طلعت الشايب.. نَموذجٌ للمُترْجمِ المُبدعِ والواعي

عاطف محمد عبد المجيد

لمْ أشعرْ في حياتي بالتضاؤل إلا أمام هذا الرجل الذي يُطلقون عليه اسم طلعت الشايب..لا لشيء إلا لأنه اقترب من امتلاك الكمال الإنساني خُلقاً وفكراً وثقافة وترجمة وإبداعاً. نعم أشعر أمامه بالتضاؤل الذي لا يُقلل من شأني ولكن يُعلي من شأنه هو.وليس من قبيل المبالغة أن أقول إنه ليس مُتاحاً على الإطلاق أن تعثر طوال مشوارك الحياتي على شخصية أخرى عُجنتْ من الـﭼينات نفسها التي يمتلكها (الأستاذ) طلعت الشايب شخصاً وشخصية. وكلمة الأستاذ هنا ليست لقباً لأنه وبكل بساطة أعلى وأرقى من كل الألقاب التي تستحي أنْ تسبق اسمه لعدم جدارتها به وهي جميعاً ليست كفؤاً له.لكنني أستخدمها هنا لأدلل على أنه أستاذ بمعنى الكلمة في كل شيء.

إنه إنسان هادئ..دمث الخُلق..تفوح عطور الطيبة وروائحها من أنفاسه ونظراته وكلماته. وعلى الرغم من أنه كانت لديه الصلاحيات والمميزات التي تجعله (يشوف نفسه) بالمعنى الدارج كما يفعل آخرون ليس لديهم واحد من ألف مما لديه إلا أنه يرتدي زي التواضع الكريم لا التواضع المنكسر.إنه بوجهه المائل إلى الاحمرار كأولاد الإنجليز يقابلك بابتسامة نقية وصادقة..أي ليست مزيفة كما أنها ليست من وراء قلبه..ابتسامة كلها روعة وجمال.. حتى لتشعر رغم الفارق السنيّ بينكما أنكما صديقان حميمان حتى ولو كان ذلك هو أول لقاء يجمعكما معاً.

أيضاً حين تذهب إلى الأستاذ طلعت الشايب في مكتبه (كان ذلك يوم أن كان نائباً لمدير المركز القومي للترجمة ومن قبله المشروع القومي للترجمة)..حين تذهب إليه يقوم على الفور مُرحباً ومحيياً وهو يبتسم ناطقاً اسمك تسبقه كلمة أستاذ..ثم يجلس معك على الرغم من كَمِّ انشغالاته الكبير في العمل.وكذلك لا يُبدي تبرماً من زائر ولا يُشعره أنه لديه عمل عليه أن ينجزه وليس لديه وقت لغير ذلك..بل على العكس من ذلك يطلب منك مُلحَّاً أن تبقى في ضيافته مُغدقاً عليك من كرمه الحاتمي خلقاً وطيبة ومعاملة إنسانية لا نظير لها.

إنني أرى في الأستاذ طلعت الشايب مثالاً لما يجب أن يكون عليه المثقف الحقيقي(لا المثقف المزيف الذي ليس لديه من الثقافة سوى لقب فارغ من مضمونه)..وكذلك هو مثال للمبدع..إنه يعمل في صمت وبعيداً عن أي مهاترات لا جدوى منها أبداً.. ولهذا نراه قليل الظهور في المنتديات لأنه آثر ألا يُضيّع وقته هدراً في لقاءات لا تسمن ولا تغني من جوع..لقد اختار أن يقضي وقته ما بين مكان عمله وما بين صومعته / منزله..وهذه هي طبيعة المثقف الذي ينشغل بعمله وبإنجازه في صمت دون أن ينزلق إلى ساحات حروب كلامية أو مشاحنات ثقافية باطلة المعنى والمفعول.

حقاً لقد آثر الأستاذ طلعت الشايب أن يُفيد من كل لحظة يمر بها أو تمر هي به.. خاصةً وأن العمر مهما طالت سنواته فهو قصير.وبما أنه شخص عاقل وحكيم وكذلك ولأنه حقيقةً مثقف لا تنقصه الدراية والعقلانية فقد أعطى للزمن حقه وعمِل على أنْ يُفيد من كل لحظاته دون أنْ يُضيّعها هباءً منثوراً.

أما عن علاقة طلعت الشايب بالترجمة فهو يقوم بترجمة الكتب الإبداعية والكتب النقدية والأدبية عموماً وكذلك الكتب الإنسانية.والترجمة كما يراها الشايب ليست ترجمة حرفية وحسب بل إن الترجمة تذوق وهي كذلك إبداع موازٍ لعملية التأليف.وها هو يقول ما نصه:الترجمة مثلاً لابد أن تبدأ بهذا السؤال:ماذا أترجم..ومن أجل ماذا؟ أنا الذي أحدد ماذا نترجم من العالم.أترجم ما أحتاجه ولا أترجم ما يُملى عليّ للترويج لأفكار بعينها قد تتفق معي وقد لا تتفق..أو تصب في غير مصلحتي أو لخدمة أﭼندات أخرى.

وفي مقدمة حواره معه يكتب وائل لطفي عن طلعت الشايب فيقول:

على مدى سنوات طويلة صاغ المترجم الكبير (الأستاذ) طلعت الشايب مشروعاً فكرياً مهماً..قدم من خلاله نموذجاً للمترجم المبدع والواعي الذي يتفاعل مع ما يترجمه بوعي نقدي يجعل من الترجمة رسالة فكرية وثقافية أكثر منها عملاً تقنياً أو فنياً صِرْفاً.

ثم وعبْر ترجمة كتب أكثر من مهمة مثل:الحرب الثقافية الباردة..صِدام الحضارات.. والاستشراق الأمريكي وغيرها وضع طلعت الشايب المترجم والمبدع يده على مَواطن عديدة للوجع في علاقة الثقافة والسياسة بالهيمنة الأمريكية..ثم ضغوط العولمة على الفنون والآداب منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.