حكايات الرهبان فى وادى النطرون

حسن عبد الموجود

انتبه أحد الرهبان الذين يباشرون العمل بالزراعة – حول دير أبى مقار – إلى زوبعة تراب بدأت تتجه ناحيتهم من مسافة بعيدة وقال بصوت خافت: «واضح إنْ عندنا زوّار».

انتبه الآخران إلى وقع حوافر الخيل المسرعة. واتحد نظر الجميع إلى زوبعة التراب التى بدأت تكبر شيئاً  فشيئاً، وغرقوا جميعاً فى صمت ثقيل لزج لدقائق قبل أن يقول الراهب نفسه بحذر وقلق: «خايف يكونوا بربر»!

أخيراً توقفت القافلة. كانوا ثمانية رجال. وجوههم مسودة وكالحة. أغلبهم ملتح. أنوفهم مفلطحة. سبعة منهم كانت وقفتهم تكوّن ما يشبه حدوة الحصان، والثامن يتقدمهم بخطوات. رفع يده اليمنى عالياً مشيراً إلى الرهبان الذين كانوا يحاولون حماية وجوههم من الأتربة. كان يسأل بلكنته الصحراوية عن الذهب «الذى تخبئونه»، ثم أشار إلى الدير: «هنا»!

ورد أحد الرهبان فى ثبات إنهم لا يخبون ذهباً أو أموالاً، وهم مجرد رجال دين وهبوا حياتهم لله، لكن البربر رفعوا سيوفهم وسلاسلهم الغليظة الصدئة، وأمرهم قائدهم القصير بالتوجه إلى الدير للبحث بأنفسهم عن الذهب والأموال، وبقى هو يلوح بالسيف فى وجوه الرهبان الثلاثة. عادوا بعد دقائق يحملون عدداً من الأوانى وأجولة الفول والقمح، وقال أحدهم إنهم لم يجدوا سواها، فنظر إليهم القائد بغضب، قبل أن يعطى أوامره بقتل الجميع وإحراق المكان.

***

لم يسلم رهبان وادى النطرون من غارات البربر خلال القرنين الخامس والسادس الميلادى.

والواضح أن هذه الغارات كانت نقطة تحول ضخمة فى حياتهم وتعاملهم مع الغرباء فيما بعد.. هذا البستان يرصد تحولات الرهبان وحكاياتهم فى وادى النطرون منذ قيام الرهبانية حتى الآن.

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 40

(الحصن)

المؤكد أن القصة السابقة جرت أحداثها أكثر من مرة بوادى النطرون، وإن اختلفت بعض تفاصيلها. البربر كانوا مشكلة الرهبان الأولى، وهم رغم إغارتهم أكثر من مرة على الأديرة، وعودتهم خاسئين، إلا أنهم كانوا يشعرون فى قرارة أنفسهم أن الرهبان یخبئون الذهب فى ممرات أو سراديب سرية داخل الأديرة، ولهذا كانوا يأتون محمّلين بأمل فى أن يجبروا الرهبان على الاعتراف بمكان الخبيئة.

أكثر حوادث الإغارة هذه كانت تقع بالقرنين الخامس والسادس، اضطر الرهبان إلى إعادة التفكير فيما يخص علاقتهم بالغرباء وفكروا كثيراً فى إنشاء مبنى يكون أكثر أماناً داخل الدير.

التاريخ لا يذكر صاحب الاقتراح بإنشاء مبنی الحصن داخل كل دير، غير أنه يرتبط باسم منشئ الدير، والمؤكد أن تنفيذ هذه الفكرة قد احتاج إلى وقت طويل ومجهود خرافى.

(ملاك منير)

