غَزْل الحكاية .. عندما صمتّت دنيا زاد

أميرة الوكيل

أنا لا أريدُ معرفة ما بداخلك بالتحديد ، أريدك أن تحكى .. فقط تحكى ..

عالم الإندهاشة الأول ..

عندما كنتُ صغيرة .. أتلمسُ الأشياء دون تفرقة.. سخناً و بارداً .. أتذوق الأشياء مراً وحلواً ، أرددُ الكلام .. العذب وغير الملائم ، أجرى . أقع . ثم أقف . أستندُ على أيادِ بجانبى قريبة ، لا أعرفها، ولكن ، اطمئن إليها .

فى عالم الإندهاشة الأول ..كل شئ يختلف . يكون الوحشُ داخل أحشائك نائماً ، ديناصوراً يرقد غافلاً ، لكن ثمة طفلا آخر ـ داخلك ـ يموت ، يذبلُ ، يختنقُ ، اللعنة عليك يا شيطانى النائم ، كم أنتَ لذيذ ! بذرت فىّ نفحات الأنوثة والنضج مبكراً.. نفحات ، جعلت حتى صديقتى ، القوية والجريئة ، تبكى بمجرد أن رأت بقعة حمراء أسفل مريلتها الكحلى.

حينها عَلمتُ أن طفلى لم يبق منه إلا شبحاً، إلا ضحكاته، صدى ضحكات، تاركاً شريطاً أحمر يدلنى عليه، شريط يأخذ فى التقلص، كلما تتبعته ، حتى صار خيطاً أحمر رفيعا، فى ظلام خانق، يزداد الضحك ويتماهى عالياً مع الصراخ .

دي مذكرات و كتبتها من ســنين /

 في نوتة زرقا لون بحور الحنيـــن /

 عترت فيها .. رميتها في المهمـــلات /

وقلت صحيح أما صحيح كلام مخبولين ..

هكذا تبدأ الحكاية ، لتعبر عن شيء ما ..

شهريار فى قصره ، يشعرُ بالغضبِ والمللِ معاً ، آخر الفتيات ، تزوجها هو وقتلها بنفسه ، هنا وقع وزير الملك شهريار ـ والد شهرزاد ودنيا زاد ـ فى مأزق ، الملك يريد ضحية آخرى، علمتْ شهرزاد بحيرة والدها، استفزها ذكورية شهريار، قررت تحديه، لكن الوزير حذر ابنته، و حكى لها، حكاية الثور والحمار، عندما وجدها مصممة على بالزواج من الملك، فهى الفتاة المتبقية الوحيدة .

 

تلك .. حكاية الحمار والثور ..

 

يُحكى ..

أن كان ثمة تاجرُعليمُ بلغاتِ الحيواناتِ والطيورِ، فى يوم ما ، سمع الثورَ ـ الذى يدور بالسواقى طيلة اليوم و يحرثها ـ يحسدُ الحمار الذى وجده مستريحاً خالى البال والجهد إلا من العمل القليل ، فتفضل الحمار ونصح الثور بتصنع المرض والإعياء، ممتنعاً عن الأكل، فلعب معهم التاجر لعبة هو الآخر.

عندما وجد الثور مريضاً فى اليوم التالى..أخذ بدلاً منه الحمار لمدة يومين بليلتهما، تبدل الحال من المحال، حتى أن الحمار ضجر وندم على نصحيته للثور، الذى صار مرفهاً، فقال الحمارللثور: أحسن لك أن تستعيد نشاطك أمام التاجر، فقد سمعت أنهم ينون ذبحك، لذا حينما لمح الثور فى اليوم التالى السواق من بعيد، برطع فى المكان بهمة ونشاط ، فضحك التاجر الذى تجاوز مائة وعشرين عاماً، إلا أن زوجته استثيرت من ضحكه وأصرت على معرفة السبب .

