حُزْنٌ صامِتٌ

البشير الأزمي

” إن الدهشة لا تأتي بدون مناسبة”

  الميلودي شَغْمُوم

    رواية ” الأبله والمنسية وياسمين” ص: 28

الليلُ قبرٌ أدفن فيه نفسي هرباً من استرجاع صورٍ بقيت متناثرةً تخدش ذاكرتي..

سبق لي أن حذرتُك فلم تسمع تحذيراتي..

كيف سمحتَ لنفسك أن تغوصَ قدماك في الوحل، وأنت تعرف أن الخروج منه أمرٌ صَعْبٌ. احمرَّ وجهك وأنت تُنصتُ لما أقول لك، انتظرتُ أن تجيبني. نظرتَ إليَّ، مَططتَ شفتيك في عدم اقتناع، قرأتُ الانزعاج في نظرتك، ازدردتَ ريقك بصعوبة وأشحتَ بوجهك عني وقلت فيما يشبه الهمس:

” أراني أغيب..

في طريق لا يُرى آخره..

وفي عيني حزْنٌ

 صامِتٌ..”.

متى كان الحزن صامتاً؟ صرختُ في وجهك. حتى ولو لم نصدح بما يمزق دواخلنا يصل صدى الحزن إلى أعماقنا وأعماق من يحس بنا.

سبق لي أن حذرته..

ربما ستسأل من ماذا حذرته؟ لا تتسرع سأخبرك بعد حين.

أطلَّ عليَّ بوجه يُنبئ بجراحات داخلية. تعطلتِ الفرحة داخلي، أحنُّ إلى أُنْسِ الأمس، إلى الماضي القريب لأستعير منه ومضات حلمنا بها معاً لنبدد جهامة الواقع والزمنُ يمضغنا دون هوادة، وفي المساء نجلس نحصي هزائمنا.

اليوم أضحيتُ وحيداً، كلما حَلَّ الليل أنثر أشواقي ودمعي وأسترجع صورته. شاخت أحلامه وأمانيه وضاقت بها الذاكرة. نظراته تنهب وجهي وتوشك أن تترك عليه ندوبا. تعودتُ على شكواه، اليوم لم أعد اهتم بما يقول. كلامه يعبر أذنيَّ دون أن يثيرني. كلما شرع في إمطاري بشكواه أَمُدُّ خطواتي عبر الشوارع وأسترجع وجهه المنْبِئ بجراحات داخلية تنزف. وأسمح لغيظي بالنزيف.

سبق لي أن حذرته ولم يسمع تحذيراتي..

اقتربَ من النافذة، فتح ستائرها وأطَلَّ، ظلَّ للحظة يحدق في الأفق، استدار وطلب مني أن أقترب وأُطِلَّ، أطْلَلْتُ.. الضبابُ يزحفُ ويبتلعُ المنازل والأشجار ويسبح يميناً ويساراً. التفتُّ نحوه، كان قد عاد إلى الكرسي الهزاز وقعد بعد أن أحَسَّ بتعبٍ يجثم على صدره. نظرَ إلي وسعل، السيجارةُ بيده والدخان يصعد ويتلاشى. حدَّقتُ في وجهه مَلِيّاً، كان لونه قد امتقع وتلاحقت أنفاسهُ وخفق قلبه بسرعة، عرفتُ ذلك لأنه كلما حصل ذلك يضع يده على صدره. لم يجب، اكتفى برفع يده في استحسان طالباً مني أن أنتظر، وَزَمَّ شفتيه في استياء. بعد فترة تتالت أسئلته بصوت متهدج يميل إلى حشرجة. كانت كلماته تنغرز في طبلتي أذني كخنجر مُثْلَمَةٍ، حدقتُ في العروق النافرة في عنقه وهي تتمددُ وترتخي وهو يهمس والسعال لا يفارقه، وبصوت ينطق بالخوف والضعف قال: سيغمرنا الضبابُ ونتلاشى..”.

تلك كانت عادته، كلما أحس بالضعف  نثر عليَّ أحزانه وأشواقه التي لا تنتهي.

صوته يصلني من بعيد. كنتُ أحاولُ أن أبتعد عنه ما أمكن لي ذلك لأنه وهو يتكلم كان يرشني برذاذ لعابه..

أبتعدُ عنه وأعود إلى النافذة، أُطِلُّ، الضباب يدنو من بعيد.

قلت لك من قبل، سبق لي أن حذرته. وقلتُ لك أيضاً لا تتسرع سأخبرك بعد حين. معذرة، لن أفي بوعدي.. لا أريد ان أحكي لك عن قصة الهيكل العظمي، حسب روايته، والعهدة على من روى. قال إن شخصاً اقترب منه وخلع ثيابه، وتحول جسمه إلى هيكل عظمي. صار يتقدم منه محاولاً الإمساك به فسقط. تكسَّرَ الهيكل العظمي، فزع صاحبنا ومن يومها تحول جسمه إلى هيكل عظمي تسقط عنه  بين الفينة والأخرى قطعة. لا علينا. لا أريد ان أستمر في الحكي.

بقي وحيداً، يحس بنفسه كبيت هجره أهله وتركوه معرَّضاً للسرقة والخراب.. نبتتْ في داخله الوحدة والعزلة لا يزور أحداً، لا يرافق أحداً. أضحت منازل جيرانه كقبور، كل قبر يحتوي صاحبه ويحجز اللحدُ فرصةَ تواصلِ الواحدِ مع الآخر. تمَلَّص الفرحُ منه وغار في أقبية النسيان. ونبتت على لسانه الشكوى. تعودتُ على شكواه، لم أعد أهتم بما يقول، كلامه يعبر أُذُنَيَّ دون أن يثيرني، وهو يرقد في سريره ينتظر الكفن. أجول ببصري بين أرجاء الغرفة أرى قطعاً عظمية متناثرة هنا وهناك.