عندما قابلت إبراهيم فرغلى لأول مرة
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

شعبان يوسف

عندما وقعت الواقعة فى 5 يونيو 1967، أصيب الجميع بوجوم وشعور بالانهيار والخيبة والإحباط والهزيمة الكاملة، وقبل أن تتمكن تلك المشاعر الجمعية من التغلغل فى وجدان قطاعات الشعب المصرى، كان جمال عبدالناصر الزعيم والمسئول الأول عما يجرى فى البلاد، يعلن استقالته وتنحيه عن القيادة فى 8 يونيو 1967، ليترك الدفة لرجل آخر، وهو زكريا محيى الدين، ربما يستطيع أن يفعل ما لم تفعله المجموعة التى قادت البلاد إلى تلك الكارثة.

وما إن أعلن ناصر تنحيه عن قيادة البلاد، حتى خرج الناس جميعاً ليعلنوا رفضهم لذلك، وتمسكهم بالقيادة، مهما كانت العواقب والنتائج، كان الخروج جماعياً وكاسحاً وحاسماً ويبدو تمرداً كذلك، ومهما اختلف باحثون ومراقبون ومتابعون كثيرون فى تفسير موقف الشعب المصرى، وهل هو انحياز أعمى للقيادة؟ أو هل هذا الخروج كان بدافع من السلطة ذاتها؟ إلا أن ذلك الخروج كان بمثابة الرفض الحاسم للهزيمة، والإصرار على تجاوزها، كما أن تلك الجماهير الغفيرة أرادت أن تختبر قدرتها على الحشد الواسع والعفوى أمام قرار يأتى من أعلى، بغض النظر عن طبيعة القرار وآثاره التى جاءت فى صالح الطرفين، السلطة التى استعادت قائدها، فى مواجهة قوى تناحرية كانت تقاوم عبد الناصر، وهكذا انتصر ناصر بتجديد البيعة عبر ذلك الخروج الحاشد، كذلك انتصرت الجماهير التى جرّبت التمرد لأول مرة منذ مصادرة ذلك التمرد بعد عام 1952، ومن ثم كانت هذه «البروفة» الحاسمة من التمرد، مقدمة قوية لأشكال أخرى أتت فيما بعد.

بعدها خرج الطلبة والعمال احتجاجاً على محاكمة قيادات الطيران، واستجابت السلطة لتلك الاحتجاجات، وتمت إعادة المحاكمة مرة أخرى، رغم أشكال المقاومة التى واجهت بها السلطة تلك الاحتجاجات، ولكننا نستطيع أن نشير ببساطة إلى ذلك الحراك الواسع والعميق الذى ظل سائداً وفاعلاً لفترة طويلة، حتى بعد رحيل جمال عبد الناصر نفسه رأس السلطة والقائد الأعلى، رغم الانتصارات التى حققتها القوات المسلحة المصرية على العدوّ الإسرائيلى فى حرب الاستنزاف المجيدة.

كانت الحياة الثقافية فى ذلك الوقت، تمر بمخاض آخر، وراح المثقفون الراديكاليون يؤسسون منابرهم الخاصة وشبه المستقلة، ليس استقلالاً تاماً، ولكنه نوع من الاستقلال الفكرى والمعبّر عن أشواق فكرية وثقافية تقدمية، فاجتمع عدد من هؤلاء المثقفين على مقهى ريش، وشرعوا فى عرض فكرة إنشاء مجلة ثقافية تعبّر عنهم، وتحمل أفكارهم، وبالفعل بدأوا فى جمع التبرعات، ودفع نجيب محفوظ خمسين جنيهاً من جيبه الخاص دعماً لتلك المجلة المأمولة، ومنح يوسف السباعى، ممثل السلطة، المجلة إعلاناً بمائة جنيه من منظمة التضامن الأفروآسيوى، ولا بد أن نذكر أن تلك المنظمة تعاونت كثيراً مع كتّاب ومثقفين، واعتبرتهم عاملين فيها، وذلك لكى تعطيهم ما يشبه الرواتب، ومن هنا كانت السلطة، رغم جبروتها، تستقطب بعض المثقفين والكتّاب بهذه الطريقة، بغض النظر عن أن هؤلاء المثقفين كانوا يسبّونها فى الصباح والمساء.