فجمع التاجر كافة أهل البلدة وأولاده وكذلك القاضي، مشيراً إلى أنه إذا باح بالسر سوف يموت، لكن زوجته لم تكترث ولم تتراجع عن مطلبها ، وقبل أن يتفوه التاجر بأى كلمة ، سمع الكلب يحكى الحكاية للديك ، ويوبخه على مزاجه الحسن وعدم اهتمامه، فى حين مالكهما سوف يموت بمجرد أن يروى حكاية الثور والحمار لزوجته .

ـ فقال الديك .. أنا لى عشرات الزوجات وأسيطر عليهن، وسيدنا له زوجه واحدة، لو كنتُ مكانه لأخذت عصا من التوت، وضربت به زوجتنا حتى تكف عن فعلتها ..

بعد نصيحة الديك قام التاجر وضرب زوجته فى الخزانة ، حتى تراجعت عن فعلتها ..

الغريب والمضحك أن الوزير حكى تلك الحكاية الخرافية ـ فقط ليقول لابنته شهرزاد أستطيع أن أحبسك وأضربك، لو تمسكتى برأيك واستمريتى فى عنادك ..

 

يبدو أنه جزء أصيل من المرآة .. العند .. وهو سر جمالها أيضاً ..

 

” حينما تفعل المرأة شيئاً تحس بيه عنيداً، مستعصياً، مجهداً، محفوفاً بالمخاطر، يجعلها تبذل قصارى جهدها وتغالب نفسها وتنجح، قد يكون شيئاً جميلاً وقد لا يكون، لكنها فعلته ، خلقت شيئاً ما، شخصاً ما، فنا، معركة، لحظة … صنعت حياتها .. كلاريسا بنكولا .

 

التاجر الكبير عجز عن الحل، فى حين وجده لدى كائن ضئيل ودون قصد، قالها الديك بخفة دم وبساطة، يمكن لهذا يقال على شخص ما ذكى وذو مكانة وسط الناس فى الأمثال والتعبيرات العشبية .. ديك البرابر .. كما يُلاحظ قدرته الشديدة على التخصيب، فهو لديه زوجات كثيرة .

أيمكن يكون هذا الديك ، هو شهريار ذاته ، زوجاته كثيرات ، ويقتلهن ، قهراً وسلطةً ، وشهرزاد ، أرادت أن تهزم نصيحة  الديك وصورته فى حكاية والدها، لذا أصرت وقررت الذهاب ، وطلبت من أختها/ دنيازاد  أنها سوف تترجى الملك أن يجعلها ترى أختها قبل موتها لتودعها ، لكن دنيازاد سوف تطلب من الملك ، أن تحكى شهرزاد لهما حكاية قبل ذبحها. وبالفعل كانت ..

 

الحكاية الأولى :

 

دنيازاد لم يكن لها دور بعد ذلك، لكن لها جزيل الشكر، لو لم تكن دنيا زاد موجودة، لكان تحول الأمر إلى سخرية، لما استطاعت شهرزاد أن تقنع شهريار بحكى حدوتة واحدة، وكان سوف لا يتردد فى ذبحها، و يجرها مسرور من طرحتها المدلاة على الأرض، وهى تصرخ مترجية الملك.

وقبل ذبحها واختفاء الليالى الألف الأسطورية ، كانت شهرزاد سوف تخطر ببالها سريعاً حكاية الثور والحمار الذى حكاها والدها ، وتسترجع لمّ حكاها من الأساس ، وما مناسبتها ، ثم تصل إلى أن التاجر هو الذى تعلم من الحدوتة ، وليس الحمار ولا الثور، وأن لولا الديك ونصحيته غير المقصودة ، لكان التاجر مات بعدما حكى حدوته .

على نفس النهج ، سوف تتخيل شهرزاد ـ والسيف على بعد سنتيمترات من رقبتها ـ أن لو كان هناك أختً أو شخصاً آخر فى الحياة، لكانت محتفظة بحياتها، و سردت حكاياتها الألف، ولو لم تكن هناك رانيا، لما كانت تلك الحكايات تسرد الآن.

 

وجود دنيا زاد

 

يقولون أن المتن الحكائى الفيبولا faboula هو.. مجموعة المواقف والأحداث فى تتابعها الزمنى .. أى المادة الأساسية للقصة story  فى مقابل الحبكة أو المبنى الحكائى .

