“رسالة الماء”.. فصل من رواية أكابيللا

مي التلمساني

أكتب لك بعد أن أخذت حمَّامًا ساخنًا. وقفت تحت الماء المنهمر دقائق قبل أن أزيح الستار عن جسدي وأخطو خارج البانيو. دقائق من النشوة الخالصة، صمت يحملني إِلَى الداخل، عيناي مغمَضتان عَلَى صورتك. يغمرني الماء، تغمرني أحاسيس هِيَ شمس ونور وظلال. كأنِّي عدت جميلة من جديد. أتحسس جسدي وأتخيل أنك معي، يدي ويدك مَعًا، عَلَى نهد البنت النحيفة الَّتِي لم تفلح بعد فِي أن تكون امرأة، عَلَى بطنها المتكور، عَلَى تعاريج خصرها، عَلَى أعلى الفخذ. الفرق بينك وبين الآخرين خبرتهم بجسدي، جهلك بِهِ. لم تلمسني، حلمت بِي فقط. لو لم تلمسني رُبَّمَا كففت عن الحلم أيضًا. قرار لاَ أعرف مصدره اتخذته وحدي، لاَ رادع للرغبة الجنسية الْمُلِحَّة سوى الرَّغبة فِي أن نظلَّ صديقين، أن نكتشف الحالة دون أن نتلامس. قرار ضد الرَّغبة، ضد الطبيعة، متسق فقط مع تصور خلقته لنفسي فجأة، فرضته عَلَى نفسي فجأة، تصوُّر عن الحب، الأخلاق، اللذة في اكتمالها، لاَ أعرف تحديدًا. أمهلني بعض الوقت لأفكر. لنقُل إِنه تصوُّر ضد إلحاح الطبيعة، مع استمرار الغواية عَلَى طول الخط.

لو ظل الحب حيًّا، آه لو ظل حيًّا! أجفف جسدي ببطء وأتذكر أن أسامة كان يحب أن يجفف لِي ظهري بعد الحمام ثم كفَّ عن هذه العادة بعد سنة من زواجنا. اختفت من حياتنا عادات كثيرة كانت تعطي لقاءنا طعم النعناع. ذابت حبة النعناع وخلَّفَت وراءها طعمًا مُرًّا، كان حبنا مُرًّا، نقول إِننا نحب وجسدانا لاَ يطيعان. أصبحت أخجل من وجوده معي فِي الحمام، بعد الحمام. أخجل من نظرته ورغبته كُلَّمَا رآني عارية. هُوَ من يعرف هذا الجسد، علَّمتُه إِياه ركنًا ركنًا، وهو من يراني جميلة، ست البنات. لكنِّي لم أعد أنصت إِلَى إِطرائه ولم يعُد جسدي يصغي. تعود أن يكون جميلاً تحت عينيه، بين ذراعيه. ثم لم يعُد يتوق إِلَى مَا يعرف. كفَّ عن الإِنصات. يأكل آليًّا، يشرب آليًّا، يحصل عَلَى اللذة آليًّا. يبقى الحب يرفرف بجناحين ضعيفين، يعيد إِحياء الجذوة كُلَّمَا عنّ لَهَا أن تخبو. أحيانًا، فِي وحدتي، أتمنَّى لو أننا لم نتركها تخبو. ثم أضحك من سذاجتي، أضحك بصوت عالٍ أمام المرآة، وأكره نفسي الأمَّارة بالسوء. أكره الملل والوقت والعادة ورواسب التكرار. أكرهها وأغمز بعيني وأضحك عاليًا. تعرف هذا النوع من الخبل؟ حين تنظر إِلَى نفسك فِي المرآة فتراها تنظر إِليك؟

