“دنيازاد”.. مي التلمساني تواجه الموت من الداخل

مودي بيطار

هذه اللمحة الشخصية تنشر بعد كتابتها بسبعة أعوام وتنقح مراراً على الأرجح لئلا تصنف “أدباً نسائياً” أو يبقى فيها ما “يؤذي”. تقول دار الآداب الناشرة ان “دنيازاد” حازت على جائزة الدولة التشجيعية لأدب السيرة الذاتية في مصر، لكن الذاتي فيها ليس عميقاً أو جارحاً أو صريحاً ليبشر ببداية للسيرة الذاتية الحقيقية في الأدب العربي. تروي مي التلمساني تجربة اجهاض مرة جعلتها تواجه الموت من الداخل، وتعبّر عن انفصالها عن حياتها الماضية ببدايات جديدة صغيرة. لكن أقصى ما تبوح به استقالتها من العمل وشجارها مع عدد من الصديقات وتغييرها الطبيب والخادمة ومبادرتها هي الى اغراء الزوج. ثمة اشارات صادقة لا تصدمنا لأننا اعتدنا انكشافاً أكبر في الأدب الغربي، ولأن التأخر في النشر يوحي بروداً وبعداً من الحدث. نقرأ في الصفحة 55: “جذبت زوجي الى الفراش في حركة عهر حقيقية” في شيء من البلادة ربما لغياب الفضيحة عن الاعتراف. لا يثير الجنس في الزواج الفضول لكن ذلك لا يجرّد التلمساني من بعض الشجاعة في مجتمع قبلي ترتبط سمعة فرده بالجماعة.

يتداخل صوتان في القص لامرأة وزوجها بلا اسمين، ولا ضرورة هناك لصوت الصديقة نور التي لا تضفي شيئاً في مداخلة تقل عن الصفحة. لا شيء خارجاً عن المألوف في التعبير عن التجربة باستثناء قتام الخيال الذي يتقاطع مع السرد ويكشف عذاب الأنا الحقيقية المختبئة خلف الراوية. يسود عالم المرأة المغلق المحدود والمخاوف التي تختصرها وتعرقل استعادة تذوقها الحياة. تشعر الأم الشابة بالذنب لموت طفلتها في الرحم، وتعاني من انعكاس دورها. بدلاً من أن تمنح الحياة ها هي تقتل الطفلة بعد انفصال المشيمة. تنجو هي وتموت الصغيرة فتتذكر ان آخر قصصها كان بعنوان “اشترينا مقبرة” وتعزز المفارقة مرارتها. تتكرر الإشارات الى الخسارة والموت الذي يترصدنا داخلنا والحاجة الى يد الآخرين الحانية، لكن غياب الحساسية عن حضارتنا لا يساعد. “خرجت من مقبرتي الى مقبرتها” تكتشف في الصفحة 22 بعد تساؤلات كثيرة مقلقة، وإذ يبدأ الشعور بالذنب يبدي الآخرون ما تحسه غلاظة فيمنعونها من رؤية الطفلة ظناً منهم انهم يحمونها. يجنّبها الطبيب والممرضات كابوساً ربما بإبعاد الطفلة المزرقة الوجه عنها، لكن الأم تحتاج الى حملها والاقتراب منها قبل غيابها النهائي.

لا تتحدث التلمساني عن الفراغ الأليم لكنه حاضر لا يردعه أحد أو شيء ويشدها باستمرار اليه. ترغب في الابتعاد والوحدة في الوقت الذي تحتاج الى توفير الاستمرارية لزوجها وطفلها. تراوح حياتها بين العدم والوجود فتكاد تخضع للأول: “تتقيأ الطعام والدواء والرغبة في البقاء حياً” ص 50، لكنها تبقى مفتوحة العينين بازاء نفسها: “تعرف الآن جيداً لعبة الموت. فلا تراوغ”. تعتمد صيغة المذكر لتبتعد عن البوح النسائي والتجربة الشخصية معاً، وتعرف أن مرورها في مرحلة العدم لا بد منه للتوحد مع طفلتها قبل العودة الى الحياة. في الصفحتين 28 و29 تتخيل نفسها طفلة صغيرة اسمها دنيازاد وتحلم انها دخلت قبرها ثم تنسحب من الخارج وتختار البيت مدفناً لها عندما تستقيل من عملها.

تروي مي التلمساني ازمتها بلغة محايدة قاطعة وتدوّن التدهور الذي تحدثه في جسدها المستسلم. الأرق، سقوط الشعر، هبوط الوزن، وضع النظارة الطبية. لا تريد لعب دور الضحية ويلتبس الشعور عليها وسط معرفتها بأنها “تسببت” بموت طفلتها وخوفها من “لعنة قد حلت بجسدي”. عندما يسألها صديق عن التئام الجرح لا تعرف عن “أيهما” يتحدث، ويغيب صوت زوجها لتبقى وحدها تروي وتتذكر. كانت مهددة بالموت هي أيضاً وقت الولادة ومنعها موت طفلتها من الاحتفال بالنجاة. مشت بجسدها وروحها ضد الحياة ثم وظفت علاقتها بزوجها للانجاب وحده. يبدو الرجل رفيقاً جاهزاً من دون ان يُبدي فهماً أو عطفاً بعد مضي بعض الوقت للخسارة التي تؤلم زوجته والمخاوف التي نجمت عنها. تبكي دائماً في غيابه كأنها تعرف انه لن يتقبل حدادها أو يشاركها فيه، لكنها لا تثير المسألة صراحة لئلا يبدو ذلك شأناً نسائياً رخيصاً ربما.

لا فجيعة أو صراخ تجاه الموت لكن الأم تحتاج الى فترة حداد قبل ان تتحداه بالانجاب، أي الحياة، ثانية. على ان التحدي يطاول الى كثيرين حولها بمن فيهم أم الزوج اللجوجة والزوج نفسه الذي صار يحييها كل صباح بالربت على مؤخرها. يتركها ويعود فتكتشف: “لا زلت اذاً أشعر بمشاعر طيبة تجاه الأشياء”. لم تفقدها المرارة والهواجس قدرتها على الحياة والاجتماع وعادت الى الروتين والحياة المكرورة. لكنها ساومت وحاسبت وفرزت الأصدقاء وتخلت عن صديقة مزعومة شبهتها بيهوذا. هل بنت معماراً أقوى بعد مواجهة الموت؟ التلمساني لا تعظ وان استعدت للآتي في لغة سلسة صلبة مؤثرة يداخل السرد فيها تداعيات قاتمة وتأملات، ويتنوع النص بنجاح ليشمل تناوب صوتي الزوجين على السرد ثم انفراد الزوجة بالرواية فالتقطيع في آخر “دنيازاد” التي لا تمتد أكثر من ست وثمانين صفحة.

………..

نشر في الحياة يوم 04 – 10 – 2002

عودة إلى الملف