يمكن إنى بدأت الكتابة بدون الإرتكاز على فكرة أساسية ، ربما هذا خطأً وضد قواعد الكتابة ، عن ماذا أتحدث؟ّ! يمكن أنا لا أستطيع الكتابة من أصله، يمكن لايكون دافع أو حافز هام لدخول اللعبة، لكنى فتاة وهى فتاة .. ونحب المغامرة واللعب .

لا تخشونها هى ـ فقط ـ فتاةُ ..لا تقولوا .. فتاة غريبة الأطوار كما فى الأفلام الأمريكية ـ لأنها وقعت فى غرام فتاة أخرى، لا تراها إلا نادراً، لا تعرف عنها الكثير، تلك الفتاة لا تغزل حكاية ميلودرامية ..

فتاتى بسيطة، لكنها ليست عادية، بعد تعرفى عليها بستة أشهر، سافرت بعيداً لمدة ما، لم نكن على علاقة وطيدة حينئذ، لكن يوم أن ركبت الطائرة صباحاً وجدت نفسي أبكى لبُعادها، على الرغم أنها فى الأساس بعيدة، ظنت هى مع الوقت إنى أبالغ لا أكثر.

ربما خطرت كلماتها وهى تقول لى .. أنا أحبك ( تضحك ) لا تخافى ، لست ليسبين .

 

كروان جريح مضروب شعاع م القمر /

سقط من السموات فؤاده انكســـــر /

جريت عليه قطه علشان تبلعــــه /

أتاريه خيال شعراء و مالهـــــوش أثر ..

 

تقول كلاريسا بنكولا فى كتابها ( نساء يركضن مع الذئاب ) ..” فى ليلة من الليالى ، هبط أحد الملائكة على أربعة أحبار، أيقظهم وحملهم إلى القبة السابعة من السماء السابعة ، هناك شاهدوا ِعجلة حزقيال المقدسة ، وعندما كاد الأحبار يقتربوا من الجنة .. فقد أول الأحبارعقله لهول ما رأى ، ما ليس له مثيل ، وهام يثرثر، وثانى الأحبار ، كان ساخراً ، وسخف من الأمر بوصفه مجرد حلم .. وثالثهم .. فقد إيمانه وانبهر، وأراد أن يجد تفسيراً للأمر .. وأما الرابع وكان شاعراً ، فسلم نفسه للتأمل ليكتب أشعارهَ وأغانيَه .

ربما أتذكر فى صغرى، إنى كنتُ أتخيلنى كبيرة الحجم ، حينها ، أشعرُ إنى أنظر للناس من فوق، من السماء ، بينما هم ينظرون إلى من أعلى لضآلة جسدى ، لكن يبدو إنى أمى خافت أن أطير يوماً، وأصل إلى السماء ولا أعود ، فوضعتنى فى حجرة على نفس طولى تماماً لمدة عشر سنوات، فخرجت منها بعد ذلك وأنا أنظر للناس من تحت، وأرمقهم بذات النظرات..لكن بحذر .

 

لا يهم ما رأوه الأحبار، الأهم هو تكنيك التواصل الروحى ، لحظة المعرفة كما تصفها كلاريسا.

 

ما يبقى فى الذهن من مادة اللغة العربية ـ التى لم أكن أحب أساتذتها ولا المادة ذاتها ـ شيئاً وحيداً، أنه يحكى فى أحد القصائد، أن شاعر ربما رأى شهباً يلمعُ فى السماءِ ، فأخذه الوحى الزائف ، وجرى خلفه حتى وجده سراباً ، وما أن مسك به، فسقط من فوق الجبل ، لا يهمنى دقة الحدوتة ، حتى لو سردتها خطأ ، و أضفت إليها تفاصيل مقحمة ، لكن هذا ما بقى فى الذهن ، مثل شهب الشاعر ، ولماذا لا يكون هذا الشاعر الساذج سحبته الشهب عالياً ولم يسقط كما قيل ، أو تحول هو الآخر إلى شهاب ، وطار ليغوي شاعراً اخر !