مبنى الحصن من الخارج يبدو مصمتاً إلا من مجموعة «كوی» ضيقة جداً ومتباعدة، بلا مداخل أو بوابات. يوازيه مبنى آخر، تفصلهما أمتار قليلة، غير أن هذا المبنى يبدو كشريط نحيف جداً، ويربط المبنيين جسر خشبي، يمكن القول إن المبنى الرفيع يمثل مدخل الحصن. السلالم ضيقة جداً، جرس ضخم يتدلى بحبل مفتول من سقفه. فى المنتصف يمكن الوقوف فى ساحة متسعة نوعاً ماً، تربط المبنى الرفيع بالحصن عبر الجسر. خطوتُ فرق الجسر ممسكاً بحوافه الخشنة، متأملاً الأرضية العتيقة، باب الحصن مغلق طرقته ففتح لی صبى، يحمل ابتسامة دائمة على وجهه. اسمه ملاك منير. وهب حياته للعمل فى الدير. قال لى إنه لايشعر بالملل لأنه حياته الحقيقية هنا. داخل هذا المكان، قال أيضاً إن الرهبان كانوا يعيّنون واحداً من بينهم يقف على سطح الحصن لمراقبة الصحراء. إذا رأى أحداً يقترب فإنه يحذر الرهبان فيتجهون بسرعة عبر المبنى الرفيع إلى الجسر ومنه إلى داخل الحصن بعدها يُرفع الجسر. بالسلاسل الحديدية ليصبح جزءاً من المبنى، يأتى البربر ويحاصرون المبنى أياماً. يحاولون إيجاد ثغرة ما لكنهم يفشلون. الحصن مرتفع جداً أيضاً، ولهذا لا يفكرون فى تسلقه، الكوى لا تسمح لأحد من الخارج بالنظر إلى الداخل. أول شريط کوى يعلو عن الأرض بمسافة عشرة أمتار.. أخيراً يضطر البربر إلى العودة فيما يعود الرهبان إلى حياتهم الطبيعية.

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 39

(العبد الفاشل)

الرهبان كانوا يستطيعون تحمّل حصار البربر لمدة عام كامل. يستطيعون الحياة بالداخل دون الحاجة إلى طعام أو شراب من الخارج. المواد التى يزرعونها حول الدير كانوا يخزنونها بعد الحصاد. الأغلب أنها أنواع من البقوليات. الرهبنة تستدعى البُعد عن الترف. المقصود بها طريقة المعيشة المنعزلة عن الناس. خطوة فردية تامة بقصد العبادة. حياة الوحدة التى عاشها السيد المسيح فى البرية بعيداً عن ضجيج الناس حين عكف أوقاتاً متفاوتة على الصوم والصلاة. ولا شك أن هذا من أهم القواعد التى استند إليها النسّاك المسيحيون الأوائل فى التشبه بالسيد المسيح، وفى التوراة كذلك أمثلة كثيرة، ولعل أبرزها حياة إيليا النبى الذى تذكر عنه التوراة أن الله سبحانه وتعالى أرشده إلى الحياة بعيداً عن الناس عند نهر کريت قبالة الأردن، وممن عاصر السيد المسيح، يوحنا المعمدان بن زكرياء النبى الذى عاش فى صحراء الشام حياة ناسكة حيث لبس قماشاً من وبر الإبل وعلى حقويه قطعة جلدية، وطعامه اقتصر على الجراد والعسل البری..

أعطانى ملاك مفاتيح السراديب الداخلية. قال لى نحن فى الطابق الثانى. استأذن فى المكوث بجوار مدخل كنيسة السيدة العذراء. تقع فى الطابق الثانى من الحصن، وتمثل ثلثى مساحة الطابق من الشرق، نُزع منها حجاب الهيكل، ونقل إلى الهيكل البحرى (هيكل السيدة العذراء) بكنيسة الأنبا بيشوى، توجد كتابة بالحبر الأسود بالهيكل البحرى من الكنيسة على الجدار البارز من الحائط الفاصل بين الهيكل وصحن الكنيسة، أكد لى أن هناك قداساً ولا يستطيع أن يغادر إلا بعد أن ينتهى. الساعة كانت السادسة صباحاً. المفاتيح كانت تحمل أرقاماً. وأبواب السراديب كذلك. دخلت إلى أول سرداب يوازى الممر الموجود أمام كنيسة السيدة العذراء، كان مظلماً للغاية لدرجة أننى لم أكن أشاهد يدى حينما ألوّح بها أمام وجهى.. اصطدم رأسى بالسقف. اكتشفت أنه كان منخفضاً للغاية، ولذلك سرت مستنداً إلى الجدار ومثنياً ظهرى. فى الحقيقة لم أعرف إلى أين أتجه، يدى كانت تقع فى الفراغ أحياناً فأفهم أن هناك حجرة جانبية أدخلها. اعترتنی فجأة رجفة حينما أضيئت الأنوار وجاءنى صوت ملاك محذراً وخائفاً: «ما تتحركش من مكانك». حينما وصل إلىّ أخبرنى أنه نسى غطاء البئر فى هذا الدور مكشوفاً، وأنه خشى أن أسقط. الفتحة كانت تبعد عن قدمي اليسرى سنتميترات قليلة. أمسكت بحجر صغير. ألقيته فاحتاج إلى عشرين ثانية تقريباً حتى أسمع صوت ارتطامه بالقاع. عرفت أن الرهبان فى أى دور کانوا يستطيعون عبر فتحات متوازية بكل دور أن يسحبوا دلاء الماء دون حاجة للنزول إلى البئر فى أسفل، أشار ملاك إلى فوهة فرن. قال إنهم كانوا يستطيعون الخبيز، هنا تركنى مرة أخرى بعد أن حذرنى من فتحات البئر وأرانى أماكن مفاتيح الإنارة. صعدت إلى الطابق العلوى، ثم إلى السطح.

