ريسيتيتيف

توني موريسون(*)

ترجمة: ناصر الحلواني

كانت أمي ترقص طوال الليل، أما أم روبرتا فكانت مريضة. لهذا جيء بنا إلى ملجأ سان بوني. يشعر الناس برغبة في احتضانك عندما تخبرهم أنك كنت تعيش في ملجأ، لكن الحقيقة، أن الأمر لم يكن سيئا. لم تكن هناك عنابر كبيرة، تضم مائة سرير مثل ملجأ بوليفو. وإنما حجرات لأربعة أشخاص، وعندما وصلنا، أنا وروبرتا، كان هناك قلة في الأيتام، لذا صارت الغرفة رقم 406 لنا وحدنا، كنا ننتقل من فراش لآخر كلما أردنا. وقد رغبنا في ذلك، أيضا. كنا نتبادل الأسرَّة كل ليلة وطوال أربعة أشهر كاملة، دون أن تعيِّن إحدانا فراشا معينا لها.

لم يبدأ الأمر على هذا النحو. ففي لحظة وصولي، قامت بوزو الضخمة بالتعارف بيننا، شعرت بألم في معدتي. من جهة، أن يتم إخراجك من فراشك في الصباح الباكر ـ وأمر آخر؛ أن تكون ملازما لمكان غريب، مع فتاة من عِرق آخر. كانت ماري، أمي، محقة. كانت تتوقف، بين الحين والآخر، عن الرقص، بما يكفي لتخبرني بشيء مهم، وكان مما أخبرتني به إنهم لا يغسلون شعرهم أبدا، ولهم رائحة غريبة. من المؤكد أن روبرتا كانت كذلك. رائحتها غريبة بالفعل. لهذا، عندما قالت بوزو الضخمة (لم يناديها أحد قط بالسيدة إتكين، مثلما لم يقل أحد قط القديس بونافينتور) عندما قالت: “تويلا، هذه روبرتا. روبرتا، هذه تويلا. رحبا ببعضكما“. قلت: “لن تحب أمي أن تتركني هنا“.

حسنا“، قالت بوزو. “لتأتي إذن وتأخذك إلى البيت“. ما الذي يعنيه ذلك؟ لو أن روبرتا ضحكت حينها لكنت قتلتها، لكنها لم تفعل. بل سارت نحو النافذة، ووقفت هناك وأعطتنا ظهرها.

استديري“، قالت بوزو، “لا تسيئ الأدب. والآن، يا تويلا أنت وروبرتا، عندما تسمعان طنين الجرس، فهذا وقت العشاء، انزلا إلى الطابق الأول. إن وقع أي شجار ستحرمان من مشاهدة الفيلم“. ثم، لكي تتأكد من معرفتنا لما سنفقده إن فعلنا، قالت: فيلم “ساحر أوز“.

لابد أن روبرتا ظنت أن أمي ستغضب من بقائي في الملجأ، لا بسبب مشاركتها الحجرة معي، لأنها، بمجرد أن غادرت بوزو، اقتربت وسألتني: “هل أمك مريضة أيضا؟”

لا“، قلت. “بل تحب الرقص طوال الليل“.

أوه“، هزَّت رأسها، وأعجبني فهمها السريع للأمور. لهذا، فلا يهم، في الوقت الحالي، أننا نبدو مثل الملح والفلفل، وهذا ما كان يطلقه علينا الأطفال أحيانا. كنا في الثامنة من عمرنا، نحصل دائما على تقدير راسب. بالنسبة لي؛ فلأني لم أكن أتذكر ما أقرأه، أو ما قالته المعلمة. أما روبرتا، فلأنها لم تكن تعرف القراءة أصلا، وما كانت تنصت إلى المعلمة. لم تكن تحسن أي شيء عدا لعبة الكرة والحصى، فقد كانت مذهلة: أرمي الكرة لأعلى والتقط الحصى، أرمي والتقط، أرمي والتقط.

في بداية الأمر، لم تحب إحدانا الأخرى، لكن أحدا لم يكن يرغب في اللعب معنا، لأننا لم نكن يتيمتين حقيقيتين، ممن يسكن والداهما الجميلان مع الموتى في السماء. تم تجاهُلنا تماما. حتى البورتوريكيون من مدينة نيويورك، والهنود من سكان الشمال، تجاهلونا. أطفال من كل نوع كانوا موجودين؛ السود، والبِيض، حتى الكوريين، كان هناك اثنان منهم. كان الطعام جيدا رغم ذلك، على الأقل، هذا ما ظننته. لكن روبرتا كانت تكرهه، وكانت تترك معظم ما في صحنها: اللحم المعلب، والبرجر، وحتى الجيلى المحلى بالفواكه، ولم تكن تهتم إذا ما أكلت أنا ما تتركه. كانت فكرة ماري عن العشاء أنه عبارة عن الفشار، ومشروب الشوكولاتة. بطاطس مهروسة ساخنة، واثنتين من النقانق، كانت هذا مثل ليلة عيد الشكر بالنسبة لي.

لم يكن الأمر سيئا بالفعل. كانت فتيات الطابق الثاني الكبيرات، في ملجأ سان بوني، يدفعننا بين الحين والآخر. لكن لا أكثر من ذلك. كن يضعن أحمر شفاه ولديهن قلم لتخطيط الحواجب، ويحركن ركبهن أثناء مشاهدتهن التلفاز. كانت بعضهن في الخامسة عشرة، والسادسة عشرة. كن فتيات مهجورات، معظمهن هاربات خوفا. فتيات مسكينات صغيرات، تخلصن من أعمامهن، لكنهن كن قاسيات معنا، وحقيرات. أراد الرب أن يبدوا حقيرات. حاول موظفو الملجأ فصلهن عمن هن أصغر منهن، لكنهن كن يروننا، أحيانا، ونحن نراقبهن في البستان، يُشغلن أجهزة الراديو ويرقصن معا، فينطلقن خلفنا، يجذبننا من شعرنا، أو يلوين أذرعنا. كنا نخشاهن، أنا وروبرتا، لكن إحدانا لم تكن تريد أن تعرِف الأخرى ذلك. لذلك، جهزنا قائمة كبيرة بالنعوت السيئة التي نصرخ بها ونحن نهرب منهن عبر البستان. كنت أحلم كثيرا، ودوما كان البستان موجودا في أحلامي. فدانان، أو أربعة ربما، من أشجار التفاح الصغيرة. مئات منها، كنت أراها جوفاء ملتوية كامرأة متسولة، عند قدومي إلى ملجأ سانت بوني، ثم صارت غنية بالزهور، في أحلامي، بعدما غادرت. لا أدري لماذا أحلم بهذا البستان كثيرا.

لم يحدث شيء هناك. لا شيء ذو أهمية، بالفعل. الفتيات الكبار يرقصن، فحسب، ويشغلن أجهزة الراديو. ونراقبهن أنا وروبرتا. ذات مرة، تعثرت ماجي، الطباخة ذات الساقين المقوستين. ضحكت الفتيات الكبيرات عليها.

لابد وأننا ساعدناها لتنهض، أذكر ذلك، لكنا كنا خائفتين من أولئك الفتيات اللائي يملكن أحمر شفاه وقلم حواجب. لم تنطق ماجي. يقول الصغار أن لسانها قُطع، ولكني أظن أنها ولدت هكذا: صمَّاء. كانت عجوز، بلون الرمال، وتعمل في المطبخ. لا أعلم إن كانت لطيفة أم لا، فما أذكره أن ساقيها تشبه القوسين، وكيف كانت تتأرج في سيرها. كانت تعمل منذ الصباح الباكر حتى الساعة الثانية، أما إذا تأخرت، وكان لديها المزيد من أعمال النظافة، وظلت تعمل حتى الثانية وخمسين دقيقة، فكانت تسرع منطلقة عبر البستان، حتى لا تفوتها الحافلة، فتضطر إلى الانتظار ساعة أخرى. كانت تضع قبعة أطفال بلهاء ذات جوانب تغطي أذنيها، فلم تكن تزيد في طولها عنَّا. قبعة صغيرة فظيعة حقا، حتى بالنسبة لصمَّاء، وكانت ترتدي ثوبا سخيفا، كأثواب الأطفال، ولم تكن تنطق بشيء البتة.