وصدر العدد الأول من مجلة «جاليرى» برئاسة تحرير أحمد مرسى، وضمّت هيئة التحرير إبراهيم منصور وإدوار الخراط، وسيد حجاب، وغالب هلسا، ود.يسرى خميس، وسكرتارية التحرير، إبراهيم عبد العاطى وسعد عبد الوهاب، وكان مدير التحرير جميل عطية إبراهيم، والذى ظل موجوداً وفاعلاً طوال صدور المجلة التى أغلقت فى فبراير 1971، بعد أن أحدثت حراكًا كبيرا ومتميزاً فى الحياة الثقافية والأدبية المصرية، واستكتبت كتّاباً ونقاداً كانوا على يسار السلطة الثقافية والسياسية طوال الوقت، بل كانوا مطاردين منها، وعلى رأسهم الناقد والمترجم والمفكر الأدبى ابراهيم فتحى.

وأود أن أقتبس بعض عبارات ذات دلالة من مقدمة العدد الأول، تلك المقدمة التى حملت ملامحها معظم المادة الأدبية والفكرية التى تلت ذلك، يقول أحمد مرسى فى مستهل المقدمة: «يعيش الوطن العربى هذه الأيام، تجربة مخاض عظيمة وأليمة، ذلك لأن النكسة العسكرية التى حلّت بأمتنا لم تكن نهاية فى حد ذاتها بل كانت الثمن الفادح للوقوف على الحقيقة عارية، وهذه هى الحقيقة، هى الأرض الصلدة التى نقف عليها بأقدامنا اليوم، فى انتظار لحظة الميلاد.. وبصدور العدد الأول من مجلة جاليرى 68 فى ظل الأحداث التاريخية والمصيرية التى تشهدها البلاد، لا يسع المجلة إلا أن تقطع على نفسها عهداً بأن يكون لها شرف وضع لبنة متواضعة فى صرح الوطن الاشتراكى الديمقراطى الحر الجديد..

وعلى الرغم من أن مجلة 68 ليست سياسية، فهى تؤمن بأنها لو نجحت فى الكشف عن حقيقة ما يختلج فى جوانح الكتّاب والشعراء والفنانين من أبناء جيل اليوم، تكون قد أوفت بالعهد الذى قطعته على نفسها ، بالمشاركة فى معركة التحرير والبناء..».

هكذا بدأت المجلة عهدها، ولا جدال بأن المقدمة جاءت ناعمة للغاية، ولم تشتبك ذلك الاشتباك الواضح والمعلن على المستوى السياسى، ولكننا لا بد أن نشير إلى أن المجلة بما حملته فيما بعد من مادة، كانت شجاعة بمقاييس ذلك الزمان، ولا نغفل أيضاً أن السلطة كانت تريد وتسعى لاستقطاب المثقفين، وتوفير منابر التعبير المحدودة، تحت عينها وبصرها.

من هنا جاءت فكرة مؤتمر للأدباء الشباب التى طرحها عدد من الكتَّاب، وعلى رأسهم الكاتب الصحفى والأديب محمد صدقى، والذى أسس صفحة خاصة فى جريدة الجمهورية لأدباء الأقاليم، وتلقفت السلطة الفكرة، وبدأ المسئولون فى الاتحاد الاشتراكى العربى يعملون على قدم وساق، للإعداد لذلك المؤتمر، وتحت رعاية وزير الداخلية «ذات نفسه» شعراوى جمعة، وكانت علاقته بالمثقفين وقضاياهم متداخلة وفاعلة فى تلك الفترة، وتم اقتراح اسم نجيب محفوظ كأمين عام لذلك المؤتمر، ولكنه بدملوماسيته التاريخية، انسحب، أو بمعنى أدق «خلع»، وهذا ما لم يستطع كثيرون أن يفعلوه.

