دراما الجسد والتراب

أسعد الجبوري
 
الشتاء
الشتاءُ مقبلٌ عبر منخفضات العقل.
ونحن بين طبقات أرواحنا محملين بالقرفصة
بالقطن بقَصَب السكر بالكآبة.
كأننا نشحن بالطاقةِ رؤوساً ليست لنا،
جامعين قطعَ غيار العقلِ من فهارس الشتات.
بردٌ ينفجرُ  في الركب . ويتسربُ إلى كهوف الحواس.
كم كنا اليوم زمناً.
وكم كنا في مباني لحومنا بلا نساء.
الستائرُ المُنكسةُ تلك . نحن. ونراقبُ هطولَ الثلج على مدافعنا المنشورة  ما بين بخار  الله والكتب المعتقة  الخمور.
لم نكن بصدد النار.
فقد جلسنا بمواجهة التخوت المرقطة بأنفاس الموسلين،
نرتقُ صور السكس في الظلمة.
ومتفتحين كالمحار في مجرى سيغموند فرويد .
ألمْ تقص علينا جداتُنا الكثيرَ من زمهرير التراث، بعدما انزلقت ليلى في معدة الذئب على وقع اللعاب هناك.
والجناةُ..  ألمْ يخطفونا كأكياس لتمتلئ بنا الخرافاتُ ؟
لكن..  ما الذي يفعلهُ فرويد بسقراط ، غير أن يرسل له كلبه السيكولوجي ليُشرعَ بالتنقيب عن برك الضجيج المالحة في أفلاكه العميقة .
ثم ماذا غير تلك الحوادث. غير تلك الحرائق وهي تمحو الخطوط الحمر عن الشفاه. فيما تمضي الثيابُ احتفالاتها بعيداً عن شحوم الحبّ .
الآن .. لا بدّ من تذكر  الزاوية العميقة من المدفأة ،
نحن بصدد الحديد المشوي.
حيث يتركُ السكران الجعةَ للانضمام إلى بريسترويكا الفودكا مع الأطباق التي عادة ما تلتجئ إليها آلهةُ علم الجمال.
بخارُ الثلج .. هو الآخر يتصاعدُ من مترو  الأجساد في الخارج،
وأصباغُ الذكريات تسيلُ ممزوجة بالفحم على طاولة التاريخ.
أليس الشتاءُ خياطَ ثياب الأفاعي .. وعلى مدار كهوفهِ تتجمدُ الثعابينُ تَجمُلاً ليوم الزفافِ في السموم.
ربما . فالشتاء وحيدُ التلفزيون. ينطحُ في نجوم الأفلام ويرمي إلى النار قشور العزلة بلا رأفة.
هو أيضا الأب الشرعي للبويضات ، حينما يقشّرن قامة الانتحاري القادم كملقط النار ، ويذبن معه على مشارف المنابع الرطبة.
الشتاءُ برميلُ النبيذ الأعظم  للإبتلاعات الكبرى .
معه.. سنبقى بمفردنا الجمعي ،نحصي الكراسي في عيادات الآلهة. والأمطار بغير ذاكرة الجيوش. كما نريد.
س/أخبرَها: كثيراً ما مررتِ ببصرهِ الأبيض يا امرأة.
ج/لا تسمع إليه . فهو سيقولُ أيضا رأى أرضي بجمالها الأعمى !
س/لكن حكمته كانت في المطر واللمس والكتابة والعراء.
ج /أدركُ ذلك. وربما بالصعود مشياً في ممرات اللحوم.
س/ لا . لم يبق من شهوته المرقطة سوى العظام الشاحبة.
ج/هكذا طقوس الشغوفين ..عندما تضيقُ بهم رغباتهم .ويتشتتون في البرّ الإلهي بعيداً عن معاجم الإناث .
س/لم يقضِ عليه البردُ ، لم يقفل على دمهِ. وما زال رادارهُ يترصدُ الرياحَ دون غمد  .
ج/وأعرفهُ أيضاُ .. بئراً في ساعةٍ.
س/ لا . بل صورة توشكُ بولادات.