لأهون الوقت على ّ، أيام الدراسة وامتحاناتها السخيفة ، تصنعت حيلة صغيرة ، أخذ منديلاً من علبة والدتى دون علمها ، أنثر عليه المياه، وأتركه ينشف على مروحتنا الحمراء ، ولمّا يجف ويكون صالحاً للكتابة ، أكتبُ عليه شيئاً مميزاً يخصنى .. أكتبُ التاريخ الذى سوف أعود إليه يوماً، هو يوم انتهاء الامتحانات وبداية الأجازة، أضعُ المنديل مطوياً فى علبة سبوع صغير ذهبى ، لمولود لا أعرفه عادة..لكن غالباً بعد الإمتحانات ، تبدأ الإجازة وتنتهى هى الآخرى ، وأنسي المنديل ومكانه ، ومع كل سنة دراسية جديدة ، أبحثُ عن مولودِ حديثِ ، وعلبة جديدة !!

ما يعنينا ـ الآن ـ هو قول كلاريسا بنكولا .. ألا نفتتن كثيراً أو قليلاً ولا نسخر منه أيضاً .. لذا تنصح ـ كلاريسا ـ بالبحث عن لالوبا ـ التى هى أنثى الذئب / ذئبة كابيتولينيا ـ وهى أيضاً تصور امرأة عجوز تجمع العظام المعرضة للضياع وتحافظ عليها .

 

عجوز تجمع العظام ، وطفل يبحثُ عن كاميراته .

 

دخل الشتا وقفل البيبان ع البـــيوت /

وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت /

وحاجات كتير بتموت في ليل الشــتا /

 لكن حاجات أكتر بترفض تمــوت ..

 

” أن تكون عجوزاً بينما هى شابة ، وشابة عندما تكون عجوزاً ”

 

هو ـ أيضاً ـ يصفُ ذاك الطفل الذى تحدثت عنه ، لطفلى هذا مهارة وحيدة ، يحكى بعفوية ، أحاديث سخيفة وساذجة ، لكن بحرفة لا يتفوقُ عليها غيره ، ينتظرُعقلى ينعس قليلاً ، ويبدأ بالحكى لى ، أحياناً يقذفه طفلى المشاغبُ بـ  (النبلة والبلى) ، أيام وشهور وسنين ، ثم أعلم بوفاة الطفل ، تعفن بداخلى ، لكن ها أنت يا طفلى ، أحفر وأنتشلك من الأنقاض ، لا يظهر إلا وجهك متسخاً مبستماً وعين مفتوحة باتساع ، ماسكاً كاميرا صغيرة لعبة ، اشتراها لى أخى من زمن ، أذكرُ عندما سخر منى أخى قائلاً .. أنها سوف تعرضُ أفلام شارلى شابلن كلها وقتما تمطرُ الدنيا عسلاً ـ  أيضاً ـ طمأننى وقتما تحدث مشاجرة بين أمى وأبى ، أنظرى للكاميرا والتقطى صورهما سوف يصمتا فوراً ..

فى الكاميرا ، أجد كل المواقف والذكريات واللقطات ، كل ما مات وكل ما جميل ، حفظه الطفل بكاميرتى ، لكنى لم أجد أبداً سماء تقطرُ عسلاً ، ولم يكفُ والدى عن الشجار ..!!

 

بمعنى آخر.. استرجاع السمات التى ضاعت منك وتناثرث بقاياها .

 

تطمئنك كلاريسا .. ” لو فقدتِ شيئاً، اذهبى إلى لالوبا / المرآة الوحشية داخلك وتحدثى معها ، وإن كانت نصيحتها قاسية ، هى تحتفظ لك بالأشلاء الميتة خاصتك .. أنها سوف تعرف دائماً ، ما هو آت ، وإذا فقدت الطريق إلى تلك الموهبة ، فباستطاعتها استدراك الأمر ببعض المعالجات النفسية ” .

 

ولأن فى جمع العظام ، مهارة الإبداع ، التفكيك والتركيب .