انعقد المؤتمر فى مدينة الزقازيق من 4 إلى 8 ديسمبر 1969، وتشكلت لجانه على النحو التالى، الدكتور على الراعى أمين مساعد المؤتمر، والدكتور يوسف إدريس مقرراً للجنة القصة، وصلاح عبدالصبور مقرراً للجنة الشعر، وأحمد عباس صالح مقرراً للجنة النقد، وفاروق خورشيد مقرراً للجنة الرواية، وأحمد رشدى صالح مقرراً للأدب الشعبى والشعر العامى، والدكتور عبد الغفار مكاوى مقرراً للجنة الصياغة والأبحاث، وعباس أحمد مقرراً للجنة البرامج التلفزيونية، ويوسف حطاب مقرراً للجنة البرامج الإذاعية، وألفريد فرج مقرراً للجنة المسرح، ومن الملاحظ فى هذه اللجنة التحضيرية القوية، أنها لم تضم أحداً من الأدباء الشباب المنعقد من أجلهم المؤتمر، كذلك لم تضم واحداً من الأقاليم رغم أن المؤتمر انعقد فى مدينة الزقازيق، وهذا يدلّ على أن الدولة أرادت أن تهيمن على المؤتمر تماماً، ولكننا لا ننكر أفضال هذا المؤتمر، واختراقات الشباب التى تجلّت فيه، فعرفت الحياة الثقافية عدداً من الأدباء الشباب لم يكونوا معروفين على مستويات واسعة، منهم سمير الفيل من دمياط، وقاسم مسعد عليوة، ومحمد الخضرى عبد الحميد من المنيا، وغيرهم، وحصل كثيرون على جوائز المؤتمر، مما شكّل لهم دفعة قوية طوال مسيرتهم الأدبية.

وكتب صبرى حافظ مقالاً رصيناً فى مجلة «المجلة» بتاريخ 1 يناير 1970 امتدح فيه أمانة الاتحاد الاشتراكى على هذه المبادرة التى تربط بين الشباب والواقع السياسى الحاضر آنذاك، من خلال الاهتمام بنشاطاتهم، والتعرف على ملامح رؤيتهم للقضايا والمشكلات المثارة فى المجال الذى يهتمون به أو يعملون فيه، وأشاد بالإنجازات التى حققها المؤتمر، وتداعياته، إذ أن اللجنة التحضيرية تابعت الفعاليات الثقافية، وحققت ما يزيد عن سبعين فعالية فى جميع أقاليم مصر خلال شهر ديسمبر 1970، ما بين ندوات ومؤتمرات مصغرة، وناقش حافظ محاور المؤتمر التى رآها وافية ومهمة، كما أنه امتدح التوصيات التى خرج بها المؤتمر، وعلى رأسها قضايا التفرغ والنشر والترجمة، ومن المدهش أن يقول صبرى حافظ: «..ورأى كذلك، أى المؤتمر، ضرورة بذل جهد خاص لترجمة أدب العدو الإسرائيلى ونقده وتقييمه، تمكيناً لمحاربينا وجماهيرنا من التعرّف على وجدان العدو»! ورغم أن صبرى حافظ كان أحد المشاركين بشكل ما فى المؤتمر، وإعداد أ وراقه، فلم يذكر على مدى المقال كله، أن نجيب محفوظ انسحب من الأمانة العامة، وربما يكون ذلك نوعاً من تمجيد ذلك المؤتمر، فقد ترك بالفعل بصمات عميقة فى حركة الأدب فى الأقاليم.

أبرز المؤتمر كتّاباً ومبدعين عديدين، ولكنه لم يبرز حركة أدباء المحلة، والذين كانوا قد قطعوا شوطاً واضحاً ولامعاً فى النصف الثانى من عقد الستينيات، ويكتب الشاعر محمد فريد أبو سعدة فى «الصبى الذى كنت، سيرة ذاتية»: «..كان هذا مع عامى الأول فى المرحلة الثانوية، وفى العام الثانى تعرفت على المنسى قنديل وجار النبى الحلو، كانوا يكتبون القصص فكتبت قصصاً، وحاولوا هم أيضا كتابة الشعر! ثم تعرفنا على فصيل سبقنا إلى تكوين نادى الأدب فى عام 1965، سعيد الكفراوى وجابر عصفور ومحمد صالح ونصر حامد أبو زيد ورمضان جميل وبكر الحلو، كانت المناقشات أشبه بتدريبات عسكرية شاقة، لفصيل مهمته غزو العاصمة، وإعداده للتصرف الصحيح فى كل الظروف..».

إذن كانت هناك حركة موّارة فى المحلة الكبرى، وكان من أبرز ممثليها السعيد سلامة الكفراوى،  وهو نفسه الكاتب الكبير سعيد الكفراوى، ومحمد المنسى قنديل، وجار النبى الحلو، ومحمد صالح، ورمضان جميل، ومحمد الشطوى، وصالح الصياد، وأحمد عصر، وغيرهم، وكانت المحلة الكبرى فى ذلك الوقت مزاراً دائماً لأدباء القاهرة وغير أدباء القاهرة.