من الجسد الطويلِ ، الشهواتُ الطويلةُ. وما بينهما مشرحةُ الأمطار والنيران والروايات .وقال لي صاحبي في الوراثة: قد يصبح الورق ميكرفون الرعد بعد مرور العاصفة . وكل امرأة لا يمسسها برقٌ ،تكون طيناً سلفياً ،لفخار التوحش في التخوت المليئة بالمستحاثّات . الربّ يعلمُ كم من المرافئ في فم الغريق ، وهو من سيثبطُ نمور الكلمات الهائجة ، كي تخلدَ الجنةُ في الحاوية التقريبية للروح.نحن أكاليلُ شعراء، يتأرجحون بسجونهم تارةً .. وليومٍ آخر في زهرة الأوكسجين ، لا تتلوث صفاتهم بحطب الكؤوس. هم أيضاً هناك مع بقايانا العُزل.. يهدمون تماثيلَ الجسدِ . تهيئةً للصيد في الآبار السحيقة ، حيث تطفو الأعيرةُ النارية فوق المخيلة دون تهميش لفتنةٍ أو سحقٍ لصور الملائكة . هل سنقفُ لمحاكاة اللغة. هل مدفأةٌ واحدةٌ تكفي ، لاستخراج الحليب من سرير الفاتنة. الآن الاعتقاد بأنفلونزا الفصول، شهواتٌ بلا حدود. عيدانُ الكبريت متوترة. الظلام غير برئ. وكل الكؤوس غارقة بدم الأوبرا.
الربيع
الأجسادُ الأهراماتُ ..
تنهضُ في فضة الحقول الدونجوانية .
والطائرُ النفسي مخضبٌ باللقاح .
فيما الحبّ يمضي متعمقاً في آخر النقاط .
يحدث ذلك بجرأة مرآة ، تحفظُ بصماتَ العابرين
بين ثيابها المرتوية بالبصر .
وكان هو ،  يجتمع بمدوناتهِ العارية.
يطردُ العرّافَ المهرّج من بين أضلع الأحلام أو الصفحات الشبيهة بالكهوف.
بعدها ..ليشيرَ بإصبعه نحو الريش المتساقط من القمر ،
ليلة انبعاث الفراش.
يتبعهُ العندليبُ بسؤال:
ما أشدَّ البلاغة ،
عندما تنضجُ الروحُ ثمرةً مفككة البراغي،
ووشيكة العراء دون مساحيق.
كأن كل شيء يستمرُ بتفريغ العاشق
من الأثاث القديم،
ووحدها لا تتألم ..
تلك الثيابُ الملقاة على الرمال في اللوحة.
س/متى تدعْ المصابيحَ تَجنُ بالرذاذ على صدري الماثل للطباعة؟
ج/كأنكِ توحدتِ بوجه من كان شبيهكِ في سورة الخمر  دون انطفاء؟
س/وحده النسيانُ هو ألإطفائي . والمرآةُ أعظمُ النحاتين على طول لهاثكَ بين بساتيني .
ج/وهل ستسهرين مع أشباحك في الزجاج؟
س/لا . أنا جرسٌ من خََزف صيني على سطح  ماءٍ مأهولٍ لا ينكسر .
– ج/وربما لا يستنكر طباعك التي لا تُمحى من العين.
س/أيها القطار .. لماذا تعومُ في أعلى الأبراج النفسية، ولا تنزلق في حضني قدماك؟
ج/حذار من أبراج الورد ما بين تموجات النفس ورغوة التراب!
س/سأنتظر ببضائع الجنس.فمتى تَشحنُ؟
ج/عندنا المرايا تضع لولباً ، لئلا تحبل بمكروبات الصور القَلِقة.
كان يمرُ  بطقوسهِ ، وخلفهُ مدخراته من الألعاب والفلسفات واللاهوت والذئاب . الجبالُ في وديان نفسه تقاربُ على الانتهاء. والظمأ ، عادة ما يتكئ على حنفية نوره في نهاية النفق. وكما الأوبرا من سلسلة جبال الرأس . أو من سلالة طيور هجرت مقاعدها في الهواء. فإن نفسه  ستكون منغمسةً في ليل ، كما الشُعب المرجانية في منازل البحر . وفي الوقت المضاف لتعتيق القلب بالبخور والكتب وشقائق النعمان. سيبقى الربيعُ يراقب خصومهُ  بعيون الفيلة.
الربيع كما يقول الساحرُ :هرمونُ على مائدة التراب.
الدومينو
لتمتْ الجَرّارةُ قبيل تنظيف المفكرة في الصباح الباكر.نحن التواريخُ نسعى  لاستعمالات أخرى في منازلنا المضاءة بفتنة الغيم  والإناث والانقلابات وثعالب الدراما.
كم من الأشجار المتفجرة في النفس ، سننتظرُ.
وكم من الثمر سيختمر بالموسيقى،بعيداً عن الكلاب ومراعيها في البقع السوداء.
