رسائل الكاتب للمخرج

حسين عبد الرحيم

عزيزي الغائب الحاضر. الحاضر الغائب، عرفتك كثيراً في الحياة، سيدي المخرج حسام الدين، أبلغك بأن شهراً ونصف قد مر وأنا أنزل المدينة بعد الفجر بساعتين، وأن البشر قد امتنعوا عن الذهاب لأعمالهم وباتت الشوارع خالية، وأن أشكو لك القيظ وحرارة الشمس التي لاتهبط إلا على أقفية الفقراء والعمال وهؤلاء الثكالي الملتحفين بلحم السماء في حدائق الرب القليلة في المدينة، بل أنني أكاد أزحف على بطني وظهري وأنا أترك منزلي ما بين ظلمة ونور الشوارع فلا أصادف في الطريق إلا الكلاب الجائعة التي كثرت فباتت تناطح وتزيد في أعدادها عن تلك العرجاء التي بترت سيقانها تحت عجلات التكاتك والسيارات الطائشة في مدن السلام وإسطبل عنتر وأثر النبي والسيدة نفيسة وفاطمة الزهراء النبوية والسيدة زينب، كله يا سيدي والسيدة زينب، هل عرفت ما حدث في منتصف رمضان ووقت أذان الظهر؟

باح لي صديقي جواد بأنه رأى كلبا يشبه والده، ووالده كان يشبهه وأنا أشبه والدي، وأنت بعيد. ملعون الموت وسكك إسرائيل ومسارات التفاوض وتلك القطارات التي تطن في أذني ليل نهار.

عن ماذا أكتب، وأنت كيف ستخرج كل هذه الأحداث، كيف ستصور الكلاب ومنهم الذي اعترض طريقي بالامس على ناصية فريد الترزي فتحسست حزام بنطالي، خلعته ولففته حول قبضتي واقترب الكلب وهممت بالقفز عليه وهو يعوي وياللفاجعة حدث مالم أن أتوقعه فقد بان هزيلا ومريضاً وأعرج وجائعاً شبه خائر، يلهث، يبحث عن بقايا الطعام في أكوام القمامة التي تنضح بالبراز الأصفر وفوط النساء المدعوكة في دماء متخثر.

يا سيد حسام، هل تراني، هل تسمعني ؟ !!، هل وصلتك رسالتي الأخيرة، سيدي، كان طريقنا واحدا لأكثر من عقود ثلاث نتواصل بالمهاتفات الأرضية والرسائل، وأنا أنظر مناطقنا الأثيرة الدافئة على ناصية سليمان الحلبي وفي الأزبكية قبل أن يكون تصريحك لي بلذهاب إلى منزل السراي.

يا حسام الدين أيها الرجل الحامل للسخط والصمت والبلادة والفروسية في صمت بلا لغة إلا برقة العين في حضور الجمال الأنثوي من ذوات الشقار، هل تذكر علياء الحسن بنت شقيقة ملك الأردن التي وقعت في غرامك فحدثتك عن افتتانها ببدلتك الكاوبوي وصورك التي عرضها التليفزيون في الثمانينات مع سيسل ديس ميل، فحدثتني في حواري الوحيد معها في همس ونحن نجلس في بار توماس لتقول بشغف، قلبه يسع العالم، حنون وصلد ونرجسي، ولكنه على هواي، كلمة الحب رخيصة وسهلة ومبتذلة يرددها النصابين في بلاد النيل، ولكنه شيء آخر، هو الكبرياء والجنون والفراسة والذكاء ولذا وقعت في هواه وسأترك المملكة وأتزوجه حتى ولو ليلة واحدة.

يومها رأيتك صدفة قريبا من مكتب أفلام مصر العربية، كنت على موعد مسبق مع واصف فايز ورأيت المزة وشيئها اللابد خلف ستار من لاميه أسود يقال استريتش، وبلوزة سوداء ونظارة فاميه كريستيان ديور وشعر أشقر يهوس بل يخلب الألباب، ضحك ورأتني فضحكت وانزويت حتى تصعد لمهمتك فقابلني جو الآتي من شامبليون وقد أعد المادة المكتوبة للقاهرة منورة بأهلها، وأجلت مطالبي وتفرغت للفهم، وضحكت المزة بجنون الفرح المخاتل وأنت تصحبها من كفها الأيسر وترمي به تحت إبطك كعاشق ومراهق مجنون ويصيح جو من بعيد، من إمتى بتعلقهم يا عبد الدايم، محجوب أنا تارك لك كل الحرية في العشق والهوي مع الغندورة والتي دوشت البشر على النواصي قبل مسرح عماد الدين ومؤسسة التحرير فهمسوا بولع، شايف صاحبك بتاع السمان والخريف، دا طلع له طريق حرير، يا وعدي عالبنات، مش دي فاطمة بطلة أنيس منصور، ياوعدي عالأيام.

ضحكت وهم يتهامسون في تأدب وأنا أطلب قهوتي السادة على ناصية الحلبي.

سيدي المخرج، ماذا ساكتب وكل حياتي إنصات لصفير القطارات وزعيق السفن وأنا القابض على إسفلت الشوارع بقدمي التي قررت ألا تنصاع لأوامري، تمشي يمناي بمهل فترفض اليسري فلا تمارس إلا الزحف حتى صباحي هذا، وفور نزولي مابين سواد الليل والغمام وقتما كانت لمبات القطار الصفراء تناوش عيناي فأغفو ويتجلى السهاد وأنظرني في مرآة الطريق ضيق النفس أحمر العينين صاعدا السلم نافذا من الأندر جراوند، وعلى التلال الخضراء كانت كتل بشرية وأرتال لشخوص أفارقة سود يتغامزون في صمت وسط ساحة التحرير.

سيدي حسام الدين كيف سأكتب هذا، وإن كتبت كيف ستصور حالة الرجل الفاجر الذي راود رفيقه عن نفسه قريبا من المحراب وانا أخطو بمهل فصرخت في الـول وتوقف الزمن بي لأنظر مؤخرته، ويشطح شيطاني الأسود فيما يدور بين العباد في بيوت الله وسط المدينة التي امتنع سكانها عن النزول للعمل.

………….

* مقطع من رواية “بار توماس”