موقع الكتابة الثقافي
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

مما لا شك فيه أن المطلع على قصائد "ضمديني أيتها المقامات" باكورة أعمال الشاعر المغربي مصطفى بلوافي تلفت نظره سمة التداعي التي تتخلل جل نصوصه الشعرية، وتسهم بقدر كبير في بناء صورها الفنية. وشعرية التداعي تحضر بمستويات متنوعة، وتؤدي دورا فعالا في تشكيل متخيل القصيدة، وتأثيث معانيها، وقدح شرارة دلالاتها، كما سنتبين من خلال هذه القراءة.  





ونقصد بشعرية التداعي استعمال إمكانية توليد الصور الفنية، ومعاني القصيدة، وظلال الدلالات بأبعادها المباشرة أو الرمزية انطلاقا من تصادي أجواء وعوالم تخييلية في النص الواحد أو مجموعة نصوص، أو عن طريق تكرار سياقات دلالية في شكل مفردات، أو مترادفات بما يخدم شعرية النص المفرد أو عدد من النصوص التي تجمعها موضوعة محددة، وهذا ما ينمي الصور الفنية في النصوص بغية تحقيق مقاصد الشاعر ومراميه. ونتبين هذا المنحى الفني في النصوص التي اشتغلت انطلاقا من تيمة واحدة تتكرر في عناوين القصائد التي يشملها عنوان واحد، كما نرى في: مرايا لكل الأطياف، إنكانيات، حواس، عشر دوائر لشرنقة الحياة، ضمديني أيتها المقامات. كما نتمثل ذلك في نصوص أخرى اتخذت من بعض الأسماء الشعرية منطلقا لبناء متخيلها، أو اشتغلت بالأمكنة لتشكيل عوالمها الشعرية، ونذكر هنا مجموعة نصوص حملت عنوان: للتاريخ مجد الشعراء، وأخرى حملت عنوان: معابر إلى الذات.

في قصيدة ” دائرة الساعة” من مجموعة نصوص حملت عنوان “عشر دوائر لشرنقة الحياة” يقول الشاعر:

“في غير موعدها

دقت الساعة طبول المطر

إيذانا بهطول الخطر

ففي كل عام –تقول الإذاعة”

الجفافُ ينهمر

التراب يحتضر

في غير موعدها

يُكسر العقرب

تدورُ نصف دورة

تتوقف على يد تلهث

على رغيف بائت

على حجر نائم

تُفتَّت

في موعدها يلتئم العقرب

دامت لكم الأفراح والمسرات

وكل ساعة وأنتم دوائر

مختلفون

تنتظرون

في موعدها يُنشر الخبر

الساعة هي الساعة

آتية –لا محالة-

آتية

آتيةْ” (ص.56/57)

          بهذه الكيفية يشكل الشاعر من لفظة الدائرة أفقا دلاليا وبناء فنيا لتشكيل عوالمه الشعرية، بحيث تتصادى دائرة الساعة مع الدوائر التسع الأخرى التي تكون شرنقة الحياة، بما تعنيه هذه الشرنقة من صراع وتدافع وإصرار على البقاء ومواصلة الحياة، وبما تحمله الساعة من دلالات الزمن المتصل بالاستمرار والبقاء على الرغم من أن النهاية، نهاية كل كائن آتية آتية. وهكذا نجد الصور الشعرية في هذا النص تتصادى مع صور النصوص الأخرى المشكلة لقصيدة/نصوص “عشر دوائر لشرنقة الحياة”. ويكمن هذا التصادي في تركيز الشاعر على تصوير مكابدة الإنسان ومعاناته اليومية، وإذهابه زهرة عمره في تعب وضنك من أجل الكسب والحفاظ على الاستمرار، ومن هنا نجده يكرر هذا السؤال الاستنكاري، الذي يحمل سمت الرفض والاحتجاج على خلل الوجود واضطراب الحياة، بشكل صريح في نص “دائرة الصفر”:

“لماذا التعبُ؟

ما دام العمر

دائرة الصفر

-الذي لا.. لا.. لا أستحقه-

يُفضي.. إلى بوابة السجن

إلى شتيمة الدهر

لماذا التعب؟

يا كثرة الدوائر..”(ص.82)

وهكذا تصبح الدائرة بؤرة انبثاق المعاني، وبناء الصور الشعرية، واستدعاء الدلالات المتنوعة أو المختلفة. وتصبح الدائرة أصفارا غير مستحقة يحملها الإنسان، وتجعله يعيش في سجن دائم وتعب لا يُحد، ثم تتبعه شتيمة الدهر التي تختم ساعته الآتية الآتية. وبهذه النبرة الآسية يوقع الشاعر شعرية تداعيه، ويشكل بلاغة صوره الشعرية.