الأشخاصُ أرقامٌ من المواشي والعناوين والمدافن.
هكذا نولدُ عصابات مراهقين دون تخوم.
رمزنا الخطيئةُ.
وعلى جباهنا الثلجُ الصحراوي دون كاميرة أو دليل.
ما أفظع الزمن .. كأن يصنع سبورته من جلد تمساح مهيب..
وعليها البواخرُ تلال متكسرة.
بالأمس . سنكتشف عادات العواصف .
وكيف تنامُ في الصندوق الأسود مع الصفات والتمثيل الجنسي والأحاسيس.
الجسدُ يزدحمُ بالكشافة،
والعواطفُ حفرُ نارٍ على طول الدماغ .
وبعدها الحبُ غرفةُ دومينو بلا سقف.
يا للهول
العاشقُ شاشةٌ تفيضُ حليباً مُراً دون هوادة.
• س/ ما عادت الرسائل شاسعة العيون.
• ج/تقحلت بطونها. وصار العاشقُ من جماعة النمل الأمي!
• س/سأضحكُ من يأسك حتى الهزال .
• ج/الحبّ في الجيش. تأكد. والكلماتُ ثعابينٌ غائمة تحت الرمال.
• س/كأني أراكَ منتعشاً بالعزلة؟
• ج/لم يعد الماءُ رسولاً . صار تقويماً لمسوّدة عن هذيان الدماغ.
• س/ ولن تخرجَ من المذبح بعد الآن عاطفةٌ بتضاريس الأعراس.
• ج/ولكن .. ما من طفولة مخترقة مثل طفولة الدجاج  .
• س/والحبيب .. ألا تراه يفقس كالبيض؟
• ج/ وأراهُ يتسعُ بالتشويش
ننزع عن قلوبنا الأختام ، ونرتفعُ. أمامنا أنهرٌ بثيابٍ ممزقة. وكعادة تلك المياه، فهي لا تسألُ عن أسماكها بين الأقدام.
العاشقُ حصانٌ مريضٌ يتكومُ  . والموسيقى موقدُ نار في الخيال. وكان هو يتذوقُ الشفةَ بصمتٍ شاحب داخل السرير. ولم يستطع مناداة ذاته على طول الملايين الضالة من لمسات لا تتوقف عن محاكاة فيضانات الجسد .هل تراهُ سيقول:العطرُ أولُ مؤنِ التاريخ. وكل حياةٍ حوضُ بكتريا ؟! لا متسع لحبكةِ الوقت.الكائنُ جنازةٌ ينهار على نفسه. وينتهي قصاصة ظلام.
الخريف
 يراقبُ الوقتَ على الرصيف من العين الساحرة.يراهُ عمارةً ضخمةً يتقاسمُ طوابقها ممثلو البيرة والمكتبة العقلية ودجاجات محجبات من اليمن.
يراهُ باباً ثقيلاً على مد العين وفي جزر الطفولة الصفراء .
ومعهُ القوافلُ الشاحبةُ إلى منتجعات الجنازة .
يالها من أشباحٍ ترصدُ القلبَ من أعالي التلال.
الآن .. الشمسُ تمتصُ الضباب من ضروع الغابات.
كم من الحشائش خاملة في الدماغ؟
يقول السمكري ، وهو يصلحُ ملذات الموتى في مواسير التعبير بعيداً عن المدافن.
الحفرياتُ في العواطف  تستمرُ ..
والعاشقُ ثرثرةٌ ملحدةٌ تتغضنُ بالسكون على الدرج الإلهي ..
وأنتَ غائب ٌ في حبة نوم.
س/لم تعد النساء من مصطلحات النصر . أليس؟!
ج/ها أنتَ ترمي بجسدكَ خيمة على عرض صحراء !!
س/لكنه الأصفرُ الذابلُ . ينهالُ على مستوطنات لحمية.
ج/والحشراتُ  تقتاتُ على الجمال . أليس ؟
س/الخريفُ مذبحٌ . ونحن طبيعةُ الخداع الصامتة في الحواسّ.
ج/أعرف ذلك من عظام الليلِ المتبقية على طاولتكَ في السديم.
س/إذاً تعال سجلْ صورةَ الماء الفارغ على شريط رنّان .
ج/من أجل الرقصة الهابطة من بين السيقان تقصد؟!
س/كلا. فكلما اتسع الجفافُ توسعت المدافئ لابتلاعنا خشباً .
ج/انظر . الآباء بعيون الفيلة .والأرواحُ أكياسُ إسمنتٍ على القارعة!!
