موقع الكتابة الثقافي uncategorized 92
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

 د. خالد عاشور

كان للأديب الكبير يحيي حقي أمنية غريبة، وهي أن لو كان بواباً لعمارة أو سائقاً لسيارة تاكسي؛ لما يتوافر لصاحب مثل هذه المهن من اطّلاعٍ علي أنماط بشرية متعددة، وفي أحوال متباينة، ومواقف كثيرة، وهو ما يُعد منبعاً فياضاً لحكايات لا تنتهي، يمكن أن يستفيد بها في بناء رواياته وصناعة قصصه.

والحق أن هذه الأمنية هي أمنية كل أديب وقصاص، يتمني لو أتيح له فرصة احتكاك تُمكنه من اكتشاف عدد لا نهائي من شخصيات وأحداث تأخذ شكل قصة أو رواية.

وتاريخ الأدب حافل بـ”قصص” لأدباء في هذا المجال، فالأديب الراحل نجيب محفوظ استقي شخصية السيد أحمد عبد الجواد من البيئة المحيطة به، فهي شخصية خليط من والده وشخصيات أخري قابلها في حي الجمالية حيث ولد ونشأ.  والأمر يتكرر مع محفوظ في أعمال كثيرة لديه مثل “خان الخليلي”، و”السراب”  و”المرايا”  وغيرها استقي شخصياتها من  المقهي والوظيفة والحارة؛ وهي المصادر الثلاثة الرئيسية لأدبه، كما قال هو عن نفسه.

وكما قلنا فإن الأديب يمتلك عيناً لاقطة تنظر نظرة غير عادية لما يبدو أنه أمر عادي لنا جميعاً، فتستوقفه الشخصية أو الحدث في الحياة العامة ليختزنه ثم يعيد تشكيله في إطار عمل أدبي جميل، يبتعد عن الواقع بقدر ما يقترب منه.

لكن الأغرب من أمنية يحيي حقي التي يتمناها كل أديب، أو يمارسها بالفعل في حياته، هو أن يخوض الأديب غمار تجاربه الحياتية بهذا الهدف الفني، أي أن يبني علاقاته الإنسانية مع الآخرين فقط من أجل الحصول علي نواة لشخصية أو فكرة لحدث. فإن لم يحصل علي مراده ذاك فلتذهب علاقاته الإنسانية تلك إلي الجحيم.  

ويبرز هنا اسم الكاتب النرويجي الشهير هنريك إبسن  1906 –  1828 مثالاً علي هذا المسلك، فلقد أُثر عن صاحب” بيت الدمية”  أنه كان متعدد العلاقات النسائية، غير أنه كان “يحترف”  صناعة هذه العلاقات ليس بدافع عاطفي فيحبهن، أو إنساني فيشفق عليهن؛ وإنما لاستخدام تلك النماذج البشرية في مسرحياته.  أي أن سبيله إليهن  كان أنانية عين الفنان لا رحابة  قلب الإنسان.

 فمثلاً تعرف إبسن قبل عام 1891 على  “إميلي”  فتاة ساذجة واسعة الخيال، ائتمنته علي أسرارها:

 لم تكن مهتمة بفكرة الزواج، وكان شاغلها وما يروق لها هو خطف أزواج الأخريات، كانت بارعة في هدم البيوت، وكان من الممكن أن تضمه إلي قائمة ضحاياها، لكنها لم تنجح معه، حيث قاطعها فجأة بعدما انتهت مهمتها بالنسبة له، أو كما قال هو عنها:  

“لم تستحوذ عليّ ولكني استحوذت عليها لمسرحيتي”  فقد أعاد إبسن تشكيل هذه المرأة وتحويلها إلي شخصية كريهة، هي شخصية “هيلدا وانجل”  في مسرحية “سيد البنائين”.