نتفق أولاً: لأنك صديقي ولأني أشتهيك، سأحكي لك عن حبي لأسامة وسأترك الزوج الثاني خارج حكايات الحب. تفهم أنِّي لاَ أستمتع بالحديث عَنْهُ. هُوَ أبو الولد، والولد تركته لَهُ وهربت. لن تصدِّق أن أنزع من قلبي الأمومة، أن أتركها تعوي مثل ذئبة منتفخة عَلَى قارعة الطريق. أمومة لاَ تليق بِي، تليق بصديقاتي رُبَّمَا، لكنِّي لست مثلهن، أمومتي أقرب إِلَى الأبوَّة، ليس من معانيها الالتصاق، بل التخلِّي والاكتفاء بهبة البنوَّة. الزوج الثاني كان غشيمًا. لاَ أعرف لِمَاذَا أحببت الارتباط بِهِ، لاَ أعرف ماذا اجتذبني إِليه، رُبَّمَا اجتذبتني بكارته، ورُبَّمَا لأني كنت قد مللت شقَّة أسامة الضيقة الَّتِي تركها لِي بعد طلاقنا، مللت الحساب ومصروفات البيت الشحيحة والديون المتراكمة. الثاني كان يمتلك من المال قنطارًا. ذهب، هدايا، سفر، وأخلاق عالية، عالية لدرجة تفوق الوصف. كنت أول امرأة فِي حياته، شيء لاَ يحتمله عقل إِنسان. فِي البداية أعجبتني لمسته الخشنة آخر الليل. بعد ثلاث سنوات لم أعد أحتمل، نفَس قصير فِي الحب وفي الفراش وأنانية أماتت رُوحي. لكن دعنا من المبالغات، لم يكُن سيِّئًا إِلَى هذا الحد، كان عطوفًا وغبيًّا، تفهم مَا أقصد؟

حَتَّى تجرِبة الأمومة مرَّت مثل حلم. كنت غارقة فِي تعاسة الزواج الثاني وفكرة الطلاق تراودني كلّ يوم، أردت أن أجرب استقرار الأمهات. ثم أفقت من حلم الاستقرار عَلَى وجه طفل جميل يبكي ويطلب مَا لاَ أقدر عَلَى منحه لَهُ، حب ووقت ورعاية. عدت إِلَى شقتي القديمة لمجرَّد أن أهرب من الولد وأبيه، زاد ارتباطي بالشِّلَّة والناس والورق والألوان والحرية. تضحك؟ لاَ تضحك. تُضحِكُني حين تضحك. خذ سيجارة وأبعد عينيك عنِّي وَأَنَا أكتب. نعم، الحرية شيء حيوي جدًّا سأتحدث عَنْهُ فِي مَا بعد. لن أطيل عليك، انفصلنا بهدوء وبلا رغبة فِي الانتقام. كأنه يفهم السَّبَب فِي طلب الطلاق، رغم أنِّي مقتنعة أنه لاَ يفهم شيئًا. لم يلحظ مثلاً نمو علاقتي بكريم فِي تلك الفترة، أو تغاضى عنها، لاَ أدري. كان غشيمًا حَتَّى فِي المعارك.

لو لمستني رُبَّمَا يصحو جسدي، رُبَّمَا يعرف خبرة لم يعرفها من قبل. لكننا سنحرم أنفسنا منها الآن. بقرار أَنَا صاحبته وليس لك يد فِيهِ. قبَّلتَني. بل قبَّلتُك. وعرفت بما لاَ يقبل الشَّكّ، أن جسدي سيتوق إِلَى جسدك، وأنِّي سأحرمه الرَّغبة. تسألني لِمَاذَا؟ وتثور عَلَى منطق النساء الخالي من أي منطق. تقول إِني أشبههن جميعًا، لاَ فرق بيني وبينهن، كأنَّك تتحدى الرجل بداخلي، لكنك تعرف أن منطق الغواية لاَ يهزمه الزمن. تهادن وتقترب وأُبعِدُك بنظرة. أقول لك Not so soon. لِمَاذَا؟ سأجيبك فِي مَا بعد، فأنا نفسي لاَ أعرف لِمَاذَا. تحت الماء الساخن، هذا الصباح، رأيتك رغم عينَيَّ الْمُغمَضَتَين، تحسَّستَني ودخلت. أقول لك الحقّ، انخلع قلبي. انخلع من مكانه لمجرَّد أن خيالك مر من هُنَاك، من بين خيوط الماء المنسكبة عَلَى رأسي. كأنَّك أمل أو وعد أو نداء مجهول سيعيد اكتشاف مَا ترنح وتهاوى من جسدي العاطل.

