على أطراف الأصابع.. بين وقت الفراغ ومعنى الحياة!

لا أعرف متى قرر ذكري أن يتفرغ، بالمعنى الحرفي للكلمة، للكتابة، ويعتزل العالم الخارجي، بكل إفرازاته الاجتماعية والسياسية وما يتعلق بقيود هذين المجالين، ويتحرر من ذلك الفضاء الذي عادة ما يصفه بأنه “جثة نتنة”، لكن على الأقل هكذا عرفته منذ التقيته لأول مرة في مطلع التسعينات، وحتى أتيحت لي زيارته في بيته الواقع في حي حلوان أخيرا في القاهرة قبل شهور قليلة.

لا يشارك مصطفى ذكري في أي طقس اجتماعي، لا أعراس، لا جنازات، لا واجبات اجتماعية عائلية على اي مستوى. لكنه في المقابل، يختار، ما قد يستجيب له مما يستدعي خروجه، بعناية، وبعد الكثير من التردد: حفل توقيع، حفل عيد ميلاد لصديقة أو صديق، سهرة مع أصدقاء في حانة أو منزل، ندوة من ندوات قد يجد فيها فرصة لرؤية أصدقاء، أو حتى قد يجد فيها ما يلفت الانتباه. وبين المناسبة والأخرى قد تمر شهور، لا يخرج خلالها ذكري من البيت.

هذه حياة لا أستطيع وصفها سوى بالصرامة، على الرغم مما قد توحي به من ترف. وهي تعبر، في عمقها، عن نوع من الرهبنة المبطنة، التي قد لا يبوح بها ذكري، للكتابة أو للفن على وجه الخصوص. الفن الذي يتعسف ذكري بالتأكيد على أنه لا يجب ان يتماس مع الاجتماعي أو السياسي على أي نحو. فكاتب مثل ذكري لا يبحث، ولا يرضى، سوى عن الفن النقي، المتخلص من شوائب عديدة يرى أنها علقت بالفن بالاستسهال، وبالتكرار والتقليد الأعمى، لذلك يسعى أيضا إلى “خلق” عبارات، وفقرات أصيلة، جديدة، تضاف لتراث الفن الإنساني في أكثر صوره نقاء.

في هذه العزلة، وفي مواجهة الزمن، في فضاء موهوب بالكامل للفن، تبدو حياة مصطفى ذكري مثل رائد الفضاء الذي يرتقي مركبته، يعيش بكامل طاقته وتركيزه لأجل الهدف الذي تمخر لأجله تلك المركبة طبقات الغلاف الجوي إلى عنان الفضاء، دون ان يلتفت كثيرا لذلك الكوكب الازرق البعيد النائي، وفي هذه الرحلة التي تخترق الزمن، بما يفوق القدرة البشرية على الحساب، يظل ذاك المسافر قابعا في عزلته، باحثا، في بعض الأحيان، عما يزجي به وقت فراغه أو يسليه، وهكذا يفعل مصطفى، ويعبر عنه بعبارته المكثفة التي افتتحتُ بها هذا المقال.

أظن ان أي قراءة لهذا الكتاب الذي يعطيه المؤلف عنوانا فرعيا هو “يوميات” قد تكون مبتسرة من دون استيعاب الطريقة التي اختارها ذكري لحياته، لأن اسلوب الحياة هذا هو الذي يفسر طبيعة هذا الكتاب، كنص مختلف، حول الكتابة والفن والذوق الأدبي، وحول الفلسفة والسرد والذاكرة، وايضا حول رصد لحظات الكتابة في دفقاتها الأولى التي تنبثق من اللاوعي، وتسلم المسألة برمتها للعقل واعيا. نعم أظن ان أسلوب حياة ذكري ضروريا هنا لفهم منطق هذا الكتاب الذي يضم، بين ما يضم، أحكام قيمة، وانتقادات لاذعة لنقاد وكتاب بطريقة راديكالية تقارب احكامه في الذوق الأدبي، مثل وصفه لإدوار الخراط بأنه كاتب متوسط، أو تشككه في ذوق نجيب محفوظ، مثلا في يوميتين من يوميات هذا الكتاب.