وشخصية “كاجا فوصلي”  في نفس المسرحية تم بناؤها بالطريقة نفسها؛ فلقد فوجئت إحدي السيدات بتلقيها دعوات متكررة لتناول العشاء مع إبسن، وفعلت ذلك وهي في غاية السعادة،  ولكنها فوجئت مرة أخري عندما توقفت الدعوات فجأة، ثم فهمت كل شيء عندما شاهدت المسرحية ووجدت نفسها أو بعضاً منها في شخصية “كاجا”

بل إن الشخصية الأشهر في فن إبسن وهي شخصية “نورا”  في “بيت الدمية”، صاحبتُها فتاة نرويجية بائسة هي “لورا كيلر” التقي بها الكاتب الشهير مرات قليلة،  كانت خاضعة تماماً لنفوذ زوجها ولجأت إلي السرقة متصورة أنها بذلك سوف تساعده،  وعندما اكتُشف أمرها كان يعاملها علي أنها وصمة في حياته ووضعها في مصحة عقلية لبعض الوقت.

وجدها إبسن نموذجاً علي اضطهاد المرأة وما تلاقيه من ظلم؛ فكرة أخري من لحم ودم أكثر منها إنسان.  ولقد تسبب النجاح الذي لقيته المسرحية حين عُرضت في افتضاح أمر هذه المرأة المسكينة، التي طلبت من “صديقها”  إبسن طلباً قوبل بأنانية شديدة منه؛ حيث طلبت منه أن يعلن أن “نورا” ليست هي، وهو ما اعتبره شيئاً تافهاً – لن يفعله – تصر عليه هذه السيدة. 

تتكرر هذه اللصوصية الإنسانية أيضاً مع الكاتبة الأمريكية “ليليان هيلمان” 1984 – 1905  

 فقد ولدت في منزل للسُّكني كانت تديره شقيقات والدتها، وقضت معظم طفولتها، وكانت تراقب النزلاء بعين حادة، وتؤلف لنفسها الحكايات عنهم، وحصلت منهم علي مادة غزيرة وظّفتها في بعض قصصها.  وعندما كبرت “ليليان” أتيحت لها فرصة مماثلة لفرصة طفولتها السابقة؛ فقد كانت تقيم في فندق في “مانهاتن”، اتفقت مع مديره علي أن يقوما بفتح رسائل النزلاء سراً، ومن حصيلة هذه الأسرار كتبت كتابها “آنسة القلوب الوحيدة”، وبعض المسرحيات الأخري.

الكاتب الأمريكي “إرنست همنجواي” 1961- 1899  الفائز بجائزة نوبل عام 1954  كان مثالاً آخر علي ذلك.  فقد كان يتعمد أن يعقد صداقات في مجتمع قاع المدينة، وأن يقترب من الشخصيات الملتبسة المريبة، الذين تتكون منهم تجمعات مصارعي الثيران، ورواد المقاهي، والقوادون، والداعرات، وصيادو الأسماك، ومخبرو الشرطة.

وكذلك كانت علاقاته النسائية، يدخلها لذات الهدف الذي كان يسعي إليه إبسن من قبله؛  فشخصية “برت آشلي”  في رواية:  “ثم تشرق الشمس”  صاحبتُها هي “ليدي توايزدن”  امرأة عابثة من “مونبارتاس”  أنهي  همنجواي علاقته بها بعد ذلك. ثم وقع في فينيسا بعد الحرب العالمية الثانية في غرام امرأة شابة اسمها “أدريانا إيفا نسش”  كانت مروعة ومثيرة للشفقة، كما يصفها، مما أهَّلها لأن تكون بطلة لروايته “عبر النهر وبين الأشجار” عام 1950

إن مقولة تولستوي : “إن الفن سوء استخدام شنيع للمواهب التي منحها الله للبشر”  تصلح هنا لوصف ما حدث ويحدث في رحلة البحث عن شخصيات لقصص الأدباء.

لكن لو علمنا نحن القراء بمصادر الأدباء في الحصول علي شخصياتهم وأحداثهم، وما يشوب ذلك في أحيان كثيرة – كما رأينا – من امتهان للعلاقات الإنسانية؛ ترى هل سنقاطعهم ونقاطع أدبهم؟

أم أننا سنُقبل علي قراءتهم والاستمتاع بإنتاجهم، ونكون كمن “يستهلك” بضاعة دون أن يسأل نفسه عن مصدرها: هل هي مسروقة أم مباعة؟

 أعتقد أننا سنفعل ذلك لأن الأمر يختلف في حالة الإبداع الأدبي، فليس ثمة متاجر تُعرض فيها شخصيات للبيع أو أحداث للإيجار!!