 

للنساء ـ أيضاً ـ طريقتهن ، بسبب طبيعتهن الفطرية ، الغزل ، غزل الحكاية ، اللضم ، التجميع . لى خالة ـ مثلاً ـ تستمتع بجمع بقايا قماشات صغيرة ، من أقمشة جديدة ، وتصنع منها زياً جديداً ، أو تقوم بحياكة فساتين لعرائس بناتهن !!

أترغب الفتيات بالرقص بمفردهن أمام المرآة، هل يتحسسن مناطق حساسة فى أجسادهن !! لماذ تخفى بعضهن الدموع فى الظلام !! والآخريات لا تتحرجن أن تقول..أريد البكاء، فى حين يكتفى بعضهن بقول .. أنا تمام .. أنا قليلة التوتر فحسب!!

 

يلجأ بعضهن إلى التأمل .. يخضعون للعلاج النفسي ويفتحون الكوتشينه ويقرأون الفنجان ، وإلخ إلخ . لكن أين ذهبت لا لوبا ؟!

 

الرجوع للأصلية / البدائية / الفطرة.

المرأة العجوز داخل كل منا ، لديها قوة الحياة والموت معاً .

 

تنتظرُ الفتاة بالأوبرا صديقتها الأخرى ، المتأخرة دائماً ، تجلسُ فى ركن ، حيث لا يراها أحد من رجال الأمن المزعجين ، يسلى وقتها ، عامل النظافة ، تراقبه وهو مستمتع وحده ، ماسكاً بعصا لها سناً طويلة لاصطياد أوراق الملقاة على الأرض ، يجمعها راقصاً على موسيقى الجمال النائم لتشيكوفسكى، يقفز لأعلى وهو يلتقط قمامته، يظن نفسه نحلة وسط الأزهار الذابلة والأشجار الخريفية ، وهو يخطو بخفة وبثقة من لا يراه أحد .

 

تحبُ أن تتأمل فتاتها المتأخرة ، وهى تقبلُ عليها ، تراها تلف حولها وتبحثُ عنها ، بينما تقوم الأخرى من مجلسها ، وتقتربُ ، من مكان لا تتخيل وجودها فيه ، تحب دهشة الطفولة على شفتيها ، تتلذذ بأن تفاجئها ـ تعرفُ أنها ستبتسمْ ، تفرحها المفاجأتَ ، وسيولد للتو مئة جين فى خدودها ، مقابل الدمعة التى تقطرها يومياً فى الظلام وحيدة .

 

عيني رأت مولود علي كتف أمــه /

يصرخ تهنن فيه يصرخ تضــمه /

يصرخ تقول يا بني ما تنطق كـــــــلام /

ده اللي ما يتكلمش يكتر همــــه ..

 

إحدى الصديقتان ـ الآن ـ  تقف فى البرد ، بعصبية تطفئ نصف السيجارة بقدمها ، لتدفئ نفسها ، تنفخ بقوة فى المساحة الفارغة بين الشال الملفوف حول عنقها وبين ذقنها ، لمحت صديقتها الأخرى قادمة نحوها بلهف طفولى ، تحتضنها وترفعها لأعلى ، فى حين تظل هى ثابتة ، تكتفى  بابتسامة ، وهى تضع يدها فى البلطو ، راسمة حلقة غير مستقية ، فتشبك الأخرى يدها ، داخل هذه الحلقة الصغيرة ، بعد فترة حديث نسائى سريع وبارد ، ترفع يدها بقوة من هذه الدائرة ، وتدفعها جانباً ، وتنظر بعنف ، ثم فجأة ، تنتشل الشال حول عنق صديقتها بسرعة وتغمض به عينها وتفرد يدها وتجرى ضاحكة .

 

فى حين ظلت الأخرى واقفة والدموع فى عينها تسقط بنعومة ، لقد اشتاقت إليها حقاً ، بعد مسافة طويلة ركضتها مغمضة ، أزاحت الشال عن عينها ، نظرت حولها ، وأخذت عجلة وجدتها مركونة لصبى يحمل خبزاً ، ركبتها وطارت عائدة بسرعة شديدة ، فى اتجاه صديقتها الواقفة ، حتى كادت تقترب تصطدم بها ، فصرخت هى ضاحكة وسط دموعها .