وفي قصيدته عن مرتيل من مجموعة نصوص حملت اسم “معابر إلى الذات” يقول مصطفى بلوافي:

“مرتيل

جسر لكل الخطوات

حلم لتحقيق الاستعارات

وصل طوباوي إلى الذات

أتريث قليلا لأفتح باب السماء

على وجه سيدة

أتقنت لعبة الإقصاءِ

تقدم قليلا

إلى الوراء

لأقيس حجم التفكير

العين

والكلمات

لك الآن

أن تروي

أن تنتشر

أو تندثر

لك الآن

لك الآن أن تتوسد ريشا

نهدا

أو حجرا

أن تكتب عن الحب

أو عن العطش

لك الآن

لك الآنْ

مرتيل

دمنا يتختر

يتوزع

بين مشاهد الغواية

وجوهر الرواية

مرتيل

معبدنا..

حلمنا..

حيرتنا..

ابتسامتنا الباقيةْ” (ص.121/123)

ينشد الشاعر أنشودة ولهه بمرتيل التي شكلت معبرا من معابره نحو الذات، فصارت جزءا لا يتجزأ من الكينونة مثلها مثل الأماكن الأخرى التي يحتفي الشاعر ويتغنى بها: أحد الغربية (مسقط رأسه)، أصيلة، طنجة، شفشاون. وكل هذه الأمكنة تتصادى داخل ذات الشاعر ويتفاعل معها لأنها شكلت وجدانه وفكره وذوقه الأدبي، كما كانت مراتع عاش فيها حياته. ومن هنا تتصادى هذه الأماكن لتعكس قسطا هاما من سيرة الشاعر وسيرورة تجربته في الحياة والكتابة. وانطلاقا من ذلك التصادي تتداعى الصور الشعرية التي تشكل متخيل الذات التي عبر الشاعر إليها انطلاقا من أحد الغربية ومرورا بأصيلة وشفشاون وانتهاء بطنجة. إن دفء هذه الأمكنة وحميميتَها لدى الشاعر هي التي جعلته يتحمل ضنى الحياة وتعبَها الذي عبر عنه في الديوان بأشكال شتى وبصور شعرية دافقة.

فإذا كانت أصيلة هي “عذوبة البقاء وواهبة الشمس التي جذرت لذة الحياة ومعناها”، فإن مرتيل هي التي جعلت “الدم يتخثر بين مشاهد الغواية وجوهر الرواية”، وهي الابتسامة الباقية وسط فلول الذكريات المرتبطة بالتعب والكد. أما شفشاون فهي واهبة الشعر التي “ترسم ذاكرة العارفين والغافلين”، وهي حارسة “بكارة القصيدة” التي تأبى إلا اقتفاء البدايات، بداية الدهشة وحب الحياة، وبالنسبة إلى “الدعيديعة” قرية الشاعر بأحد الغربية، فهي “فج الخلاص”، وهي مهبط الحنين، ومدار ذكريات الطفولة التي ولت تحت تأثير تحولات الحياة وتبدلاتها، فلم تعد الذات تجد فيها سوى “سارية بلا أسمنت، وعمود بلا إنارة، وباب مشرعة على الجنون”، تماما مثل طنجة التي “قايضت رجالاتها بناطحات سحاب وخلعت تنورتها ورضيت بسماسرة الغاب”، فأصبحت موطن خلل وجنون، ولهذا يقول الشاعر مخاطبا مدينة طنجة:

“مختل أنا فيك

يا ماهيتي

منحل فيك –حد الجنون-

سيدتي

أين أنت الآن؟

أين أنت الآن؟؟” (ص.125)

هكذا تلتئم صور هذه النصوص حول معاني متنوعة حد التضارب والاختلاف، فالأمكنة التي يتحدث عنها الشاعر تحمل سمات الحياة والدفء والبقاء والمتعة من جهة، كما أنها، بسبب تحولاتها، صارت سبب ألم وإحساس فادح بالخلل، على الرغم من تماهي الذات بها.

انطلاقا من كل ما سبق نتبين أن النصوص التي اشتغلنا بها استندت إلى تيمة واحدة تتكرر في عناوين القصائد التي يشملها عنوان واحد، وكانت عنصرا حافزا على تشكيل المتخيل، وبناء الصور الفنية، وصنع الدلالة في قصائد ديوان “ضمديني أيتها المقامات”، كما حاولنا أن نوضح في هذه القراءة. وأكيد أن المتلقي سيجد في القصائد إمكانات فنية كثيرة وظفها الشاعر مصطفى بلوافي بإتقان وفنية عالية.