دنيا زاد وجائزة الاندبندنت

منصورة عز الدين

في 19 أبريل الحالي سيتم الإعلان عن الفائز بجائزة الاندبندنت الانجليزية للرواية الأجنبية لعام .2001

خبر قد لايثير اهتمام الكثيرين لكن المثير للاهتمام هو أن رواية ‘دنيازاد’ لمي التلمساني قد تكون الرواية الفائزة بجائزة الاندبندنت لهذا العام.

فمن بين 73 رواية أجنبية مترجمة للإنجليزية تقدمت للجائزة منها رواية ‘بعيدا جدا’ للألماني الحائز علي جائزة نوبل جونترجراس اختارت لجنة التحكيم المكونة من خمسة نقاد علي رأسهم ‘بويد تونكن’ الناقد الأدبي لصحيفة الاندبدنت ست روايات للقائمة النهائية للجائزة وهي ‘شأن ألفونسوكوريير’ لمارتا مورازني و ‘مذررة’ لمايكل هو البيك و ‘جناح الضباط’ لمارك دوجين و ‘ضائع’ لهانز أولريتش تريشيل و ‘رأس ماسينومونيرو المفقود’ لأنطونيوتابوتشي و ‘دنيازاد ‘ لمي التلمساني.

اتصلنا بمي التلمساني هاتفيا في كندا حيث تقيم حاليا وسألناها عن ظروف ترشيحها للجائزة فقالت: ‘مهمة تقديم الروايات المترجمة إلي لجنة التحكيم تقع علي عاتق دور النشر البريطانية. وقد تولي ترشيح ‘دنيازاد’ للجائزة ‘دار الساقي’ وعلمت بالخبر بعد اختيار الرواية في قائمة الروايات الست. وقد كتبت ‘أمنداهوبكنسن’ إحدي عضوات لجنة التحكيم في احدي الدوريات البريطانية أن رواية ‘ دنيا زاد ‘ ‘ حظيت بالاجماع باعجاب اللجنة ومست قلوب أعضائها ‘ ولاشك أن لترجمة ‘روُر آلن’ دورا أساسيا في نجاح الرواية. وأعتقد أن الترشيح للجائزة تحية ليس فقط للكتاب الشباب والأدب العربي بصفة عامة ولكنه أيضا يكشف عن اهتمام الغرب بالأصوات الجديدة في الآداب غير الأوروبية ولذا فهو يعني أساسا نافذة علي الإختلاف، سواء اختلاف الهموم والطموحات العامة، الجمالية والاجتماعية، أو اختلاف الاجيال والظروف المحيطة بعملية الابداع، داخل وخارج الحدود القومية. والدليل اختيار كاتبة شابة عربية للتنافس علي جائزة مع كبار الروائيين مثل أنطونيو تابوتشي.

هل الكتابة الجديدة أكثر توافقا مع ‘شروط العالمية’ إن جاز لنا استخدام هذا التعبير؟

ما هي شروط العالمية أصلا؟ إن لدور النشر العربية شروطا اقتصادية هدفها الربح وهذا أمر مشروع تماما وحتي وقت قريب كان الربح مرهونا بوصفات جاهزة لاتزال فعالة حتي الآن. ولكن لكل وصفة تاريخ صلاحية، وما يبقي فعلا (بعيدا عن الوصفات سابقة التحضير) هو العمل الأدبي القوي الذي يدخل ضمن منظومة الأخلاق الانسانية العامة. هذا ما يبحث عنه القاريء الغربي في اعتقادي فبالإضافة للولع الشديد بتاريخ وحضارة العرب ومصر بصفة خاصة هناك أيضا رغبة في التعرف علي هموم يومية بسيطة يعيشها الانسان العادي في اللحظة الراهنة وهو ما قدمه كثيرون من كتابنا الكبار عبر رواياتهم المترجمة والتي حصل بعضها علي جوائز في الغرب أيضا. وهو ما أعتقد أنه متوافر في ‘دنيازاد’ لكنه في الوقت نفسه لايصلح لأن يكون ‘وصفة جديدة’ لاختراق السوق الأوروبية ثقافيا، لأن لكل كتاب ظروف نجاحه وفشله الخاصة، التي لاترتبط بالضرورة بقيمته الإبداعية. نحن ننسي دائما أن الرواية كتابة وفن من ناحية وكتاب أي سلعة من ناحية أخري، نفكر في القيمة الجمالية وننسي القيمة المادية. الكاتب مسئول عن الشق الأول فقط، لذلك فأنا أرفض رفضا تاما وواعيا ترشيح نفسي لأية جائزة سواء داخل مصر أو خارجها. هذه مهمة الناشر والموزع وليست مسئوليتي الشخصية كما أرفض عرض كتابي للترجمة إلي لغة أجنبية لأن اختيار الرواية للترجمة مسئولية المترجم والناشر الغربي، وهذا تحديدا ما حدث في ترشيح ‘دنيازاد’ سواء للترجمة أو لجائزة الاندبندنت.

