موقع الكتابة الثقافي
Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn

تتجسد لي الكتابة هذه الأيام "كملاك حارس"، تمضي جواري، وتمسح عن روحي القلق، وتخفف من حدة الحزن، والدموع التي تنساب أسهل، والحنين والفقد اللذان ينموان بشراهة، فلا يسعني إلا ان أتحسس قلبي وأجلس في صمت، أعد مرات التنفس المنتظم وأحاول تجاوز نوبات الوجع.

أفكر ما الذي يجعل الحزن يخرج من تابوته ” صندوق الحكايات ” الذي أغلقته بقوة وعناية على كل ما اوجعني ، كيف يجعلني رحيل أمي القديم الذي كان منذ تسع سنوات أستيقظ في الليل لأتذكر ابتسامتها ، وكيف تفك علبة دواء تشبه ما كانت تتناوله غزل الأيام المنيع بيني وبين الذكريات.

أمر أمام المباني والشوارع فأتذكر كل الراحلين، وتتسع هوة الموت والفقد في قلبي..

أفكر أن مشاهد الحرائق في مسلسلات رمضان كانت اكثر من الازم لدرجة تجعل القليل من الحزن محرضين للوقوف فوق سحابة تمر مصادفة جوار شرفتي  أمسك  بيد زجاجة من الكوكاكولا التي تمنعها عني الطبيبة فلا يتبقى لي غير أن اغنى لها اغنية الإعلان الذي هاجمه الكثيرون وأحببته أنا واحتفظت به في سلة الحكايات ” ليحيي” قطعة الحلوى الأجمل التي ستجئ للعالم أو ربما للبنت التي أنتظرتها روحي أكثر من الازم وخططت للعب معها ومشاطرتها اللعب مع إيلي وعجوة وبيلا العرائس التي احبها واسحبها للفراش كثيرا في غفلة من محمد الذي ما ان ينتبه حتى تبتسم العرائس ابتسامة خجل وتنسحب من الفراش عائدة للحجرة الأخرى وهي تقول لي ” اشوفك الصبح” .

امسك بيد زجاجة الكولا وباليد الأخرى شعلة كتلك التي يمسكها ” أنديانا جونز ” في مغامرة له مع مومياء ما .اسكبهما معا وأشعل النار في السحابة ، لتتحول لبخار وأقع من فوقها  لكني بدلا من الصراخ والخوف ، سينبت لي جناحان للطيران ، سأرتبك قليلا لكني في النهاية سأفضل العودة للأرض لأني لم أعد بعد الأرز الأحمر لوجبة السمك .

السمك الذي تقول الطبيبة أنه مفيد للذين يحملون قطعا من الحلوى في أحشائهم .. انا التي تحب السمك تأكله قليلا جدا منذ قالت الطبيبة ذلك .

لأنه في الحلم تزورني كل سمكاتي البرتقالية ” افتقد سمكتي كانون ” التي كانت هدية زواج اهداها لي محمد بعد يومين من زواجنا ، اتذكر أنها وجدت في الدورق ميتة ومقلوبة على ضهرها مثل كل الأسماك الخمسين الأخرى التي حصلت عليها  منذ احببت أن يكون لدي سمكة برتقالي .

دائما برتقالي من نوع الفانتيل ، ودائما واحدة .

ودائما تكون نهايتها جملة غير مكتوبة ” وجدت ميتة ومقلوبة على ضهرها في الدورق “.

في المرة الأولى التي سألتني ملك عن سمكة كانت قد قلبت على ضهرها حديثا ، خشيت على براءتها من فكرة الموت كنا في رمضان منذ ثلاث سنوات ، أخبرتها ان السمكة غادرت لتزور امها وستعود بعد العيد . سألتني بخبث وذكاء “عن كيفية خروجها من الدورق ” ! استعنت بسيناريو فيلم ” نيمو ” واخبرتها ان السمكة غادرت من الحمام وذهبت معها لهناك وفتحت صنبور الحوض وأشرت لفتحة الحوض وقلت لها غادرت من هناك وستعود في تاكسي بعد العيد .

بعد ايام جاءت ملك ووقفت مرة اخرى امام الدورق الفارغ ، ونظرت له بتأمل ثم قالت لي ” ان السمكة لما تذهب لمامتها كما قلت ولكنها ماتت ”

الموت الذي يعرفه الأطفال ، وأخاف أنا اوجاع فراقه .

زار جارة أبي ، السيدة البشوش العجوز التي تشي بجمال في شبابها لا يخطأه احد ، افترقت عن زوجها بعد زواج دام اربعين عاما ، غادرت بيته منذ شهور ، وجاءت للسكن في الشقة التي أمام بيت ابي .

كنت أحبها واراها تصلح للكتابة ، وكان أبي يعتنى بها ، ويحكي لي كلما زرته قطع بازل من ما قصته له عندما صادفها على السلم .

الجارة التي لم تنجب وتسميها الجارات ” أم أحمد ” اختفت من البيت منذ أسبوع ، ذهبت مع أخيها للمستشفى وجاء اخوها في صباح يوم جمعه ووضع ورقة عليها الدباجة ذاتها ” وجدت في قاع الدورق مقلوبة على ضهرها ، أقصد أنتقلت الحاجة أم أحمد للرفيق الأعلى ”

فكرت من اين نسب لها اسم أحمد وهي التي لم تنجب !

لكني احتفظت بباب بيتها جدارا جديدا سأقف عنده كلما وقعت عيني عليه لأقف لحظة واتحسس القطعة التي تؤلمني في روحي . 

بينما تمد لي الكتابة يدها كأي ملاك حارس ، وتأخذني في حضنها العظمي البارد وتهمس لي ان أكتب المزيد من الحكايات ربما أقاوم ذلك الموت الذي يئن في أعماق روحي ويتردد صداه في كل الليالي الساكنة كشاشة السينما بعد نهاية الفيلم .

الفيلم الذي أختار مؤخرا ان يكون عربي وكوميدي وسخيف ، لكي يزيح من عقلي فيلم المخرج الأسباني ”  بدروا ألمودوفار” الذي جعل بطله يقف في نهاية فيلمه ” القناع الذي أعيش داخله ” يرتجف أمام أمه قائلا لها ” اضطررت لقتل اتنين كي أعود اليك ”

بينما قلت لنفسي اني وقعت في الفخ مرة ثانية مع هذا المخرج بعد فيلم ” تحدث إليها ” – كان الفيلم هذه المرة قاس وحزين أيضا .. الحياة تتحرك فيه وانت على الجانب الاخر من الشاشة لا يسعك سوى الصمت . تترك انطونيو باندريس يستعمل مشطره في التقطيع والتجميع ويصنع جلد بشري من دماء الخنازير ، ولا يفوتك كلما عبرت الكاميرا على ملامحه أن تفكر في الزمن الذي يسلبنا الشباب .

 

الزمن الذي يمنحنا ذكريات اختبرها كثيرا من مروا بهذا العالم قبلنا، كأن يكون لدينا ذكريات عن ممثل كوميدي رافقت افلامه الصبا والطفولة واستيقظت ذات صباح لتجده قد انتحر” فتهمس لنفسك بغصب ودهشة ” روبن ويليامز “! ذهب  ولحق بألبوم الصور الذي يتضخم  مضيفا صفحات من البشر والأماكن والحكايات، غادرت بلا رجعة، وتركت في ارواحنا خطوطا بيضاء وصمت. 

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:767. Generation time:16.802 sec. Memory consumption:291.42 mb