لكن ماذا لو حاول شخص ما أن يقتلها؟” كثيرا ما كنت أتساءل. “أو، ماذا لو كانت ترغب في البكاء؟ هل يمكنها البكاء؟

أكيد“، قالت روبرتا. “لكن بدموع فقط، بلا صوت”.

ألا تستطيع الصراخ؟

لا، مطلقا“.

ربما“.

لنناديها” قلت، وفعلنا. “أيتها البلهاء! أيتها البلهاء!” لم تلتفت قط.

يا ذات الساق المقوسة! يا ذات الساق المقوسة!” لا شيء. مضت في سيرها المهتز، وأشرطة قبعة الطفل تتأرجح من جانب إلى آخر. أحسب أننا كنا مخطئتين، أظن أنها كانت تسمعنا ولم تأبه لنا، وما جعلني أشعر بالخزي الآن، أن يكون هناك من سمعنا نناديها بتلك الألقاب السيئة، ولم يشي بنا.

حصلنا على حقوق وافية، أنا وروبرتا، نستبدل الفراش كل ليلة، حصلنا على تقدير راسب في المهارات المدنية والتواصل والألعاب الرياضية. شعرت بوزو بخيبة أمل، كما أخبرتنا؛ فمن بين 130 يتيمة، منهن 90 تحت سن الثانية عشرة، جميهن، تقريبا، يتيمات حقيقيات، لهن آباء رائعون في السماء، كنا نحن الوحيدتين الفاشلتين، والوحيدتين اللتين حصلتا على تقدير راسب في الفصول الثلاثة، ومن بينها فصل الألعاب الرياضية. لذا، فقد واصلنا؛ بالنسبة لها، في ترك معظم طعامها في الطبق، وفي أن نكون لطيفتين بعدم طرح أسئلة. 

لعله كان اليوم السابق لوقوع ماجي، عندما عرفنا أن والدتينا ستأتيا لزيارتنا في يوم الأحد نفسه. كان لنا ثمانية وعشرين يوما في الملجأ (بالنسبة لروبرتا كانوا ثمانية وعشرون يوما ونصف) وكانت تلك أول زيارة منهما لنا. كانتا ستصلان في العاشرة، في الوقت المخصص للكنيسة، ثم ستتناولان الغداء معنا في استراحة المعلمين. ظننت أنه سيكون أمرا طيبا لها، إذا تقابلت أمي، التي ترقص ليلا، مع أمها المريضة. وظنت روبرتا أن أمها المريضة ستتلقى صدمة هائلة من المرأة الراقصة. أثار هذا حماستنا، وصففت كل واحدة منا شعر الأخرى. جلسنا بعد الإفطار على الفراش، نراقب الطريق عبر النافذة. كانت جوارب روبرتا ما تزال مبتلة، فقد غسلتها في الليلة الماضية، ووضعتها على مبرد الهواء لتجف. لكنها لم تجف، وارتدتهما على حالهما، إذ كانت حوافهما مزينة بلون وردي جميل. كان لكل منا سلة من الورق الأرجواني المقوى، صنعناها في صف المصنوعات الحرفية. يزين سلتي أرنب مرسوم بألوان الشمع الصفراء، ويزين سلة روبرتا رسوم بيض، وخطوط ملونة ملتوية. وبداخلهما لا يوجد غير العشب المصنوع من ورق السيلوفان، وحبات حلوى الجيلي، لأني أكلت قطعتي الخطمي اللتين أعطوهما لنا.

جاءت بوزو الضخمة بنفسها لتأخذنا، وأخبرتنا وهي تبتسم أننا نبدو جميلتين للغاية، وطلبت أن ننزل معها. فاجأتنا ابتسامتها، التي لم نرها من قبل، فلم تتحرك إحدانا.

ألا تردن أن تقابلا والدتيكما؟

وقفت أنا أولا، فأوقعت حبات حلوى الجيلي على الأرض. اختفت ابتسامة بوزو بينما أسرعنا نجمع الحلوى من فوق الأرض، ونضعها في السلة.

رافقتنا خلال نزولنا إلى الطابق الأول، حيث تصطف الفتيات في طابور، استعداد للذهاب إلى الكنيسة. كانت هناك مجموعة من الفتيات الكبار يقفن في أحد الجوانب. غالبا مجرد متفرجات. كانت العجائز الشمطاوات، اللائي يحتجن إلى خادمات، والنساء الكادحات اللائي يبحثن عن صحبة، يبحثن عمن يرغبن في تبنيهن من الفتيات الصغيرات. ليصبحن في لحظة جدات. وغالبا لن يكون هناك شاب، أو أي شخص يزعجك ظهوره في الليل؛ لأنه إن كان لأي يتيم أقارب، فلن يكون يتيما حقيقيا. في التو رأيت ماري، ترتدي ذلك الثوب الأخضر المتهدل، الذي كنت أكرهه، وأكرهه الآن أكثر. ألا تعرف أننا سنذهب إلى الكنيسة؟ وتلك السترة المصنوعة من الفراء، التي تمزقت بطانة جيبها، فكان عليها أن تشد يدها لتخرجها منه. لكن وجهها كان جميلا ، مثلما هو دائما، ابتسمت، ولوحت لي كما لو كانت فتاة صغيرة ترى أمها ـ لا أنا.

مشيت ببطء، كي لا تسقط حبات حلوى الجيلي، وأنا آمل أن تتماسك اليد الورقية للسلة. لقد اضطررت إلى استخدام العلكة بعدما نفدت الأوراق اللاصقة. أنا عسراء، لذا كان استخدام المقص صعبا علي. لا يهم، فكرت، على أية حال، فقد مضغت العلكة أيضا. نزلت ماري على ركبها وجذبتني، سحقت السلة،  وحبات حلوى الجيلي، والعشب، بسترتها التي تبدو كفراء الفئران.

تويلا، حبيبتي. تويلا، حبيبتي!

وددت لو أقتلها! فقد سمعت الفتيات الكبار في البستان، بعد ذلك، يقلن: “توييييلا، حبيبتي!” لكن لم يكن يمكنني أن أبقى غاضبة من ماري، بينما هي تبتسم لي وتحتضني، وأشم رائحة بودرة السيدة إستر تنبعث منها. رغبت لو ظللت مدفوسة في فرائها طوال اليوم.

الحقيقة أنني نسيت روبرتا. اصطففنا أنا وماري في الطابور المتجه إلى الكنيسة، وكنت فخورة لما بدت عليه من جمال فائق، رغم تلك الملابس الخضراء القبيحة والمتهدلة، التي جعلت مؤخرتها تبدو بارزة. أم جميلة في الدنيا خير من أم رائعة الجمال في السماء، حتى لو كانت تدعَكِ وحيدة لترقص.

شعرت بربتة على كتفي، التفت، رأيت روبرتا تبتسم. بادلتها ابتسامة خفيفة؛ خشية أن يظن شخص ما أن تلك الزيارة هي أهم شيء حدث في حياتي. ثم قالت روبرتا: “أمي، أريد أن أعرفك على رفيقتي في الغرفة، تويلا، وهذه أم تويلا“.

