رسالة إلى أحمد طه

هل ستتذكر رحلتنا العجائبية إلى لوديف في مؤتمر شعراء البحر المتوسط؟ جولاتنا وصولاتنا ليلا كالغرقى الهيمانين في مزوج المشارب المتباينة للشعراء من البلاد المختلفة؟ وأيام باريس. تلك الأيام القليلة التي قضيناها نتسكع في الشوارع كالهوام المرحين. هل تذكر ذلك التمثال الذي جلسنا تحته وادعينا أننا شحاذان؟ مددنا أيادينا وتجهمنا متقمصين الدور تماما وقلوبنا يملأها الضحك؟ هل تتذكر الشعر “الحلمنيتشي” الذي كنا نسخر باختراعه على كتابات الدواليب المقفولة شعر “الضلف ابو بابين”، لأننا حقيقة لم نكن نحب الدخول في نزاعات؟ نحن الساخرون الضاحكون على كل حال نثير الضجة حيثما تواجدنا بفكاهة عالية. لا نحب الجد. الجد يقوضنا ويخنقنا ولا يتسع لنا تجهمه. نحن الأرحب يا صديقي لأننا نتسع فعليا للجميع. وربما لأننا نتسع للجميع فقد زاحمونا رحابتنا وانحشروا فيها كلهم حتى أننا لم نعد نرى في رحابتنا متسع لنا لنقف فيه. هكذا ربما ولشدة الرحابة التي في صدورنا، تركنا لهم المكان ورحلنا. نحن أبناء الموت الطيبين لا نطالب الحياة بشيء سوى أن تكون صادقة مع نفسها، في تسمية نفسها بالحياة. وعندما لم يعد يطابق اسمها فعلها ربما وجدنا أن الموت أصدق، فرحل كل منا عن مواجهة عيون الآخر بطريقته. لا أخفي عليك يا أحمد أنني أشتاق لجلساتنا في بيتك كالمتشردين الهوملس على الأرض والكنب نجهز لمجلتنا. ونقرأ الفسائل ونسمع الكلاسيك والشعبي على حد سواء. كنت اتمنى أن تستمر مجلتنا. لكن أحدا غيرك منا لم يكن ليتمكن وحده ربما من تجميعنا معا. وعندما سحبتك الحياة عنا شيئا فشيئا ربما انسحبنا نحن ايضا بالبطء اللازم لعدم ملاحظة الانسحاب. سافر متولي (محمد متولي) وسافرت ايمان (ايمان مرسال) وسافر يماني (أحمد يماني) وياسر كذلك (ياسر عبد اللطيف) ومات أسامة (أسامة الدناصوري) ولم يبق أحد منا مكتملا بعدما نقصنا بغيابهم. يبدو أننا فرقعنا كقنبلة انشطرت شظاياها طائرة كلٌ إلى مكان. ومع انشطارنا غبنا جميعا كل واحد منا في طعنته الخاصة يداري صدره الخاص ممسكا بالخنجر الذي في قلبه لا يريد ان يخلعه فينزف ولا أن يتركه فيموت. بقينا هكذا كتماثيل متجمدة على لحظة الطعن. الواقع الذي سدد إلى كل منا طعنات عديدة ربما نجح في النهاية أن يصيبنا. لا أعرف.. ربما.. وربما أيضا كمن يشاهد لحظاته الأخيره قبل موت محتم، تمر أمامي مشاهد ذكرياتنا معا. مازلت لا أستطيع النظر إلى عينيك مباشرة يا صديقي. وأظن أنك أيضا لا تستطيع. كيف سنعلن لبعضنا البعض انهزام موجتنا القوية العاتية أمام واقع دأب على نحتها وتشويهها وفصل خلاياها وبترها وتهميشها وصدها بكل الطرق الفاضلة والدنيئة معا؟ كيف يمكننا أن نعلن لبعضنا البعض أن عشقنا للحياة وإصرارنا على اجتيازها ببوهمية مشرقة ضاحكة قد غلبتها قوانين صارمة راسخة لا تمت لنا بصلة؟ وأن الحياة التي أحببناها وانفرطنا فيها بكل ما أوتينا من عشق لتفاصيلها الكثيرة الصغيرة لطختنا بقضاياها الكبرى ووسمتنا بأحط ما يمكن أن يوسم به إنسان. لا أريد أن أصورنا ضحايا،لا. فنحن قد اخترنا طريقنا بأنفسنا. كلنا. فقط أريد أن أقول، لست وحدك يا صديقي. مازال يمكنني أن أبادلك تلك النظرة الجانبية الفاجرة التي تقول نعم لقد مررنا بكل المر الذي جرعتنا إياه الحياة ومازلنا رغم ذلك أحياء. أحياء برغم أنف الحياة نفسها. ونضحك. نضحك عليها هذه المرة وليس معها أبدا. نضحك لأننا أبناء الموت، الأبديون. التافهون كحشرة في نظر ديناصورات ستنقرض عاجلا أو آجلا. وأننا بكل النار التي تتقد في أرواحنا مازلنا نتكاثر نحن الشعراء الساكنون في التفاصيل الدقيقة لخلايا الكتابة – ونتحرّق شوقا وقلوبنا تتقد في انتظار عصر الجليد. أكتب إليك لأعلمك أنني بخير. وأنني على يقين بأنك بخير أيضا. وأن جميع أصدقائنا المتناثرين في بلدان العالم الأخرى بخير. مادمنا مازلنا نحمل تلك النظرة نفسها. بعيوننا المفتوحة. الوقحة. التي تعريّ خبث الحياة. ولا تندم على فعلتها أبدا.

شريكتك في الجريمة الكاملة

هدى حسين

هد