مكان متسع، يحوطه سور عريض قصير ذكرنى بأسوار قرية الجرنة، التى صمّمها المعمارى حسن فتحى فى الأقصر، رأيت بعض الفتحات فى الأرضية.. هبطت من إحداها عبر سلمات قصيرة، أحنيت ظهرى.. السقف واطئ، وجدت مجموعة من السلالم الصاعدة التى قادتنى إلى السطح مرة أخرى! ربما كانت أماكن لاستراحة الرهبان أو لتخزين بعض متعلقاتهم. الكنيسة التى تقع على السطح كانت كنيسة الملاك الحارس ميخائيل.. على بابها الخارجى كان مكتوباً: باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة. الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه. قال لى أحد الرهبان إن الملاك ميخائيل هو رئيس الملائكة المسمّى بالحارس. كان يحمی الرهبان كثيراً من غارات البربر، ويفضح المتسللين إلى داخل الدير لسرقة الغلال..

كنيسة الملاك الحارس «اهتم بترمميها المعلم إبراهيم الجوهری ۱۹۸۲، ثم رممها البابا يوأنس التاسع ۱۹۳۰، أعادت هيئة الآثار سقف الحصن كما كان قديماً، ولم يتبق منه سوى كنيسة الملاك هذه».

هبطت مرة أخرى ماراً على الكنائس الموجودة بالطابقين الثانى، والثالث: «كنيسة الأنبا أنطونيوس. الآباء السواح، بالإضافة إلى السيدة العذراء».. على جزء من جدار الكنيسة الخارجى فوجئت بعشرات العبارات الأشخاص متطهرين بتضرعون: «عبدك الفاشل.. الخائن جاءك تائباً هل تقبل؟!»، «عبدك الضعيف الذى ملأته الدنيا قذارة يتمنى أن تصفح عنه. هل تقبل توبتى؟». باب الحصن يشع بالعتاقة، ألواح خشبية عريضة جداً وسميكة تُركت بلا تهذيب، وجُمعت إلى بعضها بالواح حديدية ومسامير غليظة. الباب بتحرك كله عبر وتد خشبى نهايته تشبه رأس الطائر. كنت أشك فى البداية أن الباب يتحرك بصعوبة لكن ملاك أثبت لى خطأى حينما حرّكه فانغلق بلا صریر كأنما يرتكز إلى سطح من المعدن المستوى.

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 41

(سهام البربر)

الكوّة الصغيرة من الخارج تتسع جداً من الداخل. مظهرها العام أقرب إلى مثلث رأسه إلى الخارج وقاعدته إلى الداخل. عرفت أن الرهبان قصدوا بهذا التصميم منع البربر والغرباء من تسديد سهامهم إلى الدير وفى الوقت نفسه يستطيع الرهبان مراقبة البرير جيداً دون أن يتاح ذلك للطرف الآخر..

دير الأنبا مقار يضم أيضاً، ولكن بعيداً عن الحصن، كنيسة الأنبا مقار، على بعد خطوات منها لوحة إعلانية متوسطة الحجم مكتوب عليها: «ممنوع مناداة الآباء بأسمائهم، الزيارة أيام السبت والأحد فقط، ولمدة ساعة». هناك أيضاً مجموعة من القلالی، أماكن حياة الرهبان، عبارة عن حجرة لها باب خشبى صغير، سقفها منخفض عادة، بعض الرهبان ينامون ويجلسون إلى الأرض، بعضهم إلى ملاءة صغيرة، والبعض الآخر ينام فوق سرير خشبى خال من الأغطية وبه ملاءات يستخدمونها كأغطية.