رفعت بصري لأعلى، كما لو لأميال، كانت ضخمة، أضخم من أي رجل، وعلى صدرها كان أكبر صليب رأيته في حياتي. أقسم أنه كان بطول ست بوصات في كل اتجاه.  وعلى ذراعها كان أكبر إنجيل مطبوع.

ماري، بعقلها البسيط، ابتسمت، وحاولت أن تجذب كفها من الجيب الممزقة بطانته، ربما لتصافحها. نظرت والدة روبرتا إلى الأسفل نحوي، ثم إلى ماري. لم تقل شيئا، وجذبت روبرتا بيدها التي لا تحمل الإنجيل، وخرجت من الصف، ووقفت في آخره. ظلت ماري مبتسمة، لأنها لم تكن سريعة في فهم ما يحدث. ثم انطفأ ذلك المصباح في رأسها، وبصوت عالي قالت: “يا لها من عاهرة!” . كنا قد أوشكنا على الدخول إلى الكنيسة. كانت موسيقى آلة الأورجان تنتحب، والملائكة الجميلة تغني بعذوبة. التفت كل من في العالم نحوها، وكانت ماري لتواصل السباب ما لم أضغط على يدها بكل قوتي. ساعد ذلك قليلا، ولكنها بقيت تنتفض في جلستها، طوال القداس، وتضع ساقا فوق أخرى، ثم تنزلها. حتى أنها تأوهت مرتين.

لماذا ظننتُ أنها ستاتي وتتصرف بشكل صحيح؟ الثوب المتهدل. لا تضع قبعة مثل الجدات والحاضرات، والتأوه كل حين. حينما وقفنا لأداء التراتيل، ظل فمها مغلقا، لم تكن تنظر إلى الكلمات في الكتاب، بل إنها أخرجت مرآتها من حقيبتها، لتتفحص أحمر الشفاه  على شفتيها.

كل ما استطعت التفكير فيه؛ أنها تستحق القتل. طالت العظة دهرا، وعرفت أن اليتامى الحقيقين يبدون فخورين بأنفسهم.

كان من المفترض أن نتناول الغداء في استراحة المعلمات، لكن ماري لم تُحضر أي طعام معها، لذا فقد التقطنا حبات حلوى الجيلي، من بين الفراء وشرائط السيلوفان، وأكلناها. كان يمكن أن أقتلها. اختلست نظرة نحو روبررتا، أحضرت أمها سيقان دجاج، وشطائر لحم، وبرتقالا، وصندوقا كاملا من بسكويت جراهام المغطى بالشوكولاتة. شربت روبرتا حليبا، بينما تقرأ لها أمها من الإنجيل.

الأمور ليست على ما يرام، يذهب الطعام الجيد إلى من لا يستحقونه. لعل هذا هو سبب اندراجي في مهنة النادلة لاحقا ـ لأوفق بين الطعام الجيد ومن يستحقونه.

عندما انتهت الزيارة، تركت روبرتا سيقان الدجاج مكانها، ولكنها جلبت لي الكثير من بسكويت جراهام. أظن أنها كان حزينة لأن أمها لن تصافح أمي. وقد أعجبني ذلك منها، كما إنها لم تقل شيئا بخصوص تأوه ماري طوال القداس، وأنها لم تجلب معها طعاما للغداء.

 غادرت روبرتا في شهر مايو، حين كانت أشجار التفاح بيضاء ومثقلة بالزهور. في آخر يوم لها، ذهبت إلى البستان لتراقب الفتيات الكبار وهن يدخنَّ ويرقصن على أنغام الراديو. لم أعبأ بقولهن: “تويييييلا، حبيبتي“. جلسنا على العشب واستنشقنا الهواء. عطر السيدة إستر. براعم التفاح؛ ما زالت تخلبني رائحتهما. ستعود روبرتا إلى بيتها. لقد أتى الصليب الكبير والإنجيل الضخم لإعادتها، وبدت، نوعا ما، سعيدة  وغير سعيدة. ظننت أنني سأموت في تلك الحجرة ذات الأربعة أسرَّة بدونها، وأعرف أن لدى بوزو خططا لنقل فتاة مهجورة هنا معي. وَعدَت روبرتا أن تكتب إليَّ كل يوم، وكان شيئا جميلا منها، فهي لا تستطيع قراءة سطر واحد، فكيف يمكنها الكتابة إلى أي شخص.  كنت لأرسم بعض الصور وأرسلها إليها، لكنها لم تعطني عنوانها أبدا. شيئا فشيئا، تلاشت. جواربها المبتلة ذات الحواف المزينة باللون القرنفلي، ونظرة عينيها الواسعتين الجادتين، هو كل ما يرد على خاطري، عندما أحاول أن أتذكرها.

  كنت أعمل خلف الكاونتر، في مطعم هاوارد جونسون، على الطريق السريع، قبل المخرج المؤدي إلى كينجستون. عمل لا بأس به. أركب لمسافة طويلة من نيوبرج، لكن الأمر يهون حين أصل. كنت في نوبة العمل الثانية، من الحادية عشرة إلى السابعة صباحا. عمل بسيط حتى يأتي جرايهاوند لتناول الإفطار في السادسة والنصف. في الساعة التي تعلو فيها الشمس واضحة، فوق التلال الواقعة خلف المطعم. يبدو المكان أفضل في الليل ـ هو أقرب إلى الملجأ، لكنني أحبه عندما تغمره الشمس بضوئها، رغم أن ذلك يُظهر جميع الشقوق في الفينيل، وتبدو الأرضية المرقطة قذرة مهما جهد العامل في تنظيفها.

كان أغسطس، وكانت الحافلة المزدحمة تُفرغ ركابها. قد يقفون في الأنحاء لفترة: يتجهون إلى جون، ينظرون إلى الهدايا وماكينات بيع الأشياء الرخيصة، ولا يبادرون بالجلوس، ولو ليأكلوا. كنت أملأ أوعية القهوة، وأضعها فوق الموقد، حينما رأيتها. كانت تجلس تحت سقيفة صغيرة، تدخن، بصحبة رجلين، لرأسيهما ووجههما شعر كثيف. أما هي، فكان شعرها عاليا ومهوشا، بالكاد تمكنت من رؤية وجهها. لكن العينين، كنت لأعرفهما في أي مكان. كانت ترتدي صديرية زرقاء وسروال قصير، وقرط في حجم أسورة.

بالحديث عن أحمر الشفاه وقلم الحواجب، فقد جعلت الفتيات الكبار يبدون كراهبات بالنسبة لها. لم أتمكن من ترك الكاونتر قبل السابعة، لكني ظللت أراقب السقيفة، خشية أن يذهبوا قبل ذلك. جاءت من ستحل مكاني في موعدها، لذا قمت بمراجعة عهدتي، ورتبت الإيصالات بأسرع ما يمكن، ووقعت للانصراف. مشيت نحو السقيفة، مبتسمةً، أتساءل إن كانت ستتذكرني، أو إن كانت سترغب في أن تتذكرني. ربما لا تحب أن يذكّرَها شيء بملجأ سان بوني، أو أن يعرف أي شخص أنها كانت هناك. أعرف أنني لم أتحدث إلى أي شخص عن ذلك.

 وضعت يداي في جيب مريلتي، وانحنيت على حاجز الجانب الخلفي من السقيفة، في مواجهتهم.

روبرتا؟ روبرتا فيسك؟

رفعت عينيها. “نعم؟

تويلا“.

حدقت بعينيها للحظة ثم قالت: “واو“.

هل تذكريني؟

بالتأكيد، مرحبا، واو“.

مرَّ زمن“، قلت، وابتسمتُ للرجلين كثيفي الشعر.