هل يمكن أن يساهم ترشيحك للجائزة في انتشار الأدب العربي بشكل أكبر؟

الأدب العربي منتشر فعلا في بلدان أوروبية كثيرة ويكفي أن نري حجم الدعوات التي توجه للروائيين والشعراء العرب للمساهمة في المحافل الدولية لندرك حجم الاهتمام المتنامي بثقافة العرب في أوروبا، ولايعني هذا بالضرورة انفتاحنا نحن علي الخارج بقدر ما يشي بانفتاح الآخرين علينا.

هل لوجودك في كندا تأثير علي ترشيحك للجائزة؟

وجود الكاتب خارج حدود وطنه لايساعد بالضرورة علي ترجمته وانتشار أعماله، وإنما قد يساعد الكاتب نفسه علي التحرر من قيود الإبداع الذاتية والاجتماعية علي كتابته. روايتي ‘هليوبوليس’ كتبتها بالكامل في مصر، لكن هناك تأثير لإقامتي في كندا علي مدي الأعوام الثلاثة الماضية علي الكتابة نفسها، في هواجس التجديد واختراق الحواجز النوعية.

انتهي كلام مي ولكن ترشيح روايتها ‘دنيازاد’ لجائزة الاندبندنت طرح عددا من الأسئلة.. سألت الروائي والناقد إدوار الخراط: هل هذا الحدث سيؤدي لترسيخ الكتابات الجديدة في المشهد الثقافي المصري؟

رأيي أن الكتابة الجيدة سواء ترجمت أم لم تترجم وسواء أخذت جائزة محلية أم غير محلية قائمة بقيمتها الذاتية ونخطيء كثيرا إن حكمنا علي أي عمل بمقياس آخر غير القيمة خاصة بمقياس الجوائز أو الترجمة. تقديري إن كل هذه الأشياء جيدة في حد ذاتها لكنها لاتزيد أو تقلل من قيمة العمل المكتوب في لغته وبيئته الطبيعية نحني نهنيء الكاتبة لكن قيمتها لاتتحدد بهذا أو ذاك.

هل يمكننا القول أن الكتابات الجديدة أكثر جاذبية للترجمة؟

ليس بالضرورة فأي تعميم في هذا المجال لايؤدي إلي نتيجة. ليست كل الكتابات الجديدة لمجرد كونها كذلك تكون أكثر جاذبية. الكتابة بقيمتها الذاتية.

لكن هناك ظاهرة خاصة بجيل التسعينيات هي أن بعض الروايات الأولي لأصحابها تتم ترجمتها لأكثر من لغة؟

نحن في عصر العولمة. ووسائل الاتصال غيرت الموقف تماما لكن هذا لايعني أن الكتابات الجديدة في حد ذاتها أفضل أو أسوأ. وليتنا نتوقف عن الحكم علي الكتابة بمعيار الترجمة والجوائز الأمر الذي قد يؤدي ببعض الكتاب الجدد للكتابة بشطط أو كتابة ما يتصورون أنه سيؤدي لترجمة أعمالهم وهذه مأساة.

***

في إجابتها عن تساؤل هل الكتابة الجديدة أكثر جاذبية للغرب تري د. أمينة رشيد أن هذا ‘يخضع للحملة الإعلامية المصاحبة. فمن خلال خبرتي بفرنسا أقول أن الناس كانت أكثر شغفا بقراءة نجيب محفوظ حينما حصل علي جائزة نوبل كما أن هناك جمهورا كبيرا من القراء في الأقاليم يحبون أن تعطيهم الروايات المترجمة معلومات عن البلدان التي جاءت منها وبالتالي لايهتمون بالأصوات الجديدة سواء فرنسية أم أجنبية. وأحيانا يعتبرون أن الروايات التي تقلد الرواية الجديدة في فرنسا أقل جودة وبالتالي ينصرفون عنها. واذا كان الشبان أكثر جاذبية فسيكون هذا نتيجة لحملة إعلامية أكثر من كونه نتيجة لذوق الناس، ورأيي أن العالمية مرتبطة بالمحلية لكن المحلية طبعا يجب أن تكون لها سمات فنية.’

من وجهة نظرك كيف ندفع بالأدب العربي للجوائز العالمية؟

من المهم معرفة الخارج لكن النظر الأساسي يجب أن يكون للداخل المحلي والنفسي للانسان. من المهم جدا أن يجيد الكاتب الغوص في داخله ولايكتفي فقط بتقليد الآخرين وقد يكون هذا أحد أسباب نجاح رواية أمريكا اللاتينية لأن كتابها استطاعوا أن يوصلوا للآخرين خبرة خاصة جدا.