 

نزلت الأخرى من العجلة وهى تبتسم ، متنفسة بصعوبة وهى تتنهد..

 

ـ نعم اصرخى متى شئت .. اصرخى بالله عليكِ ..

 

فى فيلم “Bicentennial Man   ” روبرت آلى أحب فتاة بشرية ، أراد أن يستطعم معنى المشاعر الإنسانية ،الحب ،المشاعر ، الألم ، الوجع ، أن يصدر ريحاً ، أن يتجشأ ، أن يشخر وقت نومه..

عندما تحول لإنسان وظل محتفظاً بخواصه العقلية الخالدة ، بينما تخبره حبيبته عن زواجها وهى تعرف أن هذا الآلى يحبها ، وجدته اكتفى قائلاً ، مبروك ، حظُ سعيدُ .. فقالت صارخة : إذا كنت تريد شيئاً حقاً ، لا تراعى الاخرين هكذا بسهولة .. من المهم ارتكاب أخطاءً ، ولا يهمك ، لا تكون مثالياً هكذا ، حتى تكتشف الحقيقة ، لابد من الخطأ والصواب ..

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

حيث يتماهى الذئب والفريسة

أغنية (انكمش) لكاميليا جبران .

 

” على الرغم أن البعض قد يفضل حقيقة أن تكونى مؤدبة وألا تقفزى على قطع الأثاث فى بهجة أو تتسلقى على أكتاف كل الناس للترحيب بهم لكن بالرغم من ذلك .. افعلى ، قد ينسحب البعض فى خوف أو اشمئزاز بعيداً عنك ، إلا أن من يحبك سوف يتعلق بهذه الهيئة الجديدة لك ويقدرها إذا كان يحبك أو كانت تحبك الحب الحقيقى ” .

 

تحكى الصديقة الأخرى ، أنها دوماً فى حلمها ، تصير نعامة ، تقتلع رأسها بقوة من الأرض المغروسة فيها ، تجرى فى الصحراء ، أسفل شمس دافئة ، تجف أطراف شعرها المبلل ، تتبخر قطرات العرق ، كل مرة ترفع رقبتها الطويلة عالياً ، إلى الشمس ، حتى تكاد ، شراينها تنفجر.

 

” تخيلى نفسك ذئبة..صدقى الآنا الغريزة الحيوانية داخلك..تفتح الباب لغرباتك وهواجسك دون حرج “

 

هى هكذا صديقتنا ، لا تتكلم كثيراً ، ولكن ما أن تنطق ، تتمنى ألا تصمت أبداً ، أتخيلها فراشة تقفز فى الهواء تقتنص الكلمات الطائرة حولها بخفة .

 تحكى لك عن الحلم ، وهى تمسك سجارة فى يدها تتصنع أنها تشربها ، هى لا تدخن ، لكن هذا يريحها ، هى تستحقها فى حالتها الميئوس منها .. لكنها تقرر إشعالها ..

 

ـ (تكح صديقتها بقوة..  ).. ايه دا يا بنتى دخانها فظيع ..

ـ (تنظر بابتسامة خبيثة، تختبئ وراء دموع بسيطة، ووسط صوت متحشرج مكتوم )..معلش يا نونة ..

ـ مش بتقولى غلط على صدرك .. مش دا اللى قالوا الدكتور!!

تأكد نظرة الابتسامة الخبيثة ثانية .. تأخذ نفسين عميقين ، ثم تطفأها على حافة الطفاية ..

ـ قومى بينا نروح على البحر.. فى المكان بتعنا .. يلا ..

 

كلما أطمعنا الروح على العظام التى نعثر عليها ، وكلما اهتزت قلوبنا فوق العظام التى اعتدنا أن نكونها فى الصغر ـ التى تعرفنا عليها فيما مضى ـ كلما زدنا صلابة وعناد  ـ عناد شهرزاد التى عاندت الطبيعة ومسيرتها وقوة شهريار الذى يقتل النساء ، نحن فقط فى مرحلة التحور .