نعم، يا إلهي. هل تعملين هنا؟

نعم“، قلت. “أعيش في نيوبورج“.

نيوبورج؟ أتمزحين؟” ضحكت بعد ذلك، ضحكة خاصة، نظرت أثنائها إلى الرجلين فقط، وبادلاها الضحك. ما الذي كان بمقدوري عمله سوى مشاركتهم الضحك، والتساؤل عن سبب وقوفي هنا، وركبتاي باديتان من تحت زي العمل. وبدون أن أنظر، رأيت المثلث ذي اللونين الأبيض والأزرق فوق رأسي، وشعري المهوش في شبكة، وكاحليَّ في نعل أوكسفورد. ليس هناك ما هو أبخس من جوربي.

حل صمت لبرهة بعدما ضحكت. صمت كان عليها أن تملأه؛ بأن تعرفني، ربما، لأصدقائها، أو دعوة للجلوس وتناول الكولا. بدلا من ذلك، أشعلت سيجارة من تلك التي أنهتها، “نحن في طريقنا إلى الساحل. لديه موعد مع هندريكس“.

أومأت تجاه الشاب الذي يجلس إلى جوارها.

هندريكس المذهلة“، قلت. “إنها مذهلة فعلا، ماذا تعمل الآن؟

سعلت روبرتا، وأدار الشابان وجهيهما نحو السقف.

هندريكس، جيمي هندريكس المغني، أيتها الحمقاء، إنه أكبر ـ أوه، واو، لا عليك“.

أهملوني ببساطة، دون أن يعبأ بي أحد، لذا فكرت لو كنت لأفعل ذلك لها.

كيف حال أمك؟” سألتها. ملأت تكشيرتها وجهها، وابتلعت ريقها. “طيبة“، قالت. “كيف حال أمك أنت؟

رائعة“، قلت، واستدرت مبتعدة. كانت خلفية ركبتي رطبتين. مطعم هاوارد جونسون يكون رطبا في النهار.

إن زوجي جيمس مريح مثل خُفِّ البيت. فهو يحب طبخي، وأنا أحب أسرته الكبيرة الصاخبة. عاشوا في نيوبورج طوال حياتهم، ويتحدثون عنها بالطريقة التي يفعلها من يعتبرها وطنه. لدى جدته أرجوحة أريكة أكبر عمرا من والده، وحينما يتبادلون الحديث عن الشوارع والطرقات والمباني، فإنهم يسمونها بأسماء قديمة لم تعد تحملها الآن. مازالوا يدعون سلسلة محلات البقالة A&P باسم ريكو، لأنها كانت من قبل متجرا لزوجين، اسم مالكه السيد ريكو. ويدعون الكلية العامة الجديدة: قاعة البلدية؛ لأنها كانت كذلك فيما قبل. تحفظ حماتي الجيلي والخيار، وتشتري الزبد المغلف في القماش من محل الألبان.

يتحدث جيمس ووالده عن صيد الأسماك، وكرة السلة، ويمكن أن أجدهم معا في هدسون، يركبان قاربا شراعيا صغيرا باليا. يعيش نصف سكان نيوبورج في حال من الرفاهية، أما بالنسبة لعائلة زوجي، فمازالوا يعيشون في الفردوس الذي يعود إلى الماضي البعيد. زمن المنازل الثلجية، وعربات الخضار، والأفران التي تعمل بالفحم، والأطفال الذين ينظفون الحدائق من الحشائش الضارة. عند ولادة ابننا، أهدتني حماتي غطاء المهد الخاص بها.

غير أن المدينة التي يذكرونها قد تغيرت. كان هناك شيء سريع في الأجواء. المنازل الكبيرة العتيقة، التي أصبحت أطلالا، وصارت مأوى لمن وضعوا أيديهم عليها، وتهددها مخاطر التأجير، بيعت وتم تجديدها. وأنتقل أذكياء شركة IBM من الضواحي إلى المدينة، وضعوا المصاريع، وفرشوا حدائقهم الخلفية بالعشب. وصلت نشرة إعلانية عبر البريد، تعلن عن افتتاح مطعم إمبريوم. طعام مميز للذواقة، ذكرت النشرة قائمة بالأصناف التي يرغب جمهور IBM فيها. يقع المطعم في مركز تجاري عند أطراف المدينة، ذهبت لأتسوق يوما، هناك، لأراه. كان ذلك في أواخر يونيو، بعدما انتهى موسم زهور التيوليب، وفي كل الأنحاء أزهرت ورود الملكة إليزابيث.

دفعت عربة التسوق عبر الممرات، أفاضل بين المحار المدخن، وصلصة روبرت، وأشياء أعرف أنها ستبقى في خزانة الطعام لأعوام. وجدت ألواح آيس كريم كلونديك، عندها فقط خف شعوري بالذنب من إنفاق راتب جيمس، الإطفائي، بهذا الحمق. أكلها حماي، وبنفس التلذذ فعل صغيري جوزيف.

بينما كنت في الصف لدفع قيمة مشترياتي، سمعت صوتا يقول: “تويلا!

كانت الموسيقى الكلاسيكية، التي تحوم في الممرات، قد أثرت فيَّ، وكانت المرأة التي تميل نحوي باذخة الزينة؛ يزين يديها الماس ، وعليها ثوب صيفي أبيض جميل. “أنا السيدة بنسون“، قلت.

أوه، أوه، بوزو الضخمة” قالت بطريقة غنائية.

لجزء من الثانية، لم أعي ما تقول. كان معها حزمة من الأسباراجوس، وصندوقان من الماء الفاخر.

روبرتا!

نعم“.

يا للسماء. روبرتا“.

تبدين رائعة“، قالت.

وأنت كذلك. أين أنت؟ هنا؟ في نيوبورج؟

نعم. في أناندال“.

كنت أفتح فمي لأقول شيئا آخر عندما نبهتني الموظفة إلى حلول دوري لدفع قيمة مشترياتي.

أراك في الخارج“. أشارت روبرتا بأصبعها، وتقدمت نحو صف الدفع بالبطاقة الائتمانية.

وضعت بقالتي، وبقيت منتبهة لأتابع تقدم روبرتا. تذكرت ما حدث في مطعم هاوارد جونسون، وكنت أرتقب فرصة لأحادثها، فقط، لتقوم بتحيتي بمجرد “واو” باهتة. لكنها كانت في انتظاري، وشعرها المهوش، صار ناعما منسدلا الآن، أملس، يهفهف حول رأس لطيف الشكل. الحذاء، الثوب، كل شيء جميل، وصيفي، وغني.

كانت تقتلني الرغبة في معرفة ما حدث لها، كيف أتت من عند جيمي هندريكس إلى أناندال، والمنطقة تزدحم بالأطباء، وموظفي شركة IBM. الأمر بسيط، فكرتُ. كل أمر بالنسبة لهم هو سهل. يظنون أنهم يملكون العالم.

منذ متى؟“، سألتها. “منذ متى وأنت هنا؟

منذ عام، تزوجت رجلا يعيش هنا. وأنت، أنت متزوجة أيضا، صحيح؟ بنسون، كما ذكرتِ“.

نعم، جيمس بنسون“.

هل هو لطيف؟

أوه، هل هو لطيف!

حسنا، هل هو كذلك؟” كانت عينا روبرتا ثابتتين، كما لو كانت جادة في سؤالها، وتنتظر إجابته.

إنه رائع يا روبرتا، رائع“.

إذن، فأنت سعيدة

جدا“.

هذا حسن“، قالت، وأومأت برأسها. “لطالما تمنيت أن تكوني سعيدة. هل لديك أطفال؟ أعلم أن لديك أطفال“.

أربعة“.

أربعة؟

“ضحكت. “أبناء زوجك. هو أرمل“.

