فتاة المصنع.. والمجتمع الذي يسحق وجوه الجميع
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn
أماني خليل منذ اللحظة الأولي  لفيلم "فتاة المصنع" للمخرج محمد خان لا يصعب ملاحظة أن العمل الفني البديع  يقع  بكل عناصره الفنية والإبداعية تحت سطوة أسطورة السندريلا الراحلة "سعاد حسني" ليس فقط من حيث الإهداء إلى روح الراحلة ابتداءً, إنما مروراً بأحداث الفيلم إلي شخصية البطلة الرئيسية وشكلها وظروف حياتها الاجتماعية والاقتصادية, والتي تتشابه إلى حد كبير مع صورة سعاد حسني وشخصيتها في  فيلمي "أميرة حبي أنا" و "خلي بالك من زوزو".

هل اضعف هذا الرضوخ للأسطورة التي لا يقاوم سحرها الفيلم أم قوّاه وزاده ثقلاً ورحابة. هذا ما تحاول السطور القادمة  الإجابة عليه..

الفيلم يعرض لقصة حب تقليدية  بين “هيام” الفتاة البسيطة والجميلة المفعمة بالحياة والرغبة في التحرر والحب ممتلئة بأحلام الزواج وارتداء الثوب الأبيض والفارس الوسيم الذي سينتشلها من وضعها الممل والبائس, ولا يخفي علينا  حتي  نفس الوزن المستخدم للاسمين, سعاد وهيام احلام عادية ومشروعة  لا تتضمن شبهة استغلال !._ وبين مهندس يعمل في  نفس المصنع الذي تعمل به!

 بداية يضعنا المخرج علي ابواب القصة العاطفية. و الازمة التي تخلقها الفوارق الاجتماعية والطبقية. تلك الفوارق التي يختار”خان” ان يحيلها الي فارق التعليم بين فتاة شبه اميه  تقيم في منطقة عشوائية مع امها ” سلوي خطاب” وزوج امها وبين شاب مهندس لا يبتعد  كثيرا  في  الطبقة الاجتماعية من حيث الوضع الاقتصادي.

 وهو ما تأكده زميلة “هيام”   في المصنع قائلة:” اومال يا اختي لو كانوا ساكنين في مصر الجديدة!” حين تصدم بنفور والدة  المهندس من  التقارب العاطفي بينهما. قصة حب قصيرة جدا  لا تكاد تنمو حتي تنطفئ سريعا, في البدايات الاولي  الحالمة تسير هيام في شوارع القاهرة  فتصدح في الخلفية سعاد حسني “بمبي.. بمبي.. الحياة بقي لونها بمبي“.

 تتوالي الاحداث ينفر الشاب  المهندس من “هيام” ويلفظها سريعا  محطما قلبها بعد قبلة سريعة وعابرة لا تعني له اي شيء علي الاطلاق اخذها في مطبخ بيته في غياب والدته, بينما تعني لها كل شيء, تعتبرها مفتاحا الي عالم جنتها.  وتواجه “هيام” المهندس في احد الكافيهات   ليخبرها انها يجب ان تبتعد عن طريقه,  وتخبره انها منحها قبلة, كأنها قبلة “الحياة” يزيد في طعنها في كرامتها وشرفها, فتخبره انها ندرت ان ترقص في زفافة, ثم تمر خارج المقهى مظاهرة  اعتقد في ظني انها اضعف مشاهد الفيلم  تمر المظاهرة هاتفة “عيش حرية, عدالة اجتماعية” وقالوا صوت المرأة, عورة وصوت المرأة هو الثورة“!

 لم يكن  الفيلم بحاجة الي هذه الاشارة الواضحة القوية علي  ازمة العلاقة المبتسرة والمبتورة بين  “هيام” والمهندس المتعلم,  في مشهد شديد المباشرة, حيث  العدالة الاجتماعية _علي الاقل بالمفهوم الاقتصادي والطبقي _ ليست السبب الاساسي لبتر  قصة الحب تلك, بل فوارق التعليم, وكأن المجتمع اختار  أن يقسم نفسها  افقيا   حسب المستوي التعليمي  مثلما  قسم  رأسيا بالوضع الاقتصادي. تهيم في شوارع المحروسة  لتظهر “سعاد”  في الخلفية مرة اخري لتغني شيكا بيكا” وكأن كل اغنية لسعاد   رسالة صالحة ان المعاناة   حية لا  تنتهي ولا تبرد نارها كجسد الفتاة “هيام” الغض ذو الواحد وعشرين ربيعا, وكان روحها تصاحب  روح كل بنت ولدت في الحارة البائسة .

 تبقي هيام في اخر سلالم المجتمع اجتماعيا وعلي هامشه  اقتصاديا تواجه جور المجتمع ويحسب للفيلم بشدة ان العسف علي البطلة  تمارسه عليها نساء  المصنع أي الزميلات والصاحبات, ونساء العائلة اي الجدة والعمات,   واخت المهندس وامه  في دائرة كبيرة بادئ ذي بدأ , ثم  تمارسه عليه دائرة اخري ذكورية متمثلة في زوج الام والأخوال _بدرجة ثانية_. الذين يسعون الي اجبار المهندس علي عقد قرانه علي الفتاة البريئة المتهمة في شرفها,  والتي لا تظهر  براءتها الا و هي علي مشارف الموت.