عندما يبدأ الموتُ بتكوين أشجاره فينا . سرعان ما نستهدفُ برميل الطبيعة، ونكون حطباً هناك. الذئابُ تساقطُ على مدار ساعة اليد. ونحن داخل صفاتنا نغرقُ دون تردد . هل نحن في الكآبة آلهةٌ ميكانيكيون والأسباب عجاف ، ربما. فدورة الفصول انقطعت عن الأحلام ، وبنت اللقالقُ على الشفاه أعشاشها الكلسية. الوداعُ وحدهُ آدم دون ريش . وكان يمتلئ بنا ويخاطبنا بالغناء الحادّ. وكنا على مقربةٍ من الأسوار ، نحاول اجتياز المأتم ، لولا تلك البنادق التي كانت تطلقُ الوحشةَ علينا لأسابيع طوال. ماذا نفعل ؟ هل نحدقُ في الكتابة . ونتخيل الكلمات الهاربة بطفولتها إلى خارج السرير. ماذا يناسب أمراضنا في العاشقين. وكم سنقول: الشيخوخةُ نغمٌ أصغر سنّاً من الصفصاف . ما زلنا غرباء نفقدُ جثثنا في الله تباعاً.ونراقبُ الوقتَ على الرصيف من العين.
الصيف
الشمسُ الدابةُ على كرسيها العميق
دون  انقراض.
والنساءُ في مقلاة العري بلا رتابة. فيما على الحلماتِ عشبٌ ،
تراهُ الكاميراتُ ، فيزداد ضغطها في الدم والحديد وما شابه.
صيفٌ كمقدمة سرير  قابلٍ للانهيار ..
والدماغُ يقتبسُ من البجع مضادات الشيخوخة.
هو كاسٌ هنا وهنا كأنهُ مجرى ، وفيه قواربٌ تبحرُ على وقع الحرارة .
هو  وردٌ يتشردُ  بعيداً عن ذكرياته في مدافن الجليد
والرماد والسلالات القاحلة .
كل شئ معقمٌ في حافلة الصيف الشاهقة.
الأصابعُ أغصانٌ ملقاة على البيانو بثمالةِ متصوفٍ .
الثيابُ أفران عديمة الأخلاق.
– ما الذي في جيبكَ الشهواني يا عابرَ الماءِ المباحْ   ؟
إنه رأسي قبيل تساقط  نوتاته.-
إذاً .. تقدم خطوة ً في النساء . ضعْ من لحمكِ لهنّ زكاةً في كتابٍ أو على وسادة .-
¬وهل تراني في غير مشهد المحو مع شعوبي في الألعاب النارية والسيرك وتماسيح التراث .-
– لن تُعبّر قط عن وحدتكٍ يا هذا .. الأسماك في الدموع تنقضي.ولستَ ممنْ يسكنُ قصائد.
-أدرك هذا الآن. لذا تراني أنقل الجبالَ للنفس كيساً بعد كيس.
– ومثل ذلك  أتيناكَ بالغناء ، ليكون أفضل مغانم الحقول.
– والقراءةُ .. أليستْ بركةً من نار؟
– وإنّا لحرائقها من المستهلكين.
– اسمعُ الآن نقيقَ الضفادعِ في مجاري العقل.
هو ذا لسانُ الشيطان يُحركُ بظرَ الطبيعة بانهماك واضح .-
 ومعه المراوحُ لتبريدِ شهواتِ الأفئدةِ وما يَفِيضُ من ذكريات تلك اللحوم.-
ليس الجسد وحده يتفتتُ أطلالاً على الفراش. يا إلهي ، كم من خريطة رسمنا بلا أرض بلا سكان.وكم من الليالي سقينا بأساطيرَ وكؤوس مأهولة بتأملات.عشنا حشراتي وطيوري وسباتي في العناصر . في النوافذ وفي القارئ الوهمي المميت.لبسنا طلقةً لأجهزَ  بنفسي على الحجاب ، وأكون رياحاً لأنفلونزا الفصول .
لاحقاً .. ثمة حرارة لتهذيب فنادق العقل.
لاحقاً .. العاشق على مرآة الجريمة والمسدسُ في الجنس سمكٌ بلا حدود.
لاحقاً .. الأرواح بالبكتريا المعقدة.
والأعشاب الزرقاء حول العيون. كل شيء يزدادُ بللاً في الهجرة.
يا غابتنا السحيقة في الزجاج الحارق . في الماء المبكر على سطح اللغة. الآن.. سيجري غسل التراب بالزلازل والارتعاشات.