فكرة القلالی نشأت مع بداية النظام الرهبانی على يد القديس أنطونيوس. يؤكد مهتمون بتاريخ الرهبنة، فى وادى النطرون أن المحاولات التى سبقت القديس أنطونيوس كانت مجرد مقدمات لم تكن تخضع لنظم أو ترتيبات واحدة على أن هذه المقدمات مهدت للنظام الرهبانی وربما سبقته فى إنشاء القلالى.. من ضمن هذه المقدمات خروج أحد أغنياء الإسكندرية يدعی فرونتينوس إلى صحراء النطرون حوالی ۱۰۰ م، وكان من أصحاب الفضيلة، إذ خرج وبصحبته جماعة عددها نحو السبعين، قادهم إلى صحراء النطرون حيث أسس أول ما عُرف بالقلالی المسيحية. يشير الدكتور حكيم أمين إلى أن هذه الجماعة تذمّرت على قائدها، لنقص الغذاء، وقلة المؤن التى تعهّد أحد أغنياء الإسكندرية أن يبعث بها إليهم، فتفرقت واندثرت معالمها بموته.

ومما لاشك فيه أن قیام فرونتينوس وأتباعه بالزراعة فى تلك البقعة الصحراوية بعيداً عن ضجيج المدن وعسف الولاة الرومان واضطهادهم جعل لوادى النطرون أهمية مستقلة إذ هرع إليه الراغبون فى الحياة الرهبانية الآمنة حيث ضمان القوت عن طريق الزراعة، على أنه من ناحية أخرى كان لموت فرونتينوس أثر واضح فى نمو مجموعة الرهبان فى وادى النطرون، وأغلب الظن أن كثيراً منهم عاد أدراجه إلى المدن والحياة المدنية لسبب أو آخر. ولكن هذا لا يمنع بقاء بعض الرهبان من التابعين له فى تلك البقعة، برغم أن التاريخ لم يدون عنها شيئاً.

(مكاريوس)

دير الأنبا بيشوى أحد الأديرة الأربعة الموجودة بوادى النطرون. الأخرى هى: دير بارموس، أبى مقار، السوريان، يعتبر المقر البابوى. الدخول إليه صعب جداً ولا يتم إلا بتصريح مباشر من قداسة البابا شنودة. بوابته ضخمة بها كوة صغيرة، يستخدمها القائم على شئون البوابة. اسمه مكاريوس. شاب صغير السن. نحيف. ملامحه حادة غير أن نظرات عينيه تحمل طيبة ما، حينما كنت أضغط الجرس الموجود بالخارج كان يفتح الكوة، يتطلع إلىّ، ثم يغلقها ويعود ليفتح البوابة. يبتسم ويدعونى للدخول. طوال أربعة أيام كنت أفعل هذا أكثر من مرة فى اليوم حيث أننى كنت أنزل فى «المضيفة» التابعة للدير. تبعد حوالى كيلو مترين، الطريق ليلاً مظلم جداً، حينما يكون القمر غائباً فى الصحراء تتحول الظلمة إلى ما يشبه الموت، لا تكاد ترى أطرافك، لا تسمع إلا صدى أنفاسك المترددة، المترقبة للمجهول، تتحسس موضع خطواتك، حينما تمر سيارة ملقية خطّين من الضوء القوى تقيس المسافة التى قطعتها والتى تبقّت لتصل إلى المقر البابوی. قبل أن تعمّ الظلمة مرة أخرى. شعرت بأننى أنهار كبيت هشّ فى زلزال عاصف حينما جذب أحدهم ذراعى فى إحدى المرات. لم أتفوه. بادرنى بالسؤال عن أحوالى. قال لى إنه أحد الرهبان وسألنى هل يمكن إن كان بإمكانه أن يساعدنى فى أى شىء؟ لم أره أبداً، لكنى شكرته على أية حال، وتركته مواصلاً طريقى إلى حيث الدير. إلى مكاريوس الصغير الذى دعانى للحديث ذات مرة فى المبنى الصغير إلى جوار البوابة. أطلعنى على عدد من الصور التى يحتفظ بها. صور للسيدة العذراء. للسيد المسيح. للشهيد مار جرجس. للأنبا مكاريوس. الحقيقة كانت لديه معلومات دقيقة عن وادى النطرون. قال إنه وادٍ مستطيل بأقصى الشمال الشرقى من صحراء ليبيا، وامتداده حوالى ستين كيلو متراً، وعرضه يتراوح بين ثلاثة وعشرة كيلو مترات، ويبعد طرفه الشمالى الغربى عن الإسكندرية حوالى خمسة وثمانين كيلو متراً وتبلغ المسافة من طرفه الجنوبى الشرقى إلى القاهرة حوالى ثمانين كيلومتراً، وتشتهر سلسلة التلال التى تطوقه من الشمال باسم صحراء نتريا أو جبل نتريا، وهو اسم تاريخى أطلق فيما بعد على وادى النطرون كله.. كما أطلق اسم «الإسقيط» على المرتفع الصحراوى الذى بنى عليه دير مكاريوس الكبير. حيث ذكرت سیرته أن هذا المكان الذى سكنه مهجور تماماً، لا يستطيع الحياة به إلا الراهب المحنك، ولم يكن به فى بادئ الأمر راهب سواه، وعلى مقربة منه صحراء عامرة بالرهبان..

