موقع الكتابة الثقافي uncategorized 3
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

أحمد ثروت

هي مدينته الواسعة بطِينها، وعمائرها الفاخرة. ذلك التناقض الواضح في عينيه، حين ينظر من أسفل لأعلى، أو من أعلى لأسفل. لم تتغير، ولا يحسبها ستفعل. كأنبوبة معلّقة مفرّغة من الهواء. هي الحضن بارداً، والسكن المرتقب دوماً. لا يعتليها أبناؤها، لكنهم يدسّونها بين شفاههم أو تحت آباطهم. ولن تتبدل.

رمى نفسه في أهدأ عربة حنطور قابلته، بلا سمّاعات ضخمة، تؤذي الأُذُن والرأس، ثم قال بِبَحّة العائد من سفر طويل:
– البيت ..
كانت الشوارع النحيفة، تُرّقص العربة بمطباتها الدائمة، لامس الهواء البارد أنفه، أشعل سيجارة، ولم يهتم. 
تذكر الأمس، حين كانت العاصمة تتقاذفه بصخبها واعتلال رئتها، كان الأمس أمساً.

كمشهد رهيب مهيب، لآلاف شواهد القبور، قد تحركت ببطء جليل، تكاتفت نحو وجهة واحدة. بزعيق مكتوم، وسراويل ممزقة، بدون أدنى اهتمام، بجروح الرؤوس وغازات كتم الأنفاس. كمشهد توقفت عنده الساعات لحظة واحدة، ولم تعد تدق. كانت القاهرة.
الناس كثبان فوق بعضها، البضائع صامتة، والشمس حارقة. بينما الملابس السوداء والخوذات المعدنية، بانوراما قميئة، للعرض الطويل بطول الزمن، المصائب تصعق رؤوسنا كل لحظة، العراق أمامنا، وفلسطين خلفية المشهد. في الأيام الأولى، كان الوضع حالماً، مؤذناً بثورة تهز الأرجاء، ثورة تهز العالم الجديد، بناطحات سحابه وزيفه وسلامه الوهمي. لكن القطع تساقطت في سرعة مذهلة. كانت عصي جنود الأمن المركزي، تهوي فوق جباهنا وظهورنا، ربما تفقأ العيون دون أدنى اكتراث، رصاصات قوّات التحالف الأمريكي الأمريكي تشّق الجباه، صوت البائعين مكتوم، يخيل لي أن كابوساً قد احتل دماغ العاصمة، ولا وقت للذهول . 
نجري بسرعة الخوف، أمام الكلاب البوليسية الضخمة، كشياطين مسحوبة من آبار كلية الشرطة، أطلقوها مختبئين خلفها، واثقين، من خوف ثبّت أقدامه في أعناقنا منذ الأزل. ونحن نسقط واحداً تلو الآخر، ” يسقط الخونة .. ” .. ” خونة .. خونة..” ولم يسقط الخونة.

سقطت بغداد. تهاوت. كانت تماثيل أجدادنا منكسرة، وقد أغلق عيونها الدمع البطيء، أما ميدان وسط البلد السماوي، المنتشي بأبنائه، خائف من رحيلهم كل لحظة، لمن سيتركونه مرّة ثانية، الكل يلهث. يقذفنا الجنود بمياه زرقاء قذرة، قنابل الدخان تكتم أنفاسنا، ونحن مذهولون. العراق يئن، و”جنين ” تحتضر. بينما المدينة الصاخبة جنين الثورة المختنق. الأقاليم هامدة. بلا أنفاس، نقذف أنفسنا من شارع لشارع، من مظاهرة لاعتصام. وهم خلعوا كل سراويلنا، أتونا من الخلف، مثبتين رؤوسنا في الأرض الرخوة. ” بغداد ” تعّرت تماماً. خلت العاصمة، إلا من صوت مكتوم، لارتطام العصي الكهربائية، بالأجساد النحيلة. ذاق الأسفلت طعم النساء، الممرغات بأيادي الجنود، المقهورين من ضباطهم، المقهورين من حكومتهم المقهورة، من حزب مقهور، من استسلام شعب استساغ طعم الصمت. وفتاة مغبرة بطعم الوطن تهتف.
كانت الأدمغة خواءً، الطرق مهتزة ملتفة حول بعضها، حينها انغمست رؤوسنا في أوحال المشاهد، ولم تستطع انعتاقاً، فانعقدت حواجبنا حتى شفاهنا تُلصقها، وكان غمّ كبير. 
في الصباح بدأتُ العودة. الرمال كثبان، البحر موج، والشمس حارقة كأفكار تنبت فجأة. ألصقت وجهي بنافذة الأوتوبيس، نظرت بعيداً، بعيداً كانت تمّد ذراعيها، نحو السماوات. تُلامسها فيتناثر رذاذ خفيف، يهبط مطراً ثقيلاً، في الأزقّة، منساباً يغسلها، فأرتعش. قلبها وسط كفي ينتفض. أقّبله، ثم أودعه قلبي، علّنا نخرج من جديد، لكّن الدنيا كانت بي ضيقة، ثم ضاقت وضاقت، فاستضاقت، فانكتمتْ، فانكتمتُ. 