أوه“.

ألديك دقيقة؟ لنحتسي القهوة“.

فكرت في أن ألواح الآيس كريم تذوب، ومشقة الذهاب إلى سيارتي، ووضع أكياس المشتريات في  حقيبة السيارة. خدمتني حقا بشراء كل هذه الأشياء التي لم أكن أحتاجها. كانت روبرتا أمامي.

ضعيها في السيارة، إنها هناك“.

عندئذ، رأيت سيارة ليموزين داكنة الزرقة.

هل تزوجتي رجلا صينيا؟

لا“، ضحكت. “إنه السائق“.

أوه. لو رأتك بوزو الضخمة الآن“.

علا ضحكنا معا. قهقهنا فعلا. فجأة، في لحظة واحدة، اختفت عشرون عاما، وعادت بكل أحداثها في الحال. الفتيات الكبار (اللائي كنَّا ندعوهن فتيات جار ـ الكلمة التي سمعتها روبرتا خطأ، والتي تعبر عن  وجوه الشر الحجرية، التي وُصِفَت في حصة الدراسات المدنية) يرقصن هناك، في البستان، البطاطس المهروسة، النقانق المزدوجة، اللحم المعلَّب والأناناس. ذهبنا إلى المقهى، تمسك إحدانا بيد الأخرى. حاولتُ التفكير في سبب سعادتنا بلقائنا هذه المرة، ولماذا لم يحدث ذلك في المرة السابقة.

ذات مرة، منذ اثني عشرة عاما، مررنا إلى جوار بعضنا كالغرباء. فتاة سوداء وفتاة بيضاء، التقتا في مطعم هاوارد جونسون، على الطريق، ولم تكن لدى أي منهما ما تقوله. إحداهما ترتدي قبعة النادلة، ذات اللونين الأبيض والأزرق ـ والأخرى في طريقها لزيارة هندريكس. الآن، نتصرف كأختين التقتا بعد انفصال طويل. تلك الأشهر الأربعة، التي مرت سريعا ـ معا في الملجأ ـ لم تكن شيئا بحساب الزمن. ربما يرجع ذلك للأمر نفسه؛ أن نكون هنا، معا. فتاتان صغيرتان، تعرفان ما لا يعرفه أحد سواهما في العالم ـ كيف لا تطرحان الأسئلة. كيف تؤمنان بما ينبغي الإيمان به.

كان هناك أدب في هذا النفور، وسماحة كذلك. هل أمك مريضة أيضا؟ لا، إنها ترقص طوال الليل. أوه، ثم إيماءة تدل على الفهم.

جلسنا في كشك، إلى جوار النافذة، واستغرقنا في التذكر مثل شخصين معمرين.

هل تعلمتِ القراءة؟

انظري“، التقطت قائمة الطعام. “وجبة اليوم: حساء كريمة الذرة، مشهيات، نقطتان وخط متعرج، كيشي، سلطة الشيف، إسكالوب …

كنت أضحك وأصفق عندما أتى النادل.

هل تذكرين سلة عيد الفصح؟

وكيف حاولنا أن نقوم بالتعارف بينهما؟

أمك، وصليبها الذي يشبه عمودي هاتف“.

وأمك، في ذلك البنطال الضيق“.

ضحكنا بصوت عالي، ومالت رؤوسنا، حتى صار صعبا أن نوقف الضحك.

“ما الذي حدث لموعدك مع جيمي هندريكس؟

نفخت روبرتا بشفتيها.

عندما مات تذكرتك“.

أوه، هل سمعت عنه أخيرا؟

أخيرا! حسبك، لقد كنت مجرد نادلة في إحدى القرى الصغيرة“.

وأنا، كنت عابرة في إحدى القرى الصغيرة. يا إلهي، لكم كنَّا متوحشين. ما زلت لا أعلم كيف خرجت حية من هناك“.

لكنك فعلتٍ“.

نعم. خرجت بالفعل. الآن أنا السيدة كينيث نورتون“.

يبدو أنه ذو شأن كبير“.

إنه كذلك“.

لديك خدم وما شابه؟” عقدت روبرتا أصبعين.

واو! ماذا يعمل زوجك؟

في مجال الكمبيوتر وتلك الأشياء. كيف لي أن أعرف؟

اللعنة، لا أذكر الكثير من الأشياء هذه الأيام، لكن يا إلهي، كان ملجأ سان بوني واضحا كالشمس. هل تذكرين ماجي؟ ذلك اليوم الذي وقعت فيه، وضحكت عليها الفتيات الكبار؟

رفعت روبرتا عينيها عن طبق السلاطة، وحدَّقت فيَّ. “ماجي لم تقع” قالت.

لا، لقد وقعت. أنت تذكرين“.

لا، تويلا. هم من أوقعوها. تلك الفتيات دفعنها فسقطت، ومزقوا ملابسها، في البستان“.

أبدا، ليس ذلك ما حدث“.

أكيد، ذلك ما حدث. في البستان، أتذكرين كم كنا خائفتين؟

انتظري، أنا لا أذكر شيئا من ذلك“.

وتم طرد بوزو من عملها“.

أنت حمقاء. لقد كانت موجودة حين غادرت. وأنت تركت الملجأ قبلي“.

لقد عدت إلى الملجأ، ولم تكوني هناك عندما طردوا بوزو“.

ماذا؟

عدت مرتان. مرة لمدة عام، عندما كنت في العاشرة، وأخرى لشهرين، عندما كنت في الرابعة عشرة. ذلك حينما هربت

أنت هربتِ من ملجأ سان بوني؟

كان عليَّ أن أفعل ذلك. ماذا تريدين؟ أن أرقص في البستان؟

هل أنت متأكدة بخصوص حادث ماجي؟

بالطبع، أنا متأكدة“.

لقد انطمس هذا الحادث من ذاكرتك، تويلا. لقد حدث. أولئك الفتيات كانت لديهن مشاكل سلوكية، كما تعلمين“.

أكانوا كذلك، ليكن. لكن لماذا لا أستطيع تذكر حادثة ماجي؟

صدقيني. لقد حدث. وكنا هناك“.

من كانت رفيقتك في الغرفة عندما رجعتي؟” سألتها كما لو أني كنت سأعرف رفيقتها. كانت مسألة ماجي تربكني.

يتحركن بخفة، وكن يداعبن أنفسهن في الليل

انتابتني حكة في أذني، ورغبت فجأة في العودة إلى المنزل. لا باس بهذا كله ، لكنها لم تكن قادرة حتى على تمشيط شعرها، أو غسل وجهها، وتتظاهر بأن كل شيء على ما يرام. بعد ما حدث في مطعم هاوارد جونسون. ولا اعتذار. ولا شيء.

هل كنت منتشية بتأثير المخدرات ذلك اليوم، في مطعم هاوارد جونسون؟” حاولت أن أجعل نبرة صوتي أكثر حميمية بأكثر مما شعرت به.

قليلا، ربما. أنا لا أتناول الكثير من المخدرات أبدا. لماذا تسألين؟

لا أدري، لقد تصرفتِ كما لو كنت لا ترغبين في أن تقابليني حينها“.

أوه، تويلا، تعلمين كيف كان الحال في تلك الفترة: أبيض ـ أسود. تعلمين كيف كانت الأمور“.

لكني لم أكن أعلم. ظننت الأمور على عكس ذلك، فحينذاك أتت حافلة تمتلئ بالسود والبيض معا إلى المطعم. تجولوا معا: طلاب، وموسيقيين، وعشاق، ونشطاء سياسيين. كان يمكنك أن ترى كل شيء في مطعم هاوارد جونسون، وكان السود ودودين للغاية مع البيض في تلك الأيام.