هناك أيضا قرية بيامون التى وردت فى قصة الرهبان التسعة والأربعين، الذين ذبحهم البربر ودفنت أجسادهم فى هذه القرية، أوائل القرن الخامس الميلادى، وأقيمت بهذه القرية قلعة صغيرة، حرصت الحكومة الرومانية. الحاكمة وقتذاك على تزويدها بالجنود المكلفين بحراسة هذه المنطقة من البربر الذين دأبوا على الإغارة على عمال مناجم النطرون.

(مكاريوس مرة أخرى)

سألته عن سبب تسميته بمكاريوس. قال إن ذلك تیمن بالأنبا مكاريوس. الذى جاء فى وقت مبكر من حياته إلى وادی النطرون. وفى سبب مجيئه تختلف الروايات. البعض يشير إلى أنه اتهم بالزنا مع امرأة أثناء إقامته خارج القرية، فثار أهلها، وأوسعوه ضرباً حتى تعهد بأن يعمل ليكفل نفقة هذه المرأة مدة حملها غير أنها اعترفت ببراءته عندما تعسرت ولادتها، فأسرع الناس يطلبون منه العفو على إساءتهم، لكنه هرب إلى وادى النطرون، إنكاراً لذاته، أما الرواية الثانية فتؤكد أن أهل قريته رغبوا فى ترسيمه قساً ليقيم بينهم غير أنه لم يرغب فى ذلك زهداً منه، ففضل الهروب إلى نتريا، ولم يقم الإطالة بها، إذ انتقل إلى صحراء القلالی «سيليا»، ثم إلى صحراء بترا عند نقطة اتصالها بصحراء القلالی، وحفر لنفسه مغارة بجوار إحدى القلاع الرومانية القديمة، ولكی يوفر على نفسه مئونة السير مسافات بعيدة لإحضار الماء حفر بئراً، فى ذلك الوقت كان صيت القديس أنطونيوس ذائعاً فى الصحراء الشرقية، فذهب إليه، ولبس إسكيم الرهبانية عنده إيذاناً بدخوله الرهبانية الأنطونية.

(سعف المغارات)

رغم القصة السابقة فإن القديس مكاريوس الكبير لم يكن أول راهب يسكن بـ«شيهيت» ذلك أن سيرته ورد بها أنه – أى مكاريوس – فى إحدى جولاته بالصحراء الواقعة جنوب صحراء بترا، صحراء «شيهيت»، وصل إلى مرج أخضر، وفى وسطه ماء، وحوله شجر صفصاف، وتأمل فرأى رجلين ليس عليهما من الملابس إلا الجلود وشعرهما طويل، أظافر أيديهما وأرجلهما تشبه أظافر الحيوان. ارتعد مكاريوس فزعاً لكنه كلمهما. سألهما عن أشياء كثيرة فأجابا قائلين: نحن ما سكنا ديراً جملة، ولا شاهدنا زياً مثل ما عليك، لكن اتفق أحدنا مع الآخر منذ زمان طويل، وأتينا إلى هذا الموضع ومنذ يوم، جئنا إلى هذا المكان لم ينظرنا من البشر، الذين فى هذه الدنيا إلا أنت.

واشتغل مكاريوس الكبير فى بترا بعمل السلال، التى أعطاها للجمالين، الذين أتوا لحمْل النطرون، ليبتاعوا له بثمنه خبزاً یابساً يقتات به، وذاع نسکه، فانضم إليه كثيرون من الرهبان المجاورين الراغبين فى الحياة الرهبانية على يديه وحسب إرشاده فكان يُلبسهم زی الرهبنة، ويعلّمهم شغل اليدين، وحفر المغارات فى الجبال وتظليلها بالسعف.