وكانت السلطة ممثلة فى وزير الداخلية شعراوى جمعة مهيمنة على المؤتمر، وحريصة على إخراجه بالطريقة التى ترضيها، وتخدم أغراضها السياسية، وفى الوقت نفسه تفسح مساحات أخرى للأدباء الشباب، وفق حسابات معينة، فى ذلك اليوم اجتمع، فى القاهرة، عدد من المثقفين الثوريين ليقرروا تأسيس منظمة سياسية تقود العمل الثورى فى مصر، وكان من أبرز قيادات تلك المنظمة الناقد والمفكر إبراهيم فتحى، وكذلك الناقد والشاعر، آنذاك، خليل سليمان كلفت، فهل لذلك دلالة، أم أنه كان حدثاً طارئاً؟

ولكن الذى يؤكد أن الأحداث ليست عشوائية تماماً، أن خليل كلفت نفسه، قام بزيارة المحلة الكبرى فى تلك الفترة، للتعرف على أدبائها الفاعلين والجادين، وكتب مقالاً تاريخياً عن تلك الزيارة، ونشره فى 17 ديسمبر 1969 بجريدة «المساء»، وهذا يدلّ على أن خطاً ثورياً قد نشأ فى مواجهة خط الاحتواء الذى كان يُدشّن له الاتحاد الاشتراكى العربى، وأكرر أن سعيد الكفراوى ومحمد المنسى قنديل وجار النبى الحلو، كانوا أبرز من أسماء أخرى كالدكتور جابر عصفور والدكتور نصر حامد أبو زيد، الذى كان يكتب شعراً بالعامية، وهذه المعلومة للرصد فقط لا غير، لأن د. جابر عصفور كان مشغولاً بحياته الأكاديمية والجامعية، والتى أتت بثمارها فيما بعد، مع مسيرته الفكرية والثقافية والأدبية لاحقاً.

تطرق خليل كلفت فى مقاله لمناقشة بعض قصص كتّاب القصة الثلاثة، الكفراوى وقنديل والحلو، والذين كانوا نجوماً على مستوى المحلة الكبرى، وهى المدينة التى كانت موطناً لآمال الثوريين، على اعتبار أنها المدينة التى ستنطلق منها الثورة الاشتراكية، لأنها تنطوى على أوسع وأكبر احتياطى للطبقة العاملة المصرية، وبالتالى لم تكن زيارة خليل كلفت «الماركسى»، والذى كان مشاركاً فى تأسيس المنظمة الثورية توّاً، زيارة اعتباطية أو عشوائية، وهو يقدّم دراسته بالحديث عن ضرورة الفن بشكل عام، ومن اللافت للنظر أن الإنتاج الفنى فى تلك المرحلة، تميز بالخصوبة والتقدم والرقى، كما أن تواشجاً ما قد حدث بين رقى الفن فى ذلك الوقت، وضرورة التعبير عن الواقع الاجتماعى: «وتشترك المحلة الكبرى مع باقى أنحاء مصر والعاصمة أيضاً فى أمور كثيرة أخرى، لعل من أهمها تفوق مستوى القصة القصيرة على الأنواع الأدبية الأخرى، وعلى الرغم من تنوع الاتجاهات الفكرية وتفاوتها فى الدرجة عند كتّاب القصة القصيرة فى المحلة، فإن مواهبهم الفنية الصادقة تقودهم فى غالب الأحيان إلى المنبع الأصيل للفن إلى الحياة الاجتماعية الرحبة، وربما كان من المزايا الإيجابية لأبناء تلك الأقاليم، أنهم قريبون إلى حياة القرى المحيطة بهم والتى تمتد جذورهم القريبة والبعيدة إليها، وهم قريبون إلى ذلك الوضع الإنسانى الذى تعيشه غالبية سكان بلادنا..».

وبعد أن استفاض كلفت فى الحديث عن سيادة فن القصة القصيرة وتميزه فى مدينة المحلة، تناول إبداعات محمد المنسى قنديل، وجار النبى الحلو والسعيد سلامة الكفراوى، ونفى عنهم كما كان شائعاً عند كتّاب آخرين، افتعال الكاتب توافقاً وهمياً مع الواقع، وهم، أى كتّاب المحلة، لا يعمدون إلى تجميل الواقع مطلقاً، بل إن صدقهم الفنى، كما يكتب خليل، يقودهم إلى تقديمه كما هو.