– قال الناس: إن امرأة كانت تسّب الحكومة، أنجبت مخلوقاً، له وجه رجل وجسد جرو صغير، قالوا إنها حين رأته، صرخت، لطمت على وجهها، حتى أتى زوجها. ألقاه بلّفة قماش وسط الزراعات، فعثرت به واحدة، كانت تسرح في الحقول. أخذته إلى بيتها، ثم ألقمته ثديها؛ لأنه كان يعوي بحرقة. حين انزاحت القماشة عن جسده، طلعت روحها. ثم هبطت مرّة أخرى. لتضع فوقه طشتاً، حتى انكتمت أنفاسه، فهامت روحها بين الزراعات، تحكي الحكاية . 
– المساحات الخضراء، كحُلم بلا نهاية، الساقية الصدئة صامتة، والبقرات-التي تجتّر طعامها في كسل – كانت لها عيون أرامل حزنى . عند حواف الحقول المتشابكة، كانت ترقد الترعة الراكدة، مبتَلَيةً بمياه الصرف الصحي، وجثث الكلاب والحمير المنتفخة. تكوّم الجسد الصغير، أسفل الساقية، متحاشياً سخونة الشمس، بقماشة صفراء كالحة. عادةً ما يفرغها من رغيف الخبز البيتي، والبصلة الكبيرة أو قطعة الجبن القريش، يبتلعها دون تذوق. القماشة الصفراء تزيد حرارة منخريه، فيزيحها متأففاً. مرسلاً عينيه، نحو البيت المهدّم، وسط المزرعة المجاورة، ليرى اخضرار الزراعات ممتداً في عينيها. عينان بروعة الحلم، رائقتان وبهما حكايات بلا نهاية. أنف يستنشق لوثات العالم، يمنحه هواءً بارداً، كزهرة، قررت منح العالم أسباب بقائه. بينما يرسل شعرها، خيوطه، تعكسها الشمس ساخنة متلاصقة مضيئة. تضغط بكل جسدها، فوق قدمها السليمة الدقيقة، فيندفع الوجع سريعاً، نحو رأسها، تسير نصف خطوة، فيكاد ينفجر فخذها، وهي متقدمة صبورة. ذراعها النحيفة، يمتص عرق وجهها وجبهتها، فتسقط بمؤخرتها فوق الأرض الرطبة، ولا تلبث أن تجمع أكوام الروث الضئيلة، لتصنع واحدة كبيرة، تضعها في وعاء بلاستيكي مشقوق، تكوّمه جوار المنزل المهدم، حتى الغروب. حينها، يعود هو ساحباً بقراته بلا مبالاة، قد حوصرت رقابها بحبل غليظ مجدول، كنتُ متكئاً بركبتيّ فوق أسمنت السطح الصلب، انطبع كفايّ فوق جدار الطوب الأحمر المحببّ، فانطلقت عيناي، في فراغ، تركه قالب طوب، منزوع من الجدار. عند كومة السباخ الوحيدة، أخذها من يديها، ثم التفت نحوي فجأة، فظننته كشف مستقري، ارتددت للخلف عنيفاً، كرعشة جسد مكهرب، انتفض جسدي فوق الأرض الصلدة، بعدها شبكت ساقيّ متربعاً، وتساقطت دمعتان، حين علمتُ أنني كنت هناك، تذكرت أنها كانت لي .