(إليزابيث بولمان)

دير أبى مقار يحتوى أيضاً على مكتبة ضخمة، بها مئات المخطوطات الخاصة بالتاريخ الكنسى والرهبنة. فى اليوم الثانى لزيارتى إلى وادى النطرون کنت هناك فى صحبة مجموعة كبيرة من الخبراء العالميين المتخصصين فى تاريخ منطقة وادى النطرون الذين جاءوا خصيصاً لحضور ندوة عُقدت عن تاريخ هذه المنطقة.

مررت بسرعة على العناوين المصفوفة بعناية فى دواليب خشبية لها واجهات من الزجاج: «كنوز النعمة، الأبصلمودية السنوية، الكيهيكية، کتاب أباطيل العالم، الأناجيل الأربعة، سيرة سمعان العمودى، أخبار القديسين، سير الفتية الثلاثة القديسين، عجائب القديسين، قداس باسيليوس، أمثال سليمان الحكيم، أسفار القضاة، سفر الأمثال، الشهور القبطية، رسايل بولس، قطمارس الصوم، مدائح شهر كيهك، والكتاب المقدس» عرفت فيما بعد من باحثة أوروبية. اسمها إليزابيث بولمان أن عدداً هائلاً من تلك المخطوطات فُقد. بعض الرهبان كانوا يتخلّون عنها لمصلحة زوّار وافدين من بلدان العالم المختلفة. الأمل قائم فى استردادها خاصة أن هناك مكتبات عالمية أعلنت استعدادها لإعادة هذه المخطوطات. المشكلة أن بعضها موزّع على هذه المكتبات.. مكتبات يوجد لديها عشر صفحات فقط من مخطوط، أخرى مائة من المخطوط نفسه.. وهكذا فإن الأمر يتعدى مجرد فكرة إعادة المخطوطات إلى البحث المتأنی الدقيق حتى يتم التأكد من أن بعض الصفحات العائدة تنتمى إلى مخطوط معين.

أطلعتنى بولمان على صور نادرة لمجموعة الضباط الشهداء فى الجيش الرومانى، مار جرجس، مارمينا، أنبا تادرس، قبل أن نغادر مكتبة الدير الضخمة.

(السوريان)

ترجع تسمية دير السوريان إلى مجموعة من الرهبان السوريين كانوا موجودين مع رهبان وادى النطرون. استقروا فى هذا المكان. الرسومات والزخرفات الموجودة على جدران كنائس الدير تعود إليهم.

قصة تأسيس هذا الدير تبدأ مع جماعة القديس يوحنا کولو بوس، المعروف بيوحنا القصير الذى وُلد فى إقليم البهنسا ۳۳۹م. حينما بلغ الثامنة عشر، رغب فى حياة الرهبنة إلا أنه تردد قبل أن يُقبل عليها، فخرج إلى بعض الأماكن الموحشة، يدرب نفسه ليعرف مدى مقدرته على هذه الحياة الدينية الصارمة واطمأن يوحنا إلى نفسه فخرج إلى وادی النطرون ليتتلمذ على يد القديس بامو الذى أصبحت له رئاسة نتريا وإعداد الرهبان المنفردين فى سليا بعد وفاة الانبا آمون، ويقال إن اختبار يوحنا القصير الرهبنة على يد القديس بامو لأنه من بلدته، الأمر الذى دفعه للإقامة فى قلاية إلى جواره..

(شجرة الطاعة)

من الاختبارات التى أجريت على يوحنا القصير لقبوله راهباً ما ذُكر عن القديس بامو أنه أعطى يوحنا غصناً جافا طالما توكأ عليه وأمره بأن يغرسه على مسافة بعيدة ويتعهده بالسقى، وعلى الرغم من صعوبة نقل المياه إليه وجفاف هذا الغصن، فإن يوحنا لم يتأخر عن تنفيذ أمر معلمه، حتى أنه مات بعد ثلاث سنوات. على حد قول الرواية. المهم نبتت العصا، وحملت ثماراً، أتى بها إلى معلمه، الذى قدّم الثمار لتلاميذه قائلاً: «خذوا كلوا من ثمار شجرة الطاعة»..