لكن الجلوس هناك، وليس في صحني غير شريحتي طماطم جامدتين، أفكر في ذوبان ألواح الآيس كريم كلوندايك، يبدو كذكريات طفولية إلى حد ما.

ذهبنا إلى سيارتها، وبمعاونة السائق، وضعت  أكياس مشترياتي في سيارتي.

سنبقى على اتصال هذه المرة“، قالت.

بالتأكيد“، قلت. “بالتأكيد. اتصلي بي“.

سأفعل“، قالت، وما إن جلستُ في مقعد السيارة، حتى مالت على النافذة. “بالمناسبة، هل توقفت أمك عن الرقص؟

هززت رأسي. “لا. مطلقا“. نكست  روبرتا رأسها.

وأنت، هل شفيت أمك ؟

أبدت ابتسامة حزينة. “لا. لم تشفى أبدا. اسمعي، اتصلي بي، اتفقنا“.

حسنا“، قلت، وأنا أعلم أني لن أفعل. لقد أفسدت روبرتا عليَّ تاريخي الماضي بطريقة ما، بما قالته عن موضوع ماجي. ما كنت لأنسى أمرا مثل هذا. أيمكن أن أنسى؟

حلت الفتنة علينا ذلك الخريف. على الأقل هذا ما أطلقته عليها الصحف؛ فتنة.

فتنة عرقية. ذكرتني الكلمة بطائر ـ طائر صداح من عصر ما قبل الميلاد بألف مليون عام، يرفرف بجناحيه وينعق. ليس لعيونه جفون، ويحمل عليك دوما. يطلق صرخات ذعر طوال النهار ، وفي الليل يبيت على أسطح المنازل. يوقظك في الصباح، ويبقيك، بداية من أخبار الصباح، إلى أخبار الحادية عشر مساء، في صحبة مروعة. لم أقدر على تبينه من يوم لآخر. أعلم أنه كان علي الشعور بوقوع حدث خطير، لكني لم أعلم ما الأمر، وجيمس لم يكن يفيدني في شيء.

كان جوزيف على قائمة الأطفال الذين سيتم نقلهم من المدرسة الإعدادية إلى مدرسة أخرى، في مكان بعيد عن الطريق، وكنت أظنه أمرا جيدا إلى أن سمعت أنه أمر سيء. ما أقصده؛ إنني لا أعلم. كل المدارس سيئة بالنسبة لي، وإن كانت إحداها أفضل مظهرا فهذا لا يعني شيئا بالنسبة لي. لكن الصحف تذخر بإعلانات عنها، والأطفال يتحمسون لها. في شهر أغسطس، هل تتصور ذلك. بل إن المدارس لم تكن قد فتحت بعد. ظننت أن جوزيف سيخشى الذهاب إلى هناك، لكنه لم يبدو خائفا، لذا فقد تجاهلت الأمر، إلى أن وجدتني أقود السيارة على طريق هدسون، إلى جوار المدرسة التي يحاولون دمجها. رأيت صفا من النساء يمشين. ولكم أن تتصوروا من رأيت في الصف، كبيرة كالحياة، تحمل لافتة أكبر من الصليب التي كانت تعلقه أمها؟ وعلى اللافتة: (للأمهات حقوق أيضا!)

واصلت التحرك بالسيارة، ثم غيرت رأيي. درت حول المبنى، أبطأت، واطلقت النفير.

نظرت روبرتا نحوي، وعندما رأتني لوحت بيدها. لم ألوح لها، لكني لم أتحرك أيضا. كانت تحمل لافتتها لتراها النساء الأخريات، وجاءت حيث أوقفت سيارتي.

أهلا“.

ماذا تفعلين؟

اعتصام. ماذا ترين؟

لأي سبب؟

ماذا تعنين، لأي سبب؟ لن يأخذوا أطفالي ويرسلوا بهم بعيدا. إنهم لا يريدون الذهاب“.

وما الضرر في أن يذهبوا إلى مدرسة أخرى؟ إنهم يأخذون أولادي بالحافلة أيضا، ولا أرى مانعا من ذلك، لماذا تعترضين أنت؟

الأمر لا يتعلق بنا، تويلا؛ أنا وأنت، الأمر يتعلق بأطفالنا“.

وما هو أهم لنا من ذلك؟

حسنا، إنه بلد حر“.

ليس بعد، لكنه سيكون كذلك“.

اللعنة، ماذا يعني ذلك؟ أنا لا أفعل شيئا لك“.

أتظنين ذلك حقا؟

أعلم ذلك“.

لا أدري ما الذي جعلني أظن أنك تغيرت“.

لا أدري ما الذي جعلني أظن أنك تغيرت“.

انظري إليهن“، قلت. “انظري فقط. من يظنون أنفسهن؟ يحتشدن في المكان كما لو أنه ملك لهن، والآن يحسبن أنه بإمكانهن تقرير أي مدرسة يذهب إليها أطفالي. انظري إليهن روبرتا، كلهن بوزو“.

استدارت روبرتا، ونظرت إلى النساء، معظمهن كن يقفن ساكنات الآن، ينتظرن. بعضهن شرعن في التوجه نحونا. نظرت روبرتا إلي نظرة باردة. “لا، إنهن لسن كذلك. إنهن أمهات“.

وماذا أكون أنا؟ قالب جبنة سويسرية؟

لقد اعتدت أن أجعد لك شعرك“.

كنت أكره يدك وهي في شعري“.

كانت النساء يتحركن. بدا وجهينا ساخطين لهن بالتأكيد، وبدا كما لو كن يتحرقن من أجل أن يلقين بأنفسهن أمام سيارة الشرطة، أو أفضل من ذلك، داخل سيارتي، ويسحبوني من أقدامي. الآن، يحاصرن سيارتي، ورويدا رويدا، بدأوا في هزها. كنت أتمايل إلى الأمام وإلى الخلف مثل بندول. بنحو تلقائي، مددت يدي نحو روبرتا، كما في الأيام الخوالي في البستان، عندما كانوا يروننا ونحن نراقبهن، ونحاول الهروب منهن، فإذا وقعت إحدانا تجذبها الأخرى، لتساعدها على النهوض، وإذا أمسكن بإحدانا، تبقى الأخرى لتصارعهم بركلاتها وخربشاتها، ولا تترك الأخرى. مددت ذراعي من نافذة السيارة، لكني لم أجد يدا تتلقاها. كانت روبرتا تراني وأنا أتأرجح من جانب لآخر في السيارة، ولم تحرك ساكنا. انزلقت حقيبتي من على المقعد، وأخيرا، أدرك رجال الشرطة الأربعة، الذين كانوا يشربون الكولا في سيارتهم، الأمر، فترجلوا، واخترقوا طريقهم  خلال حشد النساء. بهدوء، وبصرامة، قالوا: “حسنا أيتها النساء، عدن إلى خلف الخط، أو غادرن الشارع“.

ابتعدت بعضهن بهدوء، واحتاجت أخريات بعض الإصرار ليبتعدن عن أبواب السيارة ومن أمامها. لم تتحرك روبرتا ، كانت تنظر بثبات نحوي، كنت أجوس بيدي لتشغيل السيارة، التي لم تدر لأن ناقل الحركة كان على وضع القيادة. الفوضى تعم المقاعد، إذ تسبب التأرجح في وقوع أكياس البقالة والكوبونات عليها، وحقيبتي ملقاة في أرضية السيارة.

ربما أكون مختلفة الآن، تويلا، أما أنت فلا. ما زلت كما أنت؛ ابنة المدينة، التي تركل سيدة سوداء فقيرة، عندما تسقط على الأرض. لقد ركلت امرأة سوداء، وتجرئين على نعتي بالمتعصبة“.

