“فرق توقيت” قصص بكل الألوان..

 وفي ذات المجموعة، يصل القاص للتوحد مع موضوعه الفني أيضا، فعبد المجيد، عدا عن كونه كاتب، هو مخرج وسيناريست ومصور، ينعكس هذا التنوع على نصوص المجموعة، فالقاص المصري يقدم عدة تقنيات فنية وحيَل سردية، تجعل المجموعة تبدو كباقة من الألعاب المتنوعة، هذا التنوع ممتد على طول المجموعة بحيث تبدو أغلب القصص كتشكيلة فنية منتقاة بعناية، بينما تغزل تلك التشكيلة مجموعة نصوص أخرى مرتبطة بخيط دقيق، تصنع أجواء باهتة لما يشبه متتالية قصصية.

عبد المجيد الذي حصل على المركز الأول في جائزة ساويرس الثقافية بمجموعته “خدمات ما بعد البيع” يشتغل في نصوص مجموعته الأحدث على عدة تقنيات، ولايحرص كما الكلاسيكيين على منح القصة كل أبعادها وعناصرها الأكاديمية، فتبدو القصص مفتوحة من حيث التصنيف والقولبة، فثمة نصوص تبدوا كحوارات الـ “تشات” على الإنترنت، وثمة قصص أخرى تبدو كمبذرة رواية مضغوطة ومقطّعة بشكل فني، بينما يغازل القاص ببعض النصوص القصيرة فكرة “الأقصوصة” أي القصة شديدة القِصَر التي تتكون من عدة كلمات لا غير.

يعتمد عبد المجيد “الحوار” كبطل رئيس لمجموعته، ويشتغل عليه في جمل ذات طبيعة مكثفة وعمق واضح، ما  يصنع جماليات قصص مثل Chat 1 و Chat 2 و Chat3، بل وتبدو قصة مثل “المروحة” كقصة حوارية لا يتخللها أي مساحات للسرد، مايحيلنا للروسي تشيخوف وقصته الشهيرة “المغفلة”. إلى جانب اللعب بالحوار كتكنيك رئيس، يوظف القاص مستويات اللغة في خدمة نصوصه، فيراوح بين العامية والفصحى، الدارجة للحوار والفصحى للسرد، حتى أنه يلعب على هدم السلامة اللغوية، عندما يحين الحوار على لسان البائعة الصينية في قصة “Made in Egypt” معتمدا نصيحة البيروفي ماريو برجاس يوسا في كتابه “رسائل إلى روائي شاب” إذ يقول : ” يتوجب علينا أن نبدأ باستبعاد فكرة السلامة اللغوية، فليس مهما في شيء أن يكون الأسلوب سليما أو غير سليم، وإنما المهم أن يكون فعالا ومناسبا لمهمته: وهي نفخ وهم بحياة حقيقية في القصص التي يرويها”، ويبدو القاص هنا واعيا بهذه الأبعاد الخلافية، فلا يأبه للسلامة اللغوية ويوظف اللغة المترهلة على لسان الشخصية الصينية ليضخ وهما بالحياة فتبدو شخصيات القصة حقيقية وثلاثية الأبعاد.

وبالتوازي مع هذا الوعي بالحكي، يواصل عبد المجيد تنويعاته في التقنيات، فيحكي قصة جي & بي  بصيغة مستقبلية، ليضفي على أحداثها نوع من الرسوخ بالتحقق، ونزعة شعرية “ستعطيني قبلتها الأولى في المصعد ونحن عائدان من دار النشر التي تطبع كتبي، سأعطيها القبلة الثانية أمام باب سبعة في التلفزيون، ستقول لي ساعتها: يامجنون…” ص61. أيضا يتجلى وعي القاص بأدوات السرد في قصة Go to hell حيث ينقل الحكي إلى ضمير المخاطب، فالراوي يخاطب البطل في نص يحمل تأملات وجودية، ووجهات نظر فنية حول السينما، ما يضفي على القصة حميمية ويصبغها بلون مغاير.

بينما يختار في قصة “جزمة الباشا” اللعب على تقنية “الميتاليتراتورا” أو ما وراء السرد فيدخل الراوي والمؤلف في نقاشات ومناوشات حول إيقاع القصة الرتيب، ومفاجآت الحكي، وحتى اختيار النهاية، فالقصة التي تدور ببساطة حول سرقة حذاء الباشا من المسجد، قصة بسيطة ومكرورة في الواقع المحلي، إلا أن الألاعيب الفنية التي يلجأ لها القاص تضفي على الحكاية غواية تدفع القارئ لمواصلة الحكي.

أما في قصة “كامل العدد” يلجأ القاص لتقنيات التقطيع السينمائي، فالقصة التي تعرض جانبا كبيرا من حياة “عم سالم” منذ عمله في التفتيش على شبابيك بيع التذاكر بالسينمات وحتى موته، تحتفي بتقنيات الفلاش باك والاستباق، وترصد المشهد المؤثر ذا البعد الجمالي والشجني، ثم يتم قطع ذاك المشهد والقفز لآخر بطريقة سينمائية، ويبدو التوحد جليا بين تقنية الحكي في القصة التي تدور عن حياة رجل أفنى عمره في السينما، وبين التقنيات السردية السينمائية المتبعة في القصة، ما يمنح النص انسجاما داخليا وسلاسة في القراءة.

كذلك في مجموعة النصوص المسلسلة “تشات 1 و 2 و 3 ، يتجاوز المؤلف فكرة القصة بكل تعريفاتها الكلاسيكية، فالنصوص في أغلبها تبدو كتأملات طرفين مثقفين “شريف، ميتشيل” اللذان ينخرطان في حوارات حول الفن والفنانين والحضارات والعادات والحب والحياة، ويتبادلان طرحة مجموعة من الإسئلة الوجودية، ويأتي توظيف تقنيات جديدة (الإنترنت كفضاء للحكي) هنا كرافد إضافي يثري التنوع الذي حرص شريف عبد المجيد على تقديمه، لدرجة أن ثمة نصوص قصيرة للغاية معنونة بـ “ Offline message” نصوص قصيرة حاول منحها بعدا شعريا: “كن بخير يا صديقي، ولاتجعل الحنين يجرفك، مثلي” ص105

في المجمل، تنعكس تجربة شريف عبد المجيد الفنية على مجموعته الأحدث “فرق توقيت” فيراوح بين أساليب الحكي، بالتماهي مع التقنيات العديدة التي يلجأ لها في أعماله الفنية الأخرى، من تصوير، إلى إخراج، مرورا بكتابة السيناريو، لتبدو المجموعة القصصية في منقضاها كمجموعة كولاج عبر نوعية، لا يلضمها في عقد واحد سوى حرص الكاتب على التنويع والاشتغال على التقنيات المختلفة.