رسائل البحر : السينما حين تستعيد روح الزمن الجميل

البطل الرئيس لـ «رسائل البحر» يحيى (آسر ياسين بأداء مُتقن)، طبيب متعطل يُعاني مشكلة «الثأثأة» أي التعثر في النطق. يحيى ينتمي إلى أسرة من الطبقة الوسطى المرتفعة نسبياً. لديه فيلاَّ وأرض زراعية. يشعر دائماً انه تعرّض للقمع الأسري، إذ أُرغم على دراسة الطب بدلاً من الموسيقى. تبدأ أحداث الفيلم عقب وفاة والده ، إذ يتخذ قراره بأن يُولد من جديد مستعيداً حريته المفقودة. لذلك يرفض السفر مع أخيه إلى أميركا، ويُقرر إغلاق الفيلاَّ عائداً إلى شقتهم في الإسكندرية ليعيش فيها تاركاً كل شيء سلبي وراءه. وهناك يشغل نفسه في صيد السمك بالصنارة كهواية ولسد نفقات حياته القليلة.

الشخصية الرئيسة الثانية نورا (بسمة) هي زوجة ثانية لرجل أعمال قاهري يزورها مرة في الشهر، يأخذ متعته منها، يمنحها الأموال التي تطلبها، يُوفر لها حاجاتها شريطة عدم الإنجاب والإبقاء على زواجهما سراً. أثناء غيابه تُمارس نورا هواية العزف على البيانو. في إحدى الليالي بينما يمر يحيى من تحت شباكها وهو في حالة سُكر، شديد يُنصت إلى عزفها حتى تنتهي فيظل يصفق مهللاًً «برافو… برافو» فتطلب له البوليس ويقضي ليلته في الحبس. يُواظب يحيى على الوقوف تحت الشباك للاستمتاع بعزف نورا، ما يُثير فضولها بالتدريج فتضع نفسها في طريقه من دون أن تخبره بحقيقتها. تذهب معه إلى شقته وتُقيم معه علاقة، ما يجعله يتخيل أنها مومس، وهي في الوقت نفسه لا تنفي ذلك عن نفسها بل تجاريه في تخيلاته. يطلب منها أن تكف عن هذه المهنة لتصبح له وحده لكنها ترفض.

الموت أو الذاكرة؟

في الإسكندرية أيضاً يلتقي يحيى جارته الإيطالية المُسنة فرانشيسكا – المخرجة التسجيلية نبيهة لطفي في دور مناسب شكلاً وسناً – وابنتها كارلا (سامية أسعد) التي أصبحت مصممة ملابس ناجحة ذائعة الصيت. ويحيى على رغم علاقته بنورا وحبه لها يُحاول كذلك استعادة حب كارلا، وعلاقته القديمة معها منذ الطفولة. تتردد كارلا ثم توافق فيتواعدان. في اليوم المحدد للقائهما تزورها امرأة شابة سحاقية ترغب فيها. لن تُقاومها كارلا. تستسلم لغوايتها بسهولة شديدة، وتترك يحيى بحجة أنه سيُشكل عائقاً أمام اختيارها ثم قرارها بالهجرة إلى إيطاليا. كذلك هناك شخصية «السنيد» أو صديق البطل، قابيل – محمد لطفي في دور مكرر- يعمل حارساً في ملهى ليلي. يكتشف إصابته بورم في المخ ويحتاج إلى عملية جراحية خطيرة قد تُسبب له فقدان ذاكرة، فيُصبح السؤال: أيهما أفضل أن يُنقذ الإنسان نفسه من الموت شريطة أن يعيش من دون ذكريات سواء كانت سعيدة أو مؤلمة، أم يُفضل الموت على أن يحيى بلا ذاكرة؟

هناك أيضاً شخصية الشرير الحاج هاشم – صلاح عبدالله في دور مكرر آخر- رمز الطبقة الثرية الجديدة «النوفو ريتش». يصطاد السمك بالديناميت، ويستخدم الدين لتحقيق مصالحه الشخصية. يُساوم فرانشيسكا ويحيى على ترك شقتيهما لأنه قرر هدم العمارة وإقامة «مول» ضخم بدلاً منها. لن يرضخ يحيى للمساومة فيُقابَل بالتهديد والوعيد ثم الطرد بعد أن يُضبط متلبساً أثناء علاقته بنورا. وينتهي الفيلم بمشهد للعاشقين في مركب وسط البحر تُحيط بهما الأسماك الميتة بالديناميت.