توالت زيارات القديس بامو إلى قلاية يوحنا لتعليمه الإنجيل وتدريبه على حياة النسك، حتی حصل يوحنا على درجة عالية فيها، وشهد له زملاؤه حين قال أحدهم «إن الأب يوحنا القصير ارتفع أكثر منا، وذلك لنقاء قلبه وتواضعه الحق، ففاق كل من مات فى شيهيت»..

وعاش يوحنا القصير مع القديس بامو وعندما أشرف القديس بامو على الموت أوصی تلميذه قائلا: «يا یوحنا، يا ولدى عندما أغادر هذا العالم، اذهب وعش فى المكان حيث زرعت الشجرة، إذ أن هذه الشجرة التى لك فضل إنباتها هى رمز لهذه النفوس التى ستنقذها فى هذا المكان، والتى ستجعل لك ذكرى أمام الله»..

وعندما توفى الأنبا بامو، ذهب بوحنا إلى حيث الشجرة، وبنى لنفسه مغارة فى وسط برية شيهيت، فى مكان يقع على مقربة من دير تأسس فيما بعد، وهو المعروف الآن بدير السوريان أو يوحنا كاما، وذاعت سيرة الأنبا يوحنا النسكية فاجتمع حوله كثيرون ممن رغبوا فى الحياة حوله، وحفروا لأنفسهم بئراً، لتوفر عليهم مشاق السفر إلى مسافات بعيدة لإحضار الماء من الآبار القديمة. حتى إذا ازداد عدد قلالى هذه المجموعة، بنى لهم يوحنا كنيسة حوالی ۳۸۰م.

غير أن رهبان هذه المجموعة فروا أوائل القرن الخامس الميلادی، هرباً من هجمات البرابرة الذين هدموا القلالى والكنائس.

(تقاليد الرهبان)

فى السادسة من صباح اليوم الثالث كنت أسير فى الشارع الذى يصل «المضيفة» بـ«دير الأنبا بيشوى». فوجئت بسيارة صغيرة للغاية تقف إلى جواری. کان أحد الرهبان. سلم على ودعانی للركوب إلى جواره. قال إن هذه السيارة يستخدمها فى التنقل بين الدير والزراعات التابعة له. طلبت منه بتردد أن يصحبنى فى جولة إلى هذه الزراعات. مساحات واسعة. الزراعات لا تتعدى فى أغلبها البقوليات. قفز إلى ذهنى فجأة التحديد الدقيق الصارم الذى كان يفرضه الآباء الكبار على الرهبان فى أديرة الصحراء الشرقية فيما يختص بأوقات ممارسة الأعمال اليدوية. على الرغم من أن العمل قانوناً حُدد له فى وادى النطرون من الساعة السادسة إلى التاسعة فإن الرهبان دفعوا عن أنفسهم الملل فى كثير من أوقات صباحهم بالعمل اليدوى. قال لى إن السياسة الاقتصادية العامة فى الجماعة الرهبانية الاكتفاء الذاتى، أى لا تزيد المصروفات على الإيرادات مع الحرص التام على تخصيص جزء من هذه الإيرادات للتصدق على الفقراء والمساكين.

العمل اليدوى عند الرهبان أمر مفروض كما يذهب الدكتور حكيم أمين فى كتابه «تاريخ الرهبانية والديرية المصرية». يؤكد أن التعاليم الدينية التى حتّمت العمل اليدوى. وهى ترجع إلى العصر الرسولی، حينما حدثت بدعة بين بعض التسالونيكيين فقام جماعة منهم اعتقدوا أن الساعة آنية وأن العالم على وشك الزوال، فاجتمعوا فى الكنائس وتركوا أعمالهم، وتفرغوا للعبادة، فانبری لهم بولس الرسول ينقض بدعتهم، ونادی بقوله المشهور: «من لا يعمل لا يأكل»، وشرح أهمية العمل فى حياة العابد المسيحى بقوله: «أنتم تعرفون كيف يجب أن يُتمثّل بنا لأننا نسلك بلا ترتيب، ولا أكلنا خبزاً مجاناً من أحد، بل كنا نشتغل بتعب وكد ليلاً ونهاراً، لكى لا نثقل على أحد منكم، فإننا حين كنا عندكم أوصيناكم بهذا إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضاً»!

(رشدى سعيد)

فى اليوم الرابع والأخير ذهبت مع الوفد العالمى لزيارة حفرية دير يوحنا القصير. الأتوبيس الذى أقلّنا توقف على الخط السريع. قال سائقه إنه لا يستطيع السير به على الرمال. هذا يحتاج إلى إطارات عريضة. ومع هذا السير سيصبح صعباً. ترجّلنا على الرمال لمسافة كيلو مترين أو ثلاثة. كان رشدى سعيد أعظم جيولوجى العالم يقول بصوت مرتفع: «ما أجمل أن تسير فى الصحراء»!

