رجوع الشيخ… الذات كحياة شخصٍ آخر

طارق إمام

1

   لخورخي لويس بورخيس قصة عن شخص قرر أن يرسم العالم، العالم كله، بجباله وبحاره، بسفنه وبيوته وأشجاره، بناسه وحيواناته وأشيائه.. قضى الرجل عمره كله يرسم العالم، (كل ما سواه في الحقيقة) وفي النهاية، عندما أتم عمله، اكتشف أنه رسم وجهه. يبدو “أحمد رجائي” في رواية “محمد عبد النبي” الأحدث “رجوع الشيخ”، وكأنه يفعل الشئ نفسه، فبعد محاولات كثيرة استغرقت عمره ليكتب رواية، يجد نفسه في النهاية يكتب، بالكاد، حياته هو، البسيطة والعادية، والتي لم يظن يوماً أنها قد تكون روايته الوحيدة، روايته الأولى، والأخيرة في الحقيقة.

       ما العلاقة بين الحياة والفن؟ سؤال قديم، وقد يبدو مبتذلاً، صُكَّت إجاباته، على اختلاف الفرق المتناحرة جمالياً.. لكن رجائي يتأمله في لحظة فارغة، لم يتبق له فيها سوى حياته ليكتبها، إنها مفارقة مؤلمة!..أن تصبح حياة الفرد هي الحلقة الأضعف عندما يكون بصدد الفن، كأن ما نعيشه (وفق رجائي) يجب، كبديهية، أن يُخلِص لخصامه مع ما نكتب. فشل رجائي في كتابة حيوات الآخرين، دائماً أخفق وعاد مدحوراً، بمزق متباعدة، تصبح، في مفارقة أخرى، جزءاً من روايته هو، جزءاً من حياته، إنه من جديد الشخص الذي يرسم العالم ليكتشف أنه يعيد تعريف وجهه.

2

       دفترين اشتراهما رجائي لكتابة الرواية، كأنه حدد سلفاً حجمها. أليست مصادرة أولى من “الشيخ أحمد” على نفسه، على ما تستحقه حياته عندما تصبح “نصاً”؟ ماذا لو طلبت منه الرواية دفتراً ثالثاً؟ في الغالب لن يطيعها، سيتركها أسيرة نقصانها بجوار السابقات، أو سينهيها “والسلام”، أليس هكذا في واقع الأمر يموت البشر؟!

     لن يمنح أحمد رجائي حياته أكثر مما قدر هو لها. هو صار قادراً على تحديد مدى الحياة في الفن، هو الإله الذي يعلم سلفاً متى ستنتهي، عند نقطة يجب أن تقف الحياة، قصرت أو طالت، أليست هذه فلسفة الإله الذي لا يمنح الناس أبداً أعماراً متساوية، رغم أن كل خلقه يحتمل حيوات لا نهائية؟ أليس هذا ديدنه في وضع كلمة النهاية ربما قبل أن تبدأ القصة؟ في الفن، يستطيع رجائي أن يُنهي حياته بيده، أن يحدد فناءها سلفاً، انتقاماً من سيرته نفسها، لكنه في الحياة، يفتقد ذلك التفرد، حتى في عمله، في تلك المساحة الضيقة التي لا تحتمل لعبة تشابه أو تطابق قدري، يجد “أحمد رجائي” آخر، “أحمد رجائي الصغير”، كم “أحمد رجائي” إذن يوجد في العالم؟.. كم رواية يمكن أن تُكتَب عن الاسم نفسه؟ هل لهذا السبب يقرر رجائي أن يكتب حياته “هو”، التي على عاديتها، لا يمكن أن تتكرر؟، هل تصبح عاديته بالذات، افتقاره لبطولة، لموهبة فارقة حتى، هي ـ في قلب للآية ـ ما يؤكد تفرده، في كشفٍ عميق وجارح يأتي قرب النهاية؟

     هذا هو المدى الأَوَّلي لما يحيل إليه عنوان”رجوع الشيخ”، إنه نكوصه في الحقيقة، استدارته على عقبيه كأن حياته تقف خلفه، قابلةً دائماً لأن تُكتب، بإشارة منه. يتناص العنوان مع عنوان أكبر، (الاسم من جديد القابل لأن يتكرر على اختلاف النصوص هذه المرة)، لكن “رجوع الشيخ إلى صباه” يمثل هنا تناصاً أوسع من عودة شخص لما فاته من حياة، إنه العودة لمؤسسة “الكتابة”. يعرف رجائي أنه يكتب رواية، ويمنحها بالتالي نصف اسم كتاب سابق.. ويفلت من الأفق الإيروتيكي للكتاب المتن، ربما ليكمله بأفق التأمل في الكتاب الهامش، هل هي ثنائية الغريزي/ الثقافي؟

   حضور “رجوع الشيخ إلى صباه”، بالفعل الإيروتيكي المتجسد، ينوب عن أحلام يقظة “الشيخ رجائي” المقموعة، ليس فقط على مستوى الحياة، لكن، حتى، على مستوى النص. ثمة نص كُتب ونجا وتحقق، وآخر ما يزال في طور التكوين، لا أحد يعلم هل سيخرج إلى النور أم لا؟