وبدأ كلفت قراءته لقصص كتّاب المحلة بالكفراوى قائلاً: «.. إن هذا الواقع الذى يقتل الأشواق الإنسانية، ويغترب فيه كل ما هو إنسانى، هو أيضاً موضوع القصاص السعيد سلامة الكفراوى، ويملك هذا القصاص عالماً قصصياً مليئاً بالخبرات الإنسانية المليئة الكثيفة، فرغبات شخوصه وأشواقهم تختنق فى هذا الواقع ولن تتحقق فيه، وشخصيات السعيد هى دائماً جريحة، وليست هذه الجروح لعنة ميتافيزيقية نفذت إلى مخ عظامهم، بل هى جروح واقعية إنسانية فاغرة»، ويستطرد كلفت فى تفكيك الخطاب القصصى عند سعيد الكفراوى، ويبدو أنه كان مفتوناً، أى خليل كلفت، بعالم سعيد الكفراوى، كما كان مفتوناً كذلك بزميليه محمد المنسى قنديل وجار النبى الحلو، وسجّل تلك الفتنة فى ذلك المقال الذى أراه مقالاً تاريخياً وتأريخيا فى الوقت ذاته، فى التنويه إلى ظاهرة كتّاب وأدباء المحلة، الذين لم يتركوا آثار إبداعاتهم حبيسة مدينتهم فقط، بل مدّوا بظلالهم إلى مدينة القاهرة، وبالتالى مصر كلها.

ولا بد_كذلك أن نرصد أن محمد المنسى قنديل، رغم أنه يصغر سعيد الكفراوى بعدة سنوات، كان سبّاقاً فى نشر قصصه، والفوز بجوائز عديدة، تلك الجوائز التى كان يقيمها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، فى حقبة الستينيات، وكان المجلس ينشر بين الحين والآخر القصص التى فازت على مدى سنوات، وفى الكتاب الذى تضمن القصص الفائزة بين 1966و1970، تم ذكر قصة «أغنية المشرحة الخالية»، وكانت هناك قصص لابراهيم عبد القوى عبد المجيد، وعبد الوهاب محمد حسن الأسوانى، وفاروق حسان السيد، ونهاد منير شريف، وغيرهم، وكان الكتّاب فى ذلك الوقت، مغرمين بإدراج أسمائهم على هذا النحو الثلاثى، وبعضهم تخلص من ثلاثية الاسم ومنهم إبراهيم عبد المجيد وعبد الوهاب الأسوانى وسعيد الكفراوى ونهاد شريف وفاروق حسان وغيرهم، ومنهم من حافظ على ثلاثية الاسم وأبرزهم محمد المنسى قنديل.

يحكى سعيد الكفراوى فى شهادة عن يحيى حقى، بأنه جاء إليه فى مقر مجلة «المجلة»، واستقبله استقبالاً حافلاً، رغم أن ريفيته كانت ظاهرة: «.. كنت أرتدى جلباباً بلدياً، وعلى رأسى طاقية من الصوف، وملامحى القروية تعكس قلة الخبرة، والخوف من المدينة، اندهش لما رآنى، ولمحت ظل ابتسامة على شفتيه»، ويسرد سعيد الكفراوى حواراً طريفاً وناعماً ولطيفاً بينه وبين رفيع المقام يحيى حقى: «وبعد أن فرغت نهضنا، وعند الباب شد على يدى، وأخذ منى القصة، وودعنى والابتسامة ما تزال مرسومة، وكلمات طيبة ترفل فى المكان، الغريب أننى عندما كنت أتصفح (المجلة) آخر الشهر، وجدت القصة منشورة، ومن هنا كانت البداية الأولى للمتاهة».

ويستكمل الكفراوى شهادته على أنه لم يقابل يحيى حقى إلا بعد ستة عشر عاماً، وأريد أن أفتح قوساً هنا، لأسجّل تاريخ نشر القصة الأولى للكفراوى فى مجلة «المجلة»، وهى قصة «الموت فى البدارى» بتاريخ 1 يوليو عام 1970، وبالإضافة إلى هذه القصة، كانت قصته «النبش فى التراب»، قد نشرت فى آخر عدد من «المجلة»، وهو العدد الصادر فى أكتوبر عام 1971، وكان رئيس التحرير آنذاك قد تغير، فقد مضى يحيى حقى، ليحلّ محله د.عبد القادر القط، وبعدها يصدر د.عبد القادر حاتم قراراً بإغلاق عدد كبير من المجلات، وعلى رأسها تلك المجلة.