كان أولنا وصولاً الى الحفرية. آثار الدمار واضحة بالمنطقة كأنما اجتاحها زلزال. أشار أحد الخبراء إلى جدار بارز به بعض الكوى، قال إن هذا الجزء كان مخصصاً للدفن. العمل على معرفة مكوّنات هذه الحفرية صعب جداً، تم على مراحل. قدم أحد العمال سقطت ذات مرة فى الرمال وأحدثت جلبة. تعرّفوا على حجرة صغيرة طولها أربعة أمتار وعرضها كذلك. عليها رسومات وبعض الكتابات. سقفها أقرب ما يكون إلى قبّة. العمل صعب جداً. هكذا كرر الخبير. برر ذلك باحتمال أن تكون هناك كنيسة كاملة أسفل الكنيسة المكتشفة. والخوف – كل الخوف – من إشاعة الفوضى والدمار اذا لم تُتخذ احتياطات كبيرة وضياع ما تبقى من هذه الحفرية. حذر أيضاً من أن الاحتياطات ينبغى أن تمتد بحيث تكوّن ما يشبه المشروع التنويرى، ينبغى أن يعرف المزارعون أن الزحف الزراعى يهدد آلاف الحفريات الأخرى المدفونة تحت الرمال. كما أن الزحف العمرانى ينذر بكارثة حضارية.

تذكرت عند هذه اللحظة كلمات قداسة البابا شنودة عن تاريخ المكان. يؤكد بلهجته الواثقة أن وادى النطرون كان يضم آلاف الأديرة. لم يتبق منها سوى الأربع الشهيرة. الباقى مدفون تحت الرمال. الزحف الزراعى يعنى أن تضيع هذه الحفريات تحت ضربات المعاول والبلدوزرات.

(الأنبا بيشوى)

«ولد هذا القديس بالدقهلية، مات أبوه فتولت أمه تربيته مع إخوته السبعة وهو أصغرهم، وعندما بلغ سن الشباب رغب فى حياة الرهبنة فذهب إلى وادى النطرون وأصبح زميلاً ليوحنا القصير فى البريّة وتتلمذ معه على يد الأنبا بامو وداوم على حياة النسك. أقام ثلاث سنوات لم يقابل شخصاً سوى وجه مرشده، كما كان دائم القراءة فى الإنجيل والتوراة. وقيل إنه حفظ سفر أرميا حتى لقّبه البعض بیشوى الأرمى. عاش مع زميله يوحنا القصير فى المكان الذى زُرعت فيه شجرة الطاعة، ثم انفصل عنه بعد مدّة وجيزة. وسكن فى مغارة قريبة.. وليس هناك تاريخ مضبوط لقيام جماعة رهبان الأنبا بيشوى، غير أنه يمكن ربط تاريخ قيامها بوفاة الأنبا بامو، وانتقال الأنبا بيشوى إلى المغارة التى عاش فيها بعد انفصاله عن الأنبا يوحنا القصير، هذه المغارة هى النواة التى تجمعت حولها الكثير من قلالی الرهبان الذين سكنوا إلى جوار الأنبا بيشوى»..

ممرات هذا الدير متسعة نوعاً ما. الهدوء يغلّف المكان. بعض الرهبان يظهرون على فترات متباعدة خارجين من القلالی أو داخلين إليها. لمحتُ كذلك عدداً من الراهبات، يجلسن فى حلقات لأوقات بسيطة ثم يذهبن.

حينما قررت العودة اتجهت إلى مكاريوس حارس بوابة الدير. فتح لی باباً صغيراً بها. ابتسم فتلاشت حدة تقاطيعه ومد يده إلىّ بشیء ما قائلاً: صورة العدرا تحرسك.

………………

*المرجع:  «كتاب دراسات فى تاريخ الرهبانية والديرية المصرية.. مع دراسة مقارنة لرهبنة وادى النطرون حتى الفتح العربى»، تاليف الدكتور حكيم أمين، الناشر: «الجامعة الأمريكية بالقاهرة»

**الموضوع الفائز بجائزة دبى للصحافة الثقافية عام 2003

SQL requests:183. Generation time:1.171 sec. Memory consumption:39.18 mb