ينظر إلى الوقت، يخرج خارطة من جيب معطفه، يبدأ بتفحصها، يعيدها إلى مكانها. ينظر إلى الوقت، يخرج بوصلة من جيب معطفه، يتفحصها ثم يعيدها إلى مكانها. ينظر إلى الوقت. يحمل الكيسين من مكانهما على ظهره المحني، مترنحاً. ينزلهما على بُعد ياردتين من الجناح الأيسر للخشبة. ينظر إلى الساعة، يخلع ملابسه عدا القميص. يرتبها بعناية فوق بعضها. ينظر إلى الساعة ، يؤدي بعض التمارين الرياضية ، ينظر إلى الساعة، يحك فروة رأسه، يمشط شعره، يفرش أسنانه، ينظر إلى الوقت ينزع الساعة و يزحف داخل الكيس، دون حركة.

أصبح كيس (باء) يسار كيس( ألف)، أي كما كانا في بداية المشهد.

صمت

*يدخل المهماز بوضع أفقي مسنوداً على عتلة تحركها عجلتين صغيرتين و يتوقف على بعد قدم واحدة من كيس(ألف). سكون. يتراجع المهماز ثم يتوقف. ينطلق بعدها بقوة لينكز الكيس. يتراجع مسافة قدم عن الكيس، سكون.لم يتحركالكيس. يبتعد المهمازمسافة أطول. يتوقف. ينطلق بعدها بقوة، لينكز الكيس..يتراجع مسافة قَدَمٍ عنه. سكون. يتحرك الكيس…يختفي المهماز.

يخرج (ألف) زاحفاً، من الكيس. يقف على قدميه. يفكر بقلق. يصلي…  …    …  ….  …..  ….  ……

تغلق الستارة

……………………………………….

وجهة نَظَر:

*من الأساطير الخالدة في ذاكرتي: “ملحمة كَلكَامش” … حيث قطع الملك السومري، ماشياُ على قدميه، الآلاف مِن الأميال ليصل إلى جدنا الأكبر، أوتانابِشْتَمْ الساكن في جبال الأرز، باحثا عن “عشبة الخلود”..

آنذاك، همس جده في أذنه، بحكمته الخالدة: الخلود يا ولدي في العمل الصالح و أن تكون رحيما برعيتك. أصبحت أعماله الطيبة فيما بَعد، مقدمة لنشيد الأسطورة التي تغنى بها شعبه السومري:” هو الذى رأى كُلّ شيء فغني بذكره يا بلادي”.

*سبب خلود أعمال كتاب مسرح الأربعينات و الخمسينات التقدميين ذوي النظرة الإنسانية المتقدة، أنهم وجهوا كتاباتهم، لفضح ما خلفته الحروب من مواجع وندب وميراث مهين جائر متعسف من الجوع والفقر التي عانت منها شعوبهم. نظرتهم و فلسفتهم الواعية للحياة مكنتهم من ترجمة مشاعر غضبهم الداخلي التي انعكست جلية واضحة في رواياتهم، قصصهم، أشعارهم، رسوماتهم وأعمالهم المسرحية التي كتبوها ليحولوا الكلمة إلى أصواتٍ تطِنّ و تدوي في ذهن المتفرج وهو يشهد من خلال الفعل المسرحي مَنْ يعريه و يفضح ماضيه و حاضره ويطالبه بتغيير عقليته ونظرته للأمور.

*صاموئيل بيكيت في أعماله المسرحية القصيرة يبدو كالفيلسوف المتأني، المتبصر، الرافض حين يصدم المتفرج و يجبره على مواجهة الحقائق القاسية المريرة للوضع الأنساني و رفض بشاعة اِستلاب البشر و تجريدهم من المثل الإجتما/ أخلاقية، من أجل بناء عالم أفضل.