الفن للفن، وفقا لذكري، ليس مجرد مقولة، أو اختيار في اسلوب فني، أو مدرسة، بل هو نمط حياة كامل، وبالتالي لا يقبل ذكري الكثير من السائد في الفن والأدب، وربما لذلك ايضا سنجد ان الغالبية العظمى من استشهاداته في هذا الكتاب هي استشهادات تراعي ذوقه الخاص واغلبها لكتاب ومخرجي سينما غربيين : دوستويفسكي، كافكا، بورخيس، بروست، جويس، نيتشه، هيمنجواي، هسه، بيكيت، كاواباتا، ثم: الدومافار، جودار، تاركوفسكي، هيتشكوك، بيرتوليتشي، إستير، وسواهم كثر. لكنه لا يستشهد باسم كاتب أو مخرج سينما عربي، ربما لأنه لا يرى في النموذج العربي أي من ينطبق عليه ذلك النقاءالفني الذي يتوافق وذوقه، باستثناء إدوار الخراط، الذي كان انحاز له مسبقا قبل ان يكتشف مؤخرا أنه “خدع فيه”، وهذا تعبيره في حوار صحفي، إذ تبين بعد إعادة قراءة رامة والتنين والزمن الآخر ويقين العطش، أن تردد الراوي ميخائيل في الوصف الفيزيقي لنفسه، تردد لا يمكن ان يمر به سوى كاتب “متوسط القيمة”.لكن انحياز ذكري للنموذج الغربي، أدبا وفكرا وسينما، ليس انسحاقا أمام الحضارة الغربية التي تنتمي إليها تلك النماذج، إذ انه يعليها عن الواقع الذي انتجت فيه أيضا، بل ويقدم في واحدة من يومياته نقدا حادا وساخرا من الحضارة الغربية برمتها، وفي تواضع مستوى الأفلام العربية في معالجتها لنقد تلك الحضارة.

هذا النص، شأن كل النصوص التي انتجها ذكري، هو نص ذهني بامتياز، لكنه هنا، يتمتع بحرية أكبر في اختيار قطعة الكتابة التي يعكف على تقطيرها، ملتقطا فكرتها من فكرة شاردة بينما يقف في الحمام، أو مشهد سينمائي لهيتشكوك يجعله يعيد النظر في مشهد من “سايكو” يوصف بأنه أحد أهم مشاهد السينما، بينما يستعيد ذكري مشاهدته مرات، مكتشفا في كل مرة ما يعتوره من سلبيات لم يلتفت إليها احد من فرط “تقديس” المشهد أكاديميا، أو أن ينطلق من نقد صديق مهنة (مهنة الكتابة) كان يقوم بنقد كتابته (ذكري) مستخدما مقدمات طويلة ساخرة، لكنه لا يصل منها إلى شيء، فيرد له ذكري الصاع صاعين؛ بتحليل فكرة المقدمة وأهميتها في العمل الأدبي، وكيف أنها ليست من أسس الكتابة لدى “نجوم السماء في الكتابة” مثل كافكا وبروست وجويس، فيرتد السهم لصديق الكتابة بشظية فكرة مصطفى ذكري القائلة بأن مقدمات الصديق لم تكن سوى نسيجا مخاتلا للغيرة والمنافسة وكبت الآراء والهروب. أو ان يتأمل خصوصية اسلوب كافكا، البعيد عن الكلاسيكية، بالرغم من انتهاجه أسلوب الراوي العليم المحسوب على الكلاسيكية، موضحا الحلول التي تجاوز بها كافكا هذا المأزق متجاوزا ميلودرامية دوستويفسكي وشاعرية إدجار ألان بو، بوصفهما سلفيه (كافكا) الكبيرين، وغير ذلك من الملاحظات الأسلوبية، في السينما والكتابة، بشكل يكشف عن ثقافة رفيعة، وتمكُّن. بالإضافة إلى الاحتفاء، حد التمجيد، بالتفاصيل الدقيقة التي لا يلتفت لها إلا كل كاتب كبير.

في اليوميات سنجد أيضا احتفاء من ذكري بضعف الكاتب، أحيانا، حين يختار الحلول السهلة في لقطة تبدأ بفكرة تراود الكاتب في الحمام، وتغمره امتداداتها بمشترك “عنصرالمياه” فتلوح لذاكرته ثلاث روافد، منها البحر والمحيط وحمام السباحة فيستعيد ذهنه ذكرى عمله حارسا للسباحين في حمام سباحة من الغرق، مدركا لاحقا أنه اختار، في الكتابة، الاحتمال المأمون خوفا من غرق الأفكار في المحيط.

في نص يعتمد على الأفكار أكثر من التخييل، يبتعد ذكري كثيرا عن عالمه الأثير؛ عالم الأحلام، وهو العالم المناسب لكاتب يعيش في عزلته هذه، من جهة، وهي من جهة أخرى ربما تبرر تعلقه وإعجابه بالنص الكافكاوي، من جهة تالية ثم هي أيضا عناصر بإمكانها أن تتخلص كثيرا من ملوثات السياسة والاجتماع كما يرى ذكري، لكن هناك نصين يحاول فيهما الكتابة التخييلية متكأ على الأحلام، في ثلاثة مشاهد يحاول الربط بينها، بلا جدوى.

