صفحة جديدة في سجل ذكري السردي

وثاني أمر يلفت الانتباه في الرواية هو تقنية إعادة تدوير المشاهد والمواقف من أعمال سابقة للكاتب نفسه، المعتمدة على طول سجل ذكري السردي، وعلى الرغم من ذلك فأنت حيال عمل لا توجد مرجعياته في عالم الأدب، وإنما في السينما؛ وكأننا بصدد فيلم يستعير ثيمات من عالم الأديب مصطفى ذكري. والمنطق الغامض وفوق الواقعي الذي يحكم المواقف لا يجد أصداءه في عالم كافكا كاتب ذكري الأثير كما هو متوقع في كتاب النقد الأدبي الميديوكر، وإنما في عالم المخرج الأمريكي ديفيد لينش ربما.

ذلك الرجل ذو الساق الخشبية والذي يعيش وسط عالم من عُدد النجارة والحدادة، لذكري ولع خاص بوصفها وتعداد أسمائها، قد رأيناه في لقطتين سابقتين بكتاب “مرآة 202″، وربما ظهر شبحه في أعمال أخرى، بنفس الحادثة الغريبة للساق الخشبية التي تخترق باباً يتوسط غرفتين متصلتين، ونفس الثلاجة الأفقية التجارية التي يحتفظ فيها بساقه المقطوعة مجمدةً. ربما في الأعمال السابقة كنّا نرى ذلك في فندق قديم من فنادق الاستشفاء بحلوان الحمامات. أما هنا فذلك الـ “سين” داخل فيلا تطل على شاطئ البحر مباشرةً. والأعرج هنا يتخذ اسماً: “سعد الدين عمران”. والثلاجة التي كانت هناك من النوع البدائي ذي ألواح الثلج، قد صارت هنا ديب فريزر كهربائي، به أطعمة ولحوم مجمدة، وعبّوات للأيس كريم، فضلاً عن الساق المقطوعة.

وسعد الدين عمران يذكرنا، بشكل ما، بقيادي يساري قديم من جيل الخمسينيات له موصفات جسدية شبيهة واسم مقارب؛ تماما كـ “قطة العدوي” مُحقق مجلدات ألف ليلة في طبعتها القاهرية القديمة، والذي يظهر باسمه الفريد في الرواية كمتّهم في قضية لا نفكُ شفراتها حتى النهاية، يدير أوراقها تنظيم غامض.تظهر تلك الرموز التاريخية، أو أشباحها هنا، مجردة من تاريخيتها، كنسخة كتاب منحول لجاليليو جاليلي شخصياً يتم تداولها بين أشخاص الرواية، أو كحادث اغتيال المفكر الماركسي اللبناني مهدي عامل، الذي يظهر معزولا من سياقه أيضاً في قصة قصيرة تعود لبدايات ذكري من مجموعته الأولى “تدريبات على الجملة الاعتراضية”.

عاش ذكري منحازاً لما يسمّيه بـأدب “البرج العاجي”: الكاتب المتوحد والمعزول عن محيطه، والكتابة مقطوعة الصلة بأية إشارات للخارج، بأي سياق تاريخي، ولو كان يتماس مع سياق السرد في نقاط شديدة المحدودية.حتى المكان كان قد اختصر عنده في ضاحية حلوان الحمامات المتحدرة صورتها من زمن فائت، وبرموزها المحلية: الحديقة اليابانية، وتماثيل بوذا الأربعون، ومستشفى الأمراض المستعصية، ومصحة بهمن، والمرصد الفلكي، وقهوة البرازيل، وموقف سيارات الأجرة.  وهو إن خرج من حلوان فنحن في مشهد داخل مقهى-مطعم في وسط المدينة، يكاد لا يتغيّر في أعماله. وهي جميعا، أي هذه الأماكن،  تبدو على خلفية ضبابية تعزلها عن العالم وتحيلها لديكورات في مشهد محض جمالي.

ولطالما طاب لذكري أن يستشهد على عظمة كاتب اليابان الكبير ياسوناري كاوباتا (1899-1972) بشحوب ظلال السياسة في أعماله، على الرغم من الأحداث الجسام وأهوال الحرب العالمية الثانية التي مرت على اليابان في عصره. وبعد كتابيه “على أطراف الأصابع” و”حطب معدة رأسي” المصنفين كـ “يوميات” يطالعنا ذكري بـ “إسود وردي”كمدّ لهذه اللاتاريخية على استقامتها.ولكن ذات صباح في بدايات 2011، يعلن ذكري على صفحته على الفيسبوك: “تسقط الكتابة وتحيا الثورة”. كان ذلك شعاراً رومانتيكيا للغاية سرعان ما ندم عليه مصطفى، وتراجع عنه في أول حديث صحفي له في جريدة أخبار الأدب حول الثورة، حيث عاود التأكيد على إنه ما كان ليتخلى عن نزعته الفردية من أجل أي حدث جماعي مهما كان حجمه.  وهو ما يتماشى مع تطوّر موقفه من الثورة الذي تحول إلى الرفض التام مع تقلبات مسارها الوعر. ولكن قد يكون لتلك العبارة الرومانتيكية نصيب من الصحة. فربما لم تعد الثورة تحيا في رأي ذكري، لكن قد يكون ما أسقطه هو الكتابة التي اعتمدها طوال ربع قرن من ممارسته للمهنة. هل سيكون هناك منحى جديد لكتابته؟ وهو الآن يكتب بانتظام مقطوعات من الهجاء السياسي بالاستناد لتحليلات فلاسفة ونقاد ثقافيين معاصرين ينطلق منها ليعضد وجهة نظره. لقد انتهت البطالة التاريخية والسياسية لذكري، ترى كيف سيكون كتابه القادم؟

عودة إلى الملف