   ثنائية، تحمل تناقضاً وحيداً في سياق رواية تملك من كل شئ زوجين اثنين متماثلين، بدءاً من أحمد رجائي، للدفترين التوأم، والقلمين المتطابقين، وصولاً لقسمي الرواية المتوازيين شبه المتساويين في المساحة. الأزواج في الرواية (وهو سؤال جديد) دائماً متماثلة، متطابقية، ليست الأزواج التي عرفتها سفينة نوح، حيث الاختلاف ضرورة البقاء. كأن سؤال البقاء هنا ليس مطلباً، فلن يتواصل نسل رواية رجائي برواية جديدة، ولا إمكانية لسطوع عالم جديد، وليد، لرجائي، ومن لدنه، حيث سينتهي العالم بموته. بل إن رجائي نفسه، بالكتابة، بتأكيده ولو لمرة على فردية مغدورة، ينتقم من كل ما يمكن له أن يكرر حمل اسمه.

3

         يمثل رجائي، في مستوى دلالي مطمور في الرواية، بالزمن نفسه. فالزمن الروائي، وحده، قادر على دحض القمع الكرونولوجي لسيل يتحرك بصاحبه، رغم أنفه، للأمام. يستخدم رجائي الزمن المضارع ليسرد ماضيه، وقد ينتقل للزمن الماضي ليرصد ما يفعله الآن. منحى أسلوبي تشويهي في حقيقة الأمر.

   وفي المحصلة، فإن الوجود “اللازم” هنا، كحقيقة عارية، يجادل “الوجود المتعدي” كأفق رمزي تتبناه الإنسانية على هشاشته، كحرب خاسرة ضد الفناء.

     تستدعي الرواية روايات وقصصاً أخرى، تستدعي حبكات وتفكر فيها، لأنها لا تعرف ماذا عليها أن تكون. كلما تقدمت الرواية للأمام كلما فقدت “تماسكها” أكثر، (هل أقول روائيتها؟) لمصلحة التفكير في مصيرها، للوقوف على “شكل” لها. إنه تجريد لتناقض خالص، كلما تتقدم في العمر يتقلص عمرك، تقل خبرتك، يتكثف سؤال: ماذا علي أن أصير؟

     دحض آخر لمنطق الزمن، صورة كاريكاتورية لقصة تتحرك نحو الخلف كلما تقدت للأمام، وكأنها ستنتهي بالموت في مهدها.. كأن التفكير في الرواية هو البديل الأكثر صدقاً لكتابتها!

4

   تعريف الروائي، سؤال ملح هنا، وهو يقدم كملحوظات مجردة، مرقمة. لماذا يريد رجائي أن يصل لتوصيف للروائي (هل ثمة تعريف للروائي؟). ما يصل إليه رجائي، أقرب للأفكار الكلية، أشبه بالبحث عن كائن إعجازي لا وجود له في الواقع، وبالأخص، في معطيات الشخص الذي قدم نفسه لنا باعتباره “أحمد رجائي“.

   لا يمكن في الحقيقة للشروط الثلاثين المتفرقة على النص، والتي تحدد ماهية الروائي، أن تتحقق، ولو تحقق بعضها جدلاً، فلن تجتمع أبداً بالطبع في ذات واحدة. إلى أي مدى حقق رجائي في روايته تصوره عن “الروائي؟”، وهل كان معنياً حقاً بذلك أم كان، فقط، يفكر في ما لا يشترط أن يتوفر فيه؟ هل انزلق رجائي إلى ذات متحذلقة؟ وهل كان بتنظيره ولعبه، الذي يشغل مساحات من الدفترين ومن حبر القلمين، يهدر فرصاً حياته أولى بها؟ رجائي ظل منتصباً بين حدي سؤال: حياة عادية ورواية لا يجب أن تكون عادية، لا يستطيع أن يستغنى عن كلاهما، فتلك حياته وهذه روايته، وبمقاطع مقتطعة من “رجوع الشيخ إلى صباه” طَعَّم “رجوعه” ورصعه، ومد خيطاً بين الأصل والفرع، فجاء النص البعيد جاثماً، بحضور مبهر، لغة طاغية بزخرفها وإيقاعها، بثقل الجسد فيها وإشراقه الإيروتيكي، وبحكي لاهث يضاعف الفضح مع كل سطر.. وليكشف الوصال بين نص الحاضر ونص الماضي، عن قطيعة أفدح، مع إيقاع “رجائي” الأبطأ، لغته الأكثر جفافاً وعرياً من الزخرف، سرده المتمهل المتأني حد قتل الحدث المثير في مهده أحياناً.

     ليس التناص هنا إذن بحثاً عن انسجام بين منحيين، بغية تذويبهما، لكن، وفق تصوري، ووفق ما يلوح كأحد أفكار”رجوع الشيخ” لتأكيد تنافر وإثبات نزوع نحو “الافتقار للانسجام” كخيار جمالي في ذاته، وحيث التقويض، كقيمة جمالية، كولع إنساني، أدعى لاختباره من البناء المتسق كسلطة قاتلة لمتعة الارتجال.

عودة إلى الملف