بعد الدُّشِّ، شاي بحليب وتوست بالزبد ومربَّى البرتقال. أكتب لك خطابا رغم أن بيني وبينك ساعات معدودات بالسيَّارة. أنت الآن فِي قريتنا، وَأَنَا أتمنَّى لو آتي إِليك، أطرق بابك وأدخل. لاَ لشيء إِلاَّ لأسألك كيف كانت ليلتك. هل نمت جيدًا؟ هل حلمت بِي؟ هل قبَّلتَني هكذا فِي الحلم، وأقبِّلك لعلك تتذكر طعم قبلتي المبلَّلة بالرَّغبة. الحلم أحلى أم الحقيقة؟ دلع البنات الَّذِي لاَ أحبه، دلع البنات الَّذِي تطالبني بِهِ ليشتدَّ شَبَقُك. تقول إِن صوتي وحده بهذه البحة وبنبرة ست البنات الَّتِي تحبها كفيل بأن يشعل نارًا فِي أعضائك. بيني وبينك هاتف لاَ أهوى استخدامه، يشعل الجذوة وَلاَ يخمدها. الكتابة أقل شَبَقًا من الهاتف. أكتب إِليك وأقرر أن لاَ أرتدي أحسن ملابسي للقائك. أخاف أن تقبِّلني ثانية. أخاف أن أفرح ثانية. أخاف أن ترتفع قدماي عدة سنتيمترات عن الأرض وأنت تحملني وتطيِّرني كالفراشة. أخاف من السقوط. من الحبة قبة، تقول. من الحبة قبة، أجيبك بخبرة الفراشات.

لوهلة تصورت وأنت تقبِّلني أن رجلا وامرأة يسكُنَّان جسدي. رأيتك بعينَيْ تلك المرأة ورأيت نفسي بعينَيْ ذلك الرجل. أعرف أنه بداخلي. مَا أعطيه لك هُوَ مَا أخذته منك، رأيت نفسي فِي عينيك جميلة، ورأيتك فِي عيني وأنت تتفرج عَلَى جسدي، بجفنين مُغمَضَين وقلب يقظ. تقتنص قبلة أخرى من عمق سحيق لم تبلغه شفتاك. وتمرِّر لسانك عَلَى شفتَيَّ، تبللهما بعطر اشتريته من مطار بعيد، وتعود لترشف منهما رشفة أخيرة. تبتعد عنِّي قليلاً وأفتح عينَيَّ ببطء لأراك تبتعد، تتأمل وجهي مزهوًّا بلحظة انتصار لن يشهده غيرك. غيرنا. نعرف أن حروبًا صغيرة فِي الخارج مَا زالت دائرة، لكننا كسبنا حربًا كبيرة دارت هُنَا، ضد الزمن، ضد المسافة، ضد الملل الَّذِي نعرفه ونفلت من براثنه من وقت إِلَى آخر، هكذا. بالحب المفاجئ، والشوق. نتوهمه، نحب أن نتوهمه ذلك الشوق. نحب أن يفاجئنا من حيث لاَ ندري. أخضعناه مئة مرة، أخضعَنا مرة واحدة، قبلة هِيَ الأولى والأخيرة. الرجل فينا هُوَ الَّذِي قرَّر الانصياع، المرأة فينا هِيَ الَّتِي قادت الدفة. أتظن أنِّي لم أرها تلك المرأة بداخلك؟ أتظن أنِّي لم أُحبِبْها كما أحببتك؟ أقبِّلك كأنِّي أقبِّل امرأة هِيَ أَنَا وأنت، تقبِّلني كأنَّك تقبِّل رجلاً هُوَ أَنَا وأنت. تحسم ذراعاك القويتان المعركة لصالح الرجل، يحسم نهدي الملتصق بصدرك المعركة لصالح المرأة. لوهلة نتذكر الدور وننتشي. وبعدها نعود إِلَى سابق عهدنا بأنفسنا، نتبادل الأدوار ونهوى تبادلها. ثم نخاف ونُحْجِم ونحسب ألف حساب كأنها أول مرة فنبتعد وننتظر.

………….

* رواية أكابيللا، دار شرقيات، 2012

عودة إلى الملف