مبدئياً، شخصية البطل المتعثر في النطق تناولتها السينما المصرية على الأقل مرتين شهيرتين، إحداهما جسدها الفنان عادل إمام في فيلم «الهلفوت» للمخرج سمير سيف 1985، وعلى رغم إجادة عادل الأداء أدى الحوار الكثير الذي وضعه المؤلف للشخصية الى ترهل الإيقاع. بعد ذلك بأربع سنوات خاض الفنان نور الشريف تجربة شبيهة إلى حد ما في فيلم «صراع الأحفاد» لكنه استفاد من تجربة «الهلفوت». حذف كثيراً من حوار الشخصية، فجاء الحوار قصيراً تلغرافياً، وعمل خدعة أثناء التصوير ليضبط الإيقاع فكان يتعمد أن لا يكون الأداء التمثيلي متقناً في المشاهد الإنفعالية جداً التي من المحتمل ألاَّ يُلاحظ فيها المشاهد إذا كان الممثل يضبط الأداء أم لا.

ربما تكون تجربة «رسائل البحر» في هذا المجال أكثر نجاحاً من «الهلفوت» و «صراع الأحفاد» لأن داوود عبدالسيد نجح في إيجاد تكأة درامية تُساعده على الاحتفاظ بإيقاع فيلمه مشدوداً، إذ جعل يحيى يُعاني «الثأثأة» في تواصله مع الآخرين، لكنه مع نفسه كان يتحدث بطلاقة، ومن هنا كان توظيفه للرواي عاملاً مهماً في ضبط الإيقاع، وجاءت جمله الحوارية مع الآخرين قليلة جداً. شيء آخر نفسي استفاد منه ٍعبد السيد هو أنه عندما تتوطد علاقة يحيى بنورا وتزداد ثقته بنفسه ينطلق في الحديث متخلصاً من «الثأثأة» مُعبراً عن نفسه بحرية ومن دون قيود.

مومس بعقد زواج

هذا الفيلم اعتبره كُثر حدثاً سينمائياً، و «أحد أهم الأفلام المصرية على مدار تاريخها»، و «أفضل ما حقق عبدالسيد حتى الآن» لكن هذا ظُلم بيَّن لأن مضمون الفيلم، بعد كل شيء متوسط القيمة مقارنة بـ «الكيت كات» مثلاً أو «أرض الخوف». مع ذلك أسبغوا عليه أوصافاً من قبيل «البشارة» و «أنشودة أو ترنيمة داوود». ووصفوه بأنه أنقذ السينما المصرية من الغرق فهو مربك في جماله، ومُحرض على التفكير والكتابة، ويدعو إلى التسامح وتقبل الآخر. ولكن في المقابل اعتبره البعض الآخر فيلماً جريئاً وصادماً للمجتمع خصوصاً بسبب مشاهد السحاق، على رغم أنها مشاهد صارت شبه مكررة في السنوات الأخيرة، وإن كان داوود عالجها بفنية عالية عبر التلميح أو من خلف الزجاج، لكنه لم يقدمها من زاوية جديدة كاشفة لها، ويُمكن حذفها بسهولة دون أن تُؤثر في الأحداث.

يُناقش الفيلم في أحد محاوره شرعية الزواج، في إشارة واضحة إلى أن توافر عقد الزواج لا يضمن صحة وشرعية وقانونية الزواج خصوصاً في ظل غياب أسس أو مشاعر وعواطف إنسانية بين الطرفين، على رغم أن هذه الفكرة قُتلت بحثاً على أيدي كثير من الكاتبات ونصيرات الحركة النسائية في مصر والوطن العربي لكن البعض اعتبر ذلك المشهد صادماً للمجتمع، فنورا بعد علاقة جسدية مع زوجها تنفجر غاضبة واصفة نفسها بأنها مومس في إطار علاقتهما الحالية. مومس بعقد زواج. دورها أن تُوفر له المتعة وعليه أن يدفع. ثم تقترح على زوجها بسخرية أن يُخفض المبلغ الذي يصرفه عليها مقابل أن يسمح بدخول رجال آخرين في حياتها.