هل يمكن أن يساهم ترشيح مي لهذه الجائزة في ترسيخ الكتابات الجديدة في مصر؟

من الممكن أن يحدث هذا لأن الجوائز لها تأثيرها للأسف وأقول للأسف لأن الجوائز ليست مخلصة دائما لمعني الفن حيث قد تدخل فيها اعتبارات أخري.

استشف من كلامك أنك ترين أن الكتابات الشابة بعيدة عن واقع المجتمع المصري؟

هذا حقيقي، ليس كل الكتابات طبعا. لكني أري أن هناك ابتعادا ليس عن الواقع لأن الواقع تغير وضرورة الكتابة عنه تغيرت إنما هناك ابتعاد عن النظر للداخل. فالنظر للداخل يحتاج إلي تعميق لأني أري نفسيات الناس من حولي أعمق كثيرا مما أقرأه مع ان الكتابة من المفترض فيها أن تتجاوز الواقع.

***

سألت ابراهيم عبدالمجيد: كيف يمكن الدفع بالأدب العربي للجوائز العالمية؟

نحرره أولا في بلادنا ولانحاصره، فالأدب الآن يتعرض لحملات ضارية في العالم العربي كما يجب أن نتحلي ثانيا بشيء مما أسماه يحيي حقي بالأنفة وليس الغيرة. فالأنفة تدفع صاحبها لكي يكتب عملا جميلا أما الغيرة فتدفعه لعرقلة الآخرين..

أنا شخصيا متفائل وأري أن ترشيح مي للجائزة سيساهم في الاهتمام بالأدب العربي لكن لا أعرف هل سيساهم كثيرا أم قليلا؟ فهذا أمر نسبي. لكني أعتقد أن الكتابات الجديدة أكثر جاذبية للغرب لأنها أكثر جرأة وتدخل في مناطق جديدة وبها مغامرة في الشكل الروائي .

علي عكس ابراهيم عبدالمجيد يري الكاتب الشاب مصطفي ذكري أن ‘الأدب الجديد عموما ضد التوافقات العالمية.. لأن الغرب لاينسي أن هذا الأدب يأتي من العالم الثالث وبالتالي يهتمون فقط بالتجارب الاستثنائية بعض الشيء ويعتقدون مثلا أن الكاتبة في العالم الثالث أمر استثنائي ونادر فحتي لو كانت كاتبة جيدة ينظرون إليها فقط علي أنها إمرأة تكتب في ظروف صعبة. وهذا ليس له علاقة بكون المرأة الكاتبة تغازل تلك النظرة أم لا.

ومن تلك الناحية لايهتم الغرب بكتابة الرجال إلا بعد فترة طويلة فالأسماء الكبيرة عندنا مثل إدوار الخراط وصنع الله ابراهيم لم يلتفت إليها الغرب إلا بعد فترة طويلة جدا وكأن تقييم الأدب الحقيقي هناك يحتاج لوقت طويل جدا.

بالنسبة لدنيازاد أعتقد أن مي عندما كتبتها وأنا أعرفها جيدا لم تكن تفكر في الترجمة فتجربة مي في دنيازاد لاتدخل في الدائرة التي يهتم بها الغرب فالتجارب الوجودية الفردية لاتهمهم كثيرا’.

من جانبه يقول حمدي أبوجليل ‘فرحي بترشيح رواية ‘دنيازاد’ لهذه الجائزة تجاوز فرحي بفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل.

هذا بالطبع ليس بسبب التعصب للكتابة الجديدة ولكن لأن محفوظ بمشروعه الضخم والموسوعي والفريد والمؤسس كان متوقعا له تماما أن يفوز بجائزة نوبل بل إنها تأخرت عليه وبالتالي هو حالة فريدة ليس في الأدب العربي فقط ولكن في الأدب العالمي أيضا في حين أن ‘دنيازاد’ رواية عادية ليست سيئة وليست عبقرية. هي حالة وسط بين كتابات جيلها هناك أسوأ منها وهناك أفضل منها وترشيحها لمثل هذه الجائزة يدلل علي أن الكتابة الجديدة بشكل عام في وضع يسمح لها بالمنافسة عالميا.

هل سيكون لهذا الترشيح دور في ترسيخ الكتابات الجديدة؟

أي كتابات جديدة؟ وهل كل الكتابات الجديدة تتوافر لها الفرصة التي توفرت لدنيازاد؟

……………..

*نشر في أخبار الأدب  , 15 Avril 2001

عودة إلى الملف