تناثرت الكوبونات في أرجاء السيارة، وحقيبتي تناثرت أحشاؤها في الأرضية. ما الذي قالته؟ سوداء؟ ماجي لم تكن سوداء.

لم تكن سوداء“، قلت.

يا للجحيم، ألم تكن سوداء، وأنت ركلتها. كلانا فعل. ركلتِ امرأة سوداء، لم تقدر حتى على الصراخ“.

كاذبة!

أنت الكاذبة! لماذا لا تعودين إلى منزلك وتتركينا وشأننا؟

استدارت مبتعدة، واطلقت أنا العنان للسيارة.

 في الصباح التالي، ذهبت إلى مرآب البيت، وقطعت أحد جوانب الصندوق الكرتوني للتلفاز. كان كبيرا بنحو كاف. بعد قليل صار لدي لافتة جيدة: حروف باللون الأحمر، فوق خلفية بيضاء، كتبت فيها: (وكذلك للأطفال ****). وقررت الذهاب إلى المدرسة، وأن أثبت اللافتة هناك، في مكان عالي، وبذلك يمكن لتلك الأبقار، في حشد المعتصمات، على الجانب الآخر من الشارع، أن يروها، لكني وجدت، حين وصلت إلى هناك، ما يزيد على عشرة نساء أخريات، اجتمعن معا للاعتراض على البقرات المعتصمات عبر الشارع. حصلن على تصريح من الشرطة، وجهزن كل شيء. وقفت في الصف معهن، وتبخترنا في الجانب الخاص بنا، بينما تبخترت مجموعة روبرتا في الجانب الخاص بها من الشارع. في اليوم الأول، التزمنا الوقار، كأن الحشد المواجه لنا غير موجود. في اليوم التالي، كان هناك سباب، وإشارات بالأصابع. كان هذا كل شيء. كانت المتظاهرات يغيرن لافتاتهن بين الحين والآخر، أما روبرتا فلم تفعل أبدا، وكذلك أنا. الحقيقة أن لافتتي ما كان لها معنى دون لافتة روبرتا.

وكذلك للأطفال، ماذا؟” سألتني امرأة ممن يقفن في جانبنا. “لهم حقوق“، قلت، كما لو أن الأمر لا يحتاج إلى إيضاح.

لم تُبدي روبرتا ما يدل على أنها رأتني، ففكرت أنها قد لا تعلم أني موجودة. بدأت في التحرك خلال الصف، أزاحم الناس أحيانا، ثم أتأخر خلفهم حينا آخر، هكذا يمكن أن تبلغ روبرتا وأنا نهاية الصف الخاص بكل واحدة منا في الوقت نفسه، وهناك تحين لحظة التفاتنا للرجوع، فتواجه إحدانا الأخرى. مع ذلك، فليس بمقدوري معرفة ما إذا كانت رأتني وتعرَّفت على لافتتي، وعلمت أنها  ردٌّ على لافتتها. في اليوم التالي، ذهبت في وقت مبكر، قبل الموعد المتفق عليه للتظاهر. انتظرت إلى أن جاءت، قبل أن أعرض لافتتي المبتكرة. بمجرد أن رفعت لافتتها (للأمهات حقوق أيضا!) شرعت في التلويح بلافتتي، التي كتبت فيها (كيف تعلمين؟) أعلم أنها رأت هذه اللافتة، لكني صرت مهووسة بهذا الأمر. كل يوم كانت لافتاتي تزداد جنونا، واعتقدت النساء في جانبي أنني غريبة الأحوال. لم يكن بمقدورهن فهم شيء من  لافتاتي الصارخة الرائعة.

أحضرت لافتة مطلية باللون الأحمر الملكي، وعليها، بحروف سوداء كبيرة كتبت (هل أمك بخير؟) ذهبت روبرتا إلى الغداء، ذلك اليوم، ولم تعد، ولا في الأيام التالية. توقفت أنا أيضا عن الذهاب بعد يومين، ما كانوا ليفتقدوا وجودي، فعلى أية حال، لم يفهمن ما أكتبه على لافتاتي.

كانت ستة أسابيع سيئة، توقفت الدراسة، ولم يذهب جوزيف إلى أي مدرسة حتى أكتوبر. سرعان شعر الأطفال ـ كل الأطفال ـ بالضجر والملل من تلك الإجازة الطويلة، التي ظنوا أنها ستكون ممتعة. ظلوا يشاهدون التلفاز حتى رهقت عيونهم. قضيت صباح يومين في المذاكرة لأبني، إذ يجب علينا ذلك، كما قالت الأمهات الأخريات. لمرتين أبدأ نصا، من العام الماضي، لم يدرسه قط. لمرتين تثاءب في وجهي. رتبت أمهات أخريات دروسا في حجرة المعيشة، وهكذا يبقى الأطفال متابعين لدروسهم. لم يقدر أي من الأطفال على التركيز، لذا فقد انجرفوا إلى برامج الألعاب التلفزيونية والمسلسلات. عندما أعيد فتح المدرسة، كان هناك شجار أو اثنين، وفي بعض الأحيان، كان نفير سيارات الشرطة ينطلق في الشوارع. كان هناك الكثير من المصورين من مدينة ألباني، وعندما قررت محطة ABC أن ترسل فريقا لتغطية الحدث، هدأ الأولاد وكأن شيئا لم يحدث قط. علق جوزيف لافتة (كيف تعلمين؟) في غرفة نومه. لا أعلم ما الذي حدث للافتة (وكذلك الأطفال ****). أظن أن حماي قد نظف بعض الأسماك فوقها، فكثيرا ما كان يتجول في مرآبنا؛ فكلٌ من أبنائه الخمسة عاش في نيوبرج، وكان يتصرف كما لو أنه يملك خمسة منازل.

لم أستطع منع نفسي من البحث عن روبرتا عندما تخرَّج جوزيف من المدرسة الثانوية، لكني لم أرها. لم يضايقني كثيرا ما قالته لي في السيارة. أعني مسألة ركل ماجي. أعلم إني لم أفعل ذلك، لا يمكن أن أفعل ذلك. لكن ما أصابني بالحيرة هو ما ذكرته من أن ماجي كانت سوداء. حينما فكرت في ذلك، لم أكن متيقنة، فهي لم تكن شديدة السواد، أعلم، وإلا لكنت تذكرت ذلك. ما أذكره هو قلنسوة الأطفال، والأرجل المقوسة. حاولت طمأنة نفسي بخصوص المسألة العنصرية طويلا، حتى تبين لي أنها أمر واقع، وروبرتا كانت تعلم ذلك. أنا لم أركلها، لم أشارك الفتيات الكبار في ركل تلك المرأة، لكني متأكدة من أني كنت أرغب في ركلها. لقد راقبنا، ولم نحاول مساعدتها، وهي لم تطلب مساعدة قط. ماجي هي كأمي الراقصة؛ صماء، أظن، وبكماء.

لا أحد في الداخل. لن يسمعك أحد إذا ما بكيت في الليل. لا أحد يمكنه أن يخبرك بأي شيء مهم يمكنك الإفادة منه. تهتز، وترقص، وتتدلل وهي تمشي. وحين أوقعتها الفتيات الكبار، وبدأت العراك، كنت أعلم أنها لن تصرخ، لا تستطيع ـ مثلي تماما، وكنت مسرورة لذلك.