عالم الأحلام، في النهاية هو عالم قاصر، لأنه يعتمد أساسا على اللاوعي، وهذا الأخير أخرس، لا يمتلك لغة، سوى الصور التي يلتقطها من الشرق ومن الغرب، وجوها مألوفة، او مسوخا منسوخة من آلة التصوير اللاإرادي، بلا منطق. ويحاول العقل الواعي أن يمنطق الصور دون أن يدري انه يقع في دائرة مخاتلة ودهاء اللاوعي الذي يمارس ألعابا ومراوغات عدة لا يستطيع أن يدركها أو يستسيغها الوعي كثيرا. وهذا شأن محاولات ذكري العديدة في التعامل مع الأحلام، فهو يتعسف في محاولة للي الحلم في قالب الوعي وإيجاد روابط، بلا جدوى. حتى حين يستخدم واحدة من الأوراق الرابحة أحيانا في مواجهة لامنطق اللاوعي وهو الحدس، ومع ذلك فالحدس قد لا يعول عليه كثير في نص ذهني تجريدي مثل أغلب نصوص ذكري.

لكنه في مرات أخرى يتماهى في تخليق الأحلام مع اللاوعي فيختلق مشاهد بلا رابط بينها، ولعله سيكون من العبث محاولة الربط بينها لأنها لا تتكيء سوى على منطق اللاترابط.

لكن السمة الأساسية لنص ذكري، التخييلي، والذهني المجرد، كما شأن الكثير من نصوص هذا الكتاب أنه نص صاحب شخصية فريدة، تجعل له فرادة تذكرنا بنصوص البرتغالي فرناندو بيسُّوا، ليس من حيث الشعرية، وإنما من حيث القدرة والموهبة على التكثيف والتقطير لمعانٍ كبيرة وعميقة في فقرات قليلة، وبديلا لشعرية بيسوا فإن نص ذكري يتسم بنوع من التناقض، الذي لا يخلو من إنسانية، ممثلا في تداخل الإحساس الاستعراضي والمتعالي أحيانا مع النقيض ممثلا في انتقاداته الذاتية لخطأ اختياراته في نص من النصوص أو فكرة من الأفكار. وخلف كل الملاحظات الفنية، هناك لمسة عقل جميل في إخلاصه للفن وللتصور الجمالي، تتحقق من هدف جوهري في عمق كل تلك النصوص مفادها أن المتعة لا تحققها إلا الفلسفة، والفكر، اللذان يخرج منهما كل فن كبير.

وبالإضافة لكل ما سبق تتسم انتقادات مصطفى ذكري، حتى لو بلغت حكم القيمة، بنوع من الاستقامة، سواء في انتقاده لإدوار الخراط او علاء الأسواني، وسواهما من كتاب ونقاد رسم لهم صورا مارس فيها لونا من الانتقادية الحادة وقاسية التي تصل أحيانا حد السادية باعترافه، لكن لا تبدو أي منها محملة على أي حسابات من أي نوع، فهو خارج كل الحسابات.

تختلف أو تتفق مع ذكري ونصه، لكنه يظل نموذجا فريدا في الكتابة العربية المعاصرة، لم نعرف قبله إخلاصا للكتابة سوى نجيب محفوظ، مهما انتقد هو ذوق محفوظ، او اتهمه بالكلاسيكية، لأنه في النهاية، كصاحب مهنة مخلص، يقدر الكلاسيكية في معناها البنائي. ويظل ذكري كاتبا فريدا ايضا، من حيث تفرد شخصية النص الذي ينتجه، مهما تمنينا أن يقل انحيازه للتجريدي الذهني لصالح الوجداني والروحي.

سبق لمصطفى ذكري إصدار عدد من الكتب هي:تدريبات على جمل اعتراضية، هراء متاهة قوطية، لمسة من عالم غريب (جائزة الدولة التشجيعية 2003)، الخوف يأكل الروح، مرايا 202، الرسائل، بالإضافة إلى أنه كتب سيناريو لفيلمين بارزين في السينما المصرية هما “عفاريت الأسفلت” و”جنة الشياطين

ــــــــــــــــــــــ

نشرت في (النهار)اللبنانية في 30 سبتمبر2009

عودة إلى الملف