كتب الكفراوى عدداً كبيراً من الشهادات والرؤى، ولم تشمل كتبه هذه الشهادات، منها شهادات عن لطيفة الزيات وإبراهيم أصلان وسليمان فياض ويوسف إدريس وعدلى رزق الله ومحمد عفيفى مطر ومحمد بنيس وغيرهم، وتتمتع كل هذه الشهادات بروح سعيد الكفراوى الحكاءة والدافئة والمتدفقة، ولكن هذا لا يمنع من أن الأسى يتخلل هذه الشهادات، خاصة شهادته عن يوسف إدريس التى نشرت فى العدد التذكارى من مجلة «أدب ونقد» فى ديسمبر 1987، يصرخ سعيد الكفراوى قائلاً: «أما أنا فأنتمى للحقبة المهزومة من يوليو، حقبة ضياع الآمال والأحلام، وهزيمة يونيو الفادحة، عشت الفترة الانفتاحية وسيطرة الطبقة الجديدة، التى سرقت الاشتراكية وأظهرتها فى البيان العمومى للجماهير على أنها ملازمة للفقر والتدنى والإلحاد، عشت فترة الحقبة النفطية والهجرة بحثاً عن لقمة العيش فى تجريدة جماعية كما فى الزمن العثمانلى، حقبة سيطرة السلفية بمالها وقيمتها وتخويف الواقع وتهديده».

يقول الكفراوى هذا فى مواجهة يوسف إدريس ورفاقه ومجايليه، الذين انتموا إلى عصور وحقب ومراحل باذخة، ومزدهرة، وكان يوسف إدريس ورفاقه يعيشون فى زمن الثورة «هو ابن مرحلة النضال الوطنى قبل ثورة يوليو 1952، ابن مرحلة أجيال الشباب من الطلّاب والمثقفين الذين خرجوا من فوق كوبرى عباس، ومن الشوارع التى لم تكن تفرغ من مظاهرة ضد السلطة كل يوم..».

ويستطرد سعيد منفعلاً فى شهادته عن يوسف إدريس، وهى شهادة عن سعيد نفسه، وليست لها علاقة بيوسف إدريس، وهذا طبعاً حقه، وقد كان يوسف إدريس ملاذاً لكثير من الأدباء الشباب فى ذلك الوقت، فهو الذى قدم بهاء طاهر فى قصته الأولى «المظاهرة» عام 1964، وكذلك قدّم يحيى الطاهر عبد الله فى قصته «محبوب الشمس» فى أغسطس عام 1965، وكان تقديم يوسف إدريس بمثابة جواز مرور ملكى إلى الحياة الثقافية المصرية، وكذلك العربية، ولذلك فيرصد الكفراوى اختلاف المناخين بينه وبين يوسف إدريس ويصرخ مرة أخرى: «.. من هنا حدث الخلاف المشروع بيننا وبين الكاتب الكبير، ومن ثم حدثت الفجوة فى الفهم وإنكاره لنا بإصرار يصل إلى الرفض والعناد.. أزعم أنه لم يقرأ مجموعتى (مدينة الموت الجميل) برغم أننى أعطيتها له شخصيا»!

وتأتى شهادة الكفراوى عن إدريس، وعن نفسه، وعن جيله، مفعمة بالمعانى التى تكاد تكون متقابلة، فهى تصل إلى حدود الهجاء، ولكن الحوار الذى حدث بين الكفراوى وبين محمد عفيفى مطر، باح بما تحمله روح الكفراوى تجاه يوسف إدريس: «الرجل مشحون بالتناقضات، يحرّض ويستسلم، توقف عن الإبداع بعد (بيت من لحم)…. ويهاجم الكتابة الجديدة بلا هوادة، وبمقت ليس هناك ما يبرره»، وكان ردّ عفيفى مطر مكثفا وبسيطاً: «مغفور له كل خطاياه ، لأنه فى الأول والآخر: يوسف إدريس».

أطال الله عمر كاتبنا الكبير سعيد الكفراوى، ومنحه نعمة الصحة والإبداع والخيال الذى يفوق أى واقع.

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:766. Generation time:19.620 sec. Memory consumption:291.37 mb