قررنا عدم شراء شجرة، لأن الاحتفال بعيد الميلاد سيكون في منزل حماتي، فلماذا يكون لدينا شجرتان في منزلين؟ التحق جوزيف بالكلية بجامعة الولاية بمدينة نيويورك، لذا كان علينا أن نقتصد في مصروفاتنا، اتفقنا على ذلك. لكن في اللحظة الأخيرة، بدلت رأيي. لا يمكن أن يكون الأمر بهذا السوء، لذا هرعت  أبحث في أنحاء المدينة عن شجرة صغيرة ولكن كثيفة. كان الوقت متأخرا جدا حين عثرت على متجر، وكان الثلج يتساقط. تأنيت كما لو أن هذه هي أهم عملية شراء في العالم، حتى لقد سأم البائع مني. أخيرا، اخترت شجرة وربطها الرجل لي في حقيبة السيارة. قدت السيارة ببطء؛ لأن جرافات الثلج لم تكن قد بدأت عملها بعد، والطرق خطيرة للغاية مع بداية هطول الثلج. في وسط المدينة، كانت الشوارع واسعة وخالية، عدا مجموعة من النزلاء الذين يغادرون فندق نيوبرج. الفندق الوحيد الذي لم يُبنى بألواح الورق المقوى والبلاستيك. الرجال الذين تجمعوا تحت البَرَد كانوا يرتدون السموكينج، وكانت النساء ترتدي الفراء. تلمع أشياء تحت معاطفهم. أتعبني النظر إليهم. أتعبني، أتعبني، أتعبني. عند الناصية التالية، كان مطعم صغير، يعلق شرائط، وشرائط ملولبة، تتعلق بها أجراس ورقية، في النافذة. أوقفت السيارة، ودخلت المطعم لأحتسي فنجانا من القهوة، وأحصل على عشرين دقيقة من السلام قبل أن أعود إلى المنزل، لأحاول ترتيب كل شيء قبل أمسية عيد الميلاد.

تويلا؟”

كانت هي. في ثوب سهرة فضي، ومعطف من الفراء الداكن. بصحبتها رجل وامرأة أخرى. كان الرجل يتفحص جيبه بحثا عن عملة معدنية لآلة السجائر. كانت المرأة تدندن وتنقر على الطاولة بأظافرها. بدوا سكارى قليلا.

حسنا، إنه أنت“.

كيف حالك؟

هززت كتفي “بخير حال. منهكة؛ عيد الميلاد، وتلك الأمور المرهقة“.

المعتاد؟” صاحت المرأة الجالسة عند البار.

نعم“، صاحت روبرتا ردا عليها، ثم قالت: “انتظريني في السيارة“.

انزلقت إلى السيارة بجواري، “عليَّ أن أخبرك شيئا، تويلا. لقد قررت إن رأيتك مرة أخرى، أن أخبرك“.

كأني لم أسمع شيئا، روبرتا. لا يهم الآن، على أية حال“.

لا“، قالت. “لا يتعلق الأمر بذلك“.

لا تتأخري“، قالت المرأة، وكانت تحمل كأسين لتشرباهما في الخارج، وكان الرجل ينزع سيلوفان علبة السجائر، وهما يغادران.

إنه بخصوص الملجأ وماجي“.

أوه، من فضلك“.

انصتي، اعتقدت فعلا أنها كانت سوداء. أنا لم أختلق ذلك. هكذا فكرت بالفعل. لكني غير متأكدة الآن، فقط، أذكر إنها كانت عجوز، كهلة، ولأنها لم تكن تستطيع الكلام، كما تعرفين، ظننتها مجنونة، لقد صارت في موقف يشبه موقف أمي، وكما أتوقع أن أكون أنا أيضا، أنت محقة، نحن لم نقم بركلها، الفتيات الكبار هن من فعل ذلك، هن فقط، لكن، حسنا، لقد أردت أن أفعل ذلك، لقد رغبت فعلا في أن يوقعوا بها الأذى. لقد قلت إننا فعلنا ذلك أيضا، أنت وأنا، لكن هذا غير حقيقي، ولا أريد أن يظل هذا في نفسك، لا يزيد الأمر عن أني رغبت أن أفعل ذلك بشدة ذلك اليوم ـ والرغبة في الفعل هي فعل“.

تبللت عيناها بتأثير الشراب، كما أظن. هذا ما يحدث معي؛ يكفي كأس واحد لأبدأ في البكاء لأبسط الأسباب.

كنا صغارا، روبرتا“.

نعم. نعم. أعلم، مجرد أطفال“.

في الثامنة“.

الثامنة“.

ووحيدتين“.

خائفتين، أيضا“.

مسحت وجنتيها بباطن كفها وابتسمت. “حسنا، هذا كل ما أردت أن أخبرك به“.

أومأتُ، ولم أجد ما أملأ به الصمت الذي هب من المطعم عبر الأجراس الورقية خارجا إلى الثلج، الذي زاد كثافة الآن. فكرت أنه من الأفضل أن أنتظر جرافات الثلج قبل أن أشرع في العودة إلى المنزل.

شكرا، روبرتا“.

لا بأس“.

هل قلت لكِ إن أمي لم تتوقف عن الرقص أبدا “.

نعم، قلت لي، وأمي، لم تشفى أبدا“. رفعت روبرتا يديها وغطت وجهها بكفيها. عندما رفعتهما عن وجهها كانت تبكي بالفعل.

تبا، تويلا. تبا، تبا، تبا. بحق الجحيم، ما الذي حدث لماجي؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • ريسيتيتيف recitative: (إلقاء منغَّم). نمط إلقاء موسيقي، يراوح بين الغناء والكلام العادي، يستخدم بشكل خاص للحوار أو السرد في الأوبرا. يعبر اسم القصة عن الأداء الفردي لتويلا، في إلقائها لقصتها مع رفيقة طفولتها روبرتا، ولقائهما عبر السنين، وما كان بينهما خلالها.
  • توني موريسون (1931-2019): كاتبة أمريكية من أصول أفريقية، كتبت الرواية، والمقال، وقصص الأطفال. كانت الثانية بين أبناء أسرة تنتمي إلى الطبقة العاملة، وهي في الثانية من عمرها، لم يتمكن أبويها من سداد إيجار المنزل، فأشعل صاحبه النار فيه، وظلوا فيه يواجهونه بالضحك ولم ييأسوا، كما حكت. رسخ أبويها في نفسها الثقافة الأفروأمريكية، من خلال الحكايات الفولكلورية والأغاني. التحقت بجامعة هاوارد، وحصلت منها على بكالوريوس الأدب الإنجليزي (1953)، وحصلت على الماجستير من جامعة كورنيل، عملت في جامعة تكساس، ثم في جامعة هاوارد، ثم كمحررة في دار للنشر، وكان من أعمالها تحرير كتاب عن الأدب الأفروأمريكي، جمعت فيه قصصا لمجموعة من أشهر الكتاب. كانت أولى أعمالها رواية “أكثر العيون زرقة” (1970)، ثم كتبت روايتها التالية “سولا” (1973) التي رُشحت لجائزة الكتاب الوطنية. ثم كانت روايتها الثالثة “أغنية سليمان” (1977) التي حصلت على جائزة حلقة نقاد الكتاب الوطنية. في (1979) منحتها كلية برنارد وسام برنارد للتميز. وروايتها التالية “طفل القطران” (1981). ثم كانت أشهر رواياتها، ثلاثية الحب:  “محبوبة” (1987)، و”جاز” (1992)، و”الفردوس” (1998). وفي عام (1993) حصلت توني موريسون على جائزة نوبل في الأدب، كأول كاتبة سوداء على الإطلاق. وقالت لجنة الجائزة: “إن أعمال موريسون تتميز بقوة البصيرة، والعمق الشعري، وتبرز جانبًا مهمًا من حقيقة الحياة الأمريكية”. توفيت موريسون في أغسطس (2019) وقد تركت 11 رواية، وقصتان قصيرتان، ومسرحيتان، وبعض كتب للأطفال، وثلاث كتب نقدية.