المشكلة الأساسية في هذا الحوار هي عدم استقامته مع منطق الشخصية لأنها وافقت على هذه الزيجة برغبتها واختيارها، وإذا كانت أدركت الآن، بعد أن صادفت الحب الذي لم تُصارح به زوجها، أن حياتها الزوجية بشكلها الحالي خاطئة ولا ترغب في مواصلتها فلماذا لا تطلب الطلاق وتنفصل؟ منطق نورا مضطرب فيه ملامح سادية وانتهازية. فهي بعد أن مارست فعل الخيانة مراراً وتكراراً مع يحيى تترافع عن قضيتها وهي أصلاً مُدانة بخيانتها وكذبها فكيف إذن تتوقع أن يتعاطف معها المُشاهد حتى لو بكت لأنها ترغب في إنجاب طفل؟

اجتهد فريق ثالث في استنباط أبعاد فلسفية وميتافزيقية، وفي استيلاد عشرات الدلالات والرموز من «رسائل البحر» قسراً، بدءاً من أسماء أبطاله فنورا كما رأوها هي رمز لـ «مريم المجدلية»، ويحيى هو «موسى»، وقابيل هو «قابيل» قاتل «هابيل». تأويلات تُحَمِل الفيلم أكثر مما يحتمل لأنه فيلم بسيط ومباشر حتى وإن وُجد به بعد فلسفي غير عميق وحتى لو نطقت بعض شخصياته بجمل فلسفية تعبيراً عن فكر المخرج لا عن منطقها هي كشخصيات مثل نورا، وبيسة الفتاة البسيطة زوجة قابيل، التي تنطق فجأة بكلمات وأفكار فلسفية أكبر من مستواها.

رسائل داوود

باستثناء الرسالة التي عثر عليها البطل في زجاجة في البحر ولم يستطع فك شفرتها لا يوجد شيء غامض بالفيلم. لا شيء يحتمل الالتباس أو التأمل والتفكير فالبحر رمز مباشر وصريح إلى قوى كونية كبرى أو أحد آلهة الإغريق، فالبطل يصرخ في لحظة غضب ويأس: «جت لك وأنا مش محتاج وأديتني رزقي ودلوقتي وأنا جعان بتحرمني.. ده ظلم ده ولاَّ فوضى؟»، وعندما يُواعد يحيى فتاتيه نورا وكارلا يبتسم لنفسه فجأة بسخرية قائلاً: «أنا بأحب كله»، ثم تُلخص فرانشيسكا إحدى رسائل المؤلف قائلة ليحيى: «إذا حبيت حد لازم تحبه زي ما هو.. ما تحاولش تغيره وإذا ما قدرتش سيبه وابعد عنه». حتى السلوك النفسي الكامن وراء سؤال يحيى لنورا عن زبائنها كعاهرة لكي يتألم ويكرهها اعتقاداً منه أن بذلك سيتخلص من حبها، يفسره عبر الراوي. ونورا عندما تتمادى في حكي تفاصيل له عن علاقتها الحميمة بزبائنها تعترف عبر الراوية، التي هي نفسها، أنها كانت تفعل ذلك لتجعله يتألم ويتوجع. باختصار لم يترك المخرج شيئاً للمتلقي ليفكر فيه، ربما بسبب عدم الثقة في قدرات هذا الأخير وخوفاً من فقر خياله.

على رغم كل ما سبق لاشك في أنه مقارنةً بالسينما الهزيلة الإباحية والمبتذلة في مضمونها وفنيتها المسيطرة حالياً على الساحة السينمائية المصرية فإن فيلم «رسائل البحر» فيلم جيد أو بالأحرى فيلم ليس سيئاً لأسباب عدة أهمها البُعد عن الأصوات الزاعقة والصُراخ، البعد عن استخدام الجنس الفج والألفاظ والإيحاءات الجنسية الرخيصة غير الموظفة درامياً. هو فيلم توافرت له عناصر الفيلم التجاري لكنه أيضاً صُنع بفنية عالية المستوى ساهم فيها موسيقى راجح داوود، وديكور أنسي أبو سيف، ومونتاج منى ربيع، وتصوير أحمد المرسى خصوصاً في مشاهد النوَّة بالإسكندرية عندما أخذت السحب تتراكم والأمواج تتلاطم في مشاهد بديعة نادرة. هو فيلم مصنوع بفنية عالية بسب مستوى ثقافة ووعي مخرجه داوود عبد السيد الذي يتضح في إدارته لفريق عمله، وفي اختياره للألوان، واهتمامه برسم وتشكيل الكادرات وإعادة ترتيب المشاهد ومتابعته لأدق التفاصيل، وفي قدرته على شد إيقاع الفيلم باستثناء المشاهد التسجيلية لعمارة الإسكندرية حيث بدت دخيلة. مع ذلك تبقى مشكلة الفيلم الرئيسة هي السيناريو الذي غلب عليه التصنع، وظهرت بعض شخصياته إلى جانب أفكارها المضطربة غير قادرة على التطور التلقائي وفق منطقها الخاص.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ناقدة سينمائية مصرية