 

هناك على البحر، لا تشعل صديقتنا سيجارة أخرى ، فقط تخرج ورقة مهترئة ، وتبدأ بالكتابة عليها ، بين الحين والأخر، فى صمت تام ، فى حين الأخرى تتبع حالة الصمت ، وهى تعبث بشنطة صديقتها ، مستمعين لأغانى كامليا جبران وعبد المطلب ..

 

بعد عدة سطور، تقتحم كوبليه كامليا جبران ( باحلم بدنيا يحبها ناسها / وتحب ناسها تشيلها فوق راسها / والحب ساسها وداب فى أنفاسها / والعيد ليلاتى يدق أجراسها / باحلم أطير وافرض جناحينى ) قائلة ..بخبث طفولى

 

ـ هه المسكين .. بعد ما يقرأ قصتى .. هيظن أنها عنه ..

 

تكمل قصتها وعلى عينها تدمع فى خلف ابتسامة ، ابتسامة انتقام ، من أى شئ ضايقها وجعلها حزينة ، جلعها تبكى يوماً . تكتب وسط دموع منهمرة .. وعين مبتسمة ..

 

باحلم يا دنيا بلاش تصحينى .

 

” نتخيل أننا مقيدات بالأغلال  ، لا نستطبع التواصل وفى الصحراء، لكن الصحراء للنساء أكبر بكيثر من مجرد مكان الألهام كما قال القدماء ، بعيداً عن الضجيج تظهر الروح فى هدوء ” .

 

نهاية القصة .. تقول كلاريسا لك..

” لا تكونى حمقاء ، ارجعى وقفى عند الزهرة الحمراء ، وامشى خط مستقيم إلى الأمام ، إلى هذا الـ ” الميل ” الأخير الصعب ، اذهبى واطرقى على الباب المفكك العتيق ، تسلقى إلى الكهف ، تسللى من خلال النافذة فى أحد الأحلام ، انخلى رمال الصحراء وانظرى ماذا تجدين ، أنه العمل الوحيد الذى ” يتعين ” عليك فعله ” .

 

هل تحتاجين إلى نصيحة فى التحليل النفسي ؟

اذهبى لتجمعى العظام .. 

 

أنا كنت شئ و صبحت شئ ثم شــئ /

شوف ربنا .. قادرعلي كل شـــئ /

هز الشجر شواشيه ووشوشني  /

قال: لابد ما يموت شئ عشان يحيا شئ ..

 

على الرمل ، تحب أن تغرس قدميها ببطء، تستشعر حبيبات الرمل الباردة ، تحتضن قدمها ، تحب أن تسد بيوت السرطاين بقدمها ، فتخرج واحدة منهم ، وتداعب قدمها ، فتضحك صديقتها

ـ   السرطان أحبك

ـ (تضحك بعينها الوزية الحزينة ) .. إلا تعلمين .. فأنا امرأة برج السرطان

ـ لعله ذكر إذا ..

 

” أن نتعلم فهم ما هو حولنا وما يتعلق بنا ، وما الذى ينبغى أن يعيش داخلنا ومالذى يتحتم عليه أن يموت … متى نسمح بالموت لما يجب أن يموت وبالحياة لما ينبغى أن يعيش ” .

 

بعد فترة صمت آخر .. تجمع الحَمَام أمامهما على الشط ، فى ابتسامة رمقت الفتاتان بعضهما من تحت لتحت ، وتسحبا ببطء اتجاه الشط ، ثم أسرعا فجأة بعنف ، مع صرخات ضاحكة ، فتطاير الحمام كله ، وانهمرت ضحكاتهما أكثر، رفعت إحداهما الشنطة عالياً وهى تدور، حتى تناثرت أشيائها .. مكياج ، أوراق صحية ، ملابس داخلية ، أوراق شجر جافة ، أكياس مناديل فارغة ، ولاعات ، و أغطية زجاجات مياه غازية ، فى حين الأخرى ، قطعت القصة مئات القطع ، وأمطرتها فوقهما لأعلى وظلا يدورا أسفل الورق المتطاير …

 

ـ للعلم ..هى فعلاً قصة  عنه …

عودة إلى الملف