و تعاني “هيام” من تحطم حلمها وتلوك زميلاتها في سمعتها  متهمين إياها بعلاقة آثمة مع المهندس الشاب لتواجه “هيام” عسف المجتمع وجوره مرة اخري  بعد المرة الاولي التي لفظها فيها المهندس واسرته, تواجه  النظرات  والاقاويل الظالمة , تواجه الجدة المخيفة التي تستدرجها مع اخريات من نساء الاسرة   لتوقع عليها عقابا قاسيا يزلزل انوثة وكبرياء اي امرأة  بقص شعرها, في مشهد بديع ادته ياسمين رئيس بطلة الفيلم باقتدار حيث تسيطر الجدة علي رأسها بوضع مشط قدمها الثقيل علي  خدها كما  يطأ المجتمع وجوه كل نساؤه ويطحن كبريائهن  للسيطرة علي الجسد الذي  ربما يحاول التمرد علي قيوده واغلاله.

القصة الموازية الثانية  في الفيلم والتي لا تقل  ابداعا وألما, هي قصة الخالة المُطلّقة(الممثلة سلوي محمد) التي تربي ابنة وحيدة وتعاني الحرمان الجنسي والعوز والفقر والحاجة المادية ومن تحرش زميلها في  مكان العمل,  ونكتشف انها نعمل “خادمة” لتعيل ابنتها ماديا حيث ان الطليق لا ينفق عليها, تواجه الخاله ايضا عَسف وجور ابنتها المراهقة التي تشك في سلوكها  وتحاصرها بالاتهامات والظنون, حتي تنفجر الام لتخبرها بحقيقة عملها ومصدر رزقها وهو  العمل في خدمة المنازل لتهرب الابنة من الام في مشهد شديد النعومة والقسوة وبالغ الدلالة ايضا _علي  نوع اخر من القمع النسائي الذي تمارسه  المرأة علي بنات جنسها, وهنا تقمع المراهقة  الام  التي تواجه كل اصناف الحرمان!

التماس مع “خلي بالك من زوزو” انا ظهر جليا في مشهد النهاية حيث “هيام” ترقص في فرح المهندس  بفستان طويل  خالعه   ايشاربها لتظهر بشعر قصير  نتيجة لعملية العقاب التي تعرضت لها , ترقص هازئة من الحبيب الغادر قاسي القلب هازئة من اوجاعها من انكسارها من احباطها,  لنتذكر سعاد وهي ترقص بديلا عن نعيمة الماظية امها التي ادت الدور باقتدار الراحلة تحية كاريوكا, ترقص لزميلات المصنع  في رسالة ان الحياة  بكل قسوتها لا ينبغي ان تهزمكن ولا تكسر ارادتكن ,  ادت ياسمين المشهد ببراعة  تحسب لها بعد مشهد قص الشعر  وكأنها ارجأت  اظهار موهبتها  الي النصف الثاني من الفيلم , في النصف الاول   هي مجرد  رقم من ارقام فتيات المصنع, وتنفجر كتلة من المشاعر والاحاسيس في مشهد الكافيتيريا حيث قمة الحرفية.   في حركة والذقن المرتعشة, والصوت المتحدي المختنق والروح الحزينة!

 وحش التمثيل “سلوي خطاب”  المتعملق يوما بعد يوم “سلوي ادت دور الام  التي تتقلب بين  الخوف والحزن علي ابنتها وبين اللبؤة التي تحاول حمايتها من   انتقام عالم الرجال,  الصديقة مفاجئة الفيلم الفنانة ابتهال السريطي ادت دورا سرقت فيه الكاميرا لنري وجه جديد ومعبر وقوي دون افتعال وبفطرية شديدة ,  ستايليست الفيلم  اختارت الازياء بعناية بالغه    لتخدم سيناريو قوي ومحكم وشديد التماسك.

 فيلم من افضل من تشاهده علي الشاشة الفضية فيه  يطهر المجتمع ذاته “فقط” عبر أجساد نساؤه  وبختن احلامهن بعد اجسادهن, الفيلم ايضا لا يحمل خطابا ايدلوجيا عالي الصوت، عدا مشهد المظاهرة،ودون خطاب نسوي حقوقي زاعق يستسهل اتهام الذكور، بل يبدأ بدائرة القمع الاولي النسوية, و دون ابتزاز للعواطف, حيث السياق الطبيعي والحقيقي لحياة البطلة نموذجا ونساء الحي والمصنع  هي عينة لما تفعله الضغوط الاجتماعية والطبقية والثقافية علي النساء في هذا البلد  فتطأ وجوههن وتسحق كرامتهن!

 

خاص الكتابة