موقع الكتابة الثقافي uncategorized 15
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

مروة متولي

وحدها خديجة تذكرني بأنني متزوجة، وذلك في كل مرة تسألني فيها عن الحمل، إلا إنني سريعاً ما كنت أعود لأنسى، وهذا بالتحديد ما حدث منذ لحظات، حين خرجت لأسير نحو الشاطئ الذي لا يبعد عن البيت سوى خطوات قليلة، سألتني عن أحوالي. وأحوالي في مفهومها تتلخص في كلمة واحدة هي “الحمل”، أجبتها بالنفي كالعادة، فأبدت بعض الشعور بالأسى من أجلي، ثم نظرت إلى عيني بحدة، وقالت بحسم: لابد أن نجلس لنتحدث، سآتي إليك مساء بعد أن يأوي الأطفال إلى فراشهم. ثم ودعتني وانطلقت بسيارتها، لم أسألها إلى أين تتجه أو متى تعود، لم أكن أفكر إلا في مصطفى.

 في هذا الصباح البارد كنت أرغب في أن أمشي إلى أن أُنهك تماماً، إلا أن ذلك لم يكن ممكناً، فالبحر كان مخيفاً فوق العادة، وكنت أشعر بأن موجة واحدة من تلك الأمواج العاتية العالية، ليست قادرة على إغراقي وسحبي إلى أعماق الأطلسي كي أستقر هناك إلى الأبد فحسب، بل هي كفيلة بإغراق هرهورة بأكملها، بحيث تختفي بيوتها القليلة تحت الماء تماماً، فلا يعود الناظر من أعلى ذلك الجرف المطل عليها يراها كاملة كما كان يراها في السابق، لأن ذلك الجرف لن يكون سوى جرفاً مطلاً بشكل مباشر على البحر، ذلك البحر الذي بإمكانه أن يجعل أية بقعة يشاء كأن لم تكن.

سرت بخطوات مسرعة نحو مقهى ميرامار، كان البرد قارساً ولم يكن من الممكن الجلوس في الخارج. خلف الواجهة الزجاجية كنت أقف منهزمة، أنظر بخوف إلى ذلك البحر الهائج الذي يهددنا بغضبه من حين إلى آخر، بدأت أتحدث إلى النادل بلهجتي المصرية، إنه لا يمنحني تلك الابتسامة اللطيفة التي أحب أن أراها على وجهه إلا حين أتحدث بها، مع رائحة القهوة ذهبت بعيداً، الخيال، إنه عمل أحبه، إنه يحسن نسف الحقائق ويزيلها من الوجود.

سأجلس لأكتب قليلاً عن مصطفى، لأسكب الضوء الأثير عليه، لأنسب إليه أسمى الصفات وأرفعه إلى الذرى الشاهقة، لأنسج من حوله الحكايات. فهو من ذوي القلوب الشريفة التي لا تعرف اللؤم، أما عقله الذي توغلت فيه فهو غير بريء من الخطأ، فمصطفى ليس كاملاً، لكنه في نظري أكثر من كامل، إنه حاضر بوضوح في كل شيء، أراه في كل الأشياء، وفيه أرى كل شيء، حوله تحوم كافة الأشياء الجميلة المثيرة. سأمنحه حق الوجود في العالم الواقعي، على الرغم من أنني سأحيطه بكافة عناصر التخييل التي تحفظه بعيداً عن الحقيقة، إلا إنني بمجرد أن أكتب عنه سيصبح وجوده حقيقياً، ستكون الأكاذيب والمبالغات بالقدر الكافي تماماً لأن تكون مقنعة بأن مصطفى موجود بالفعل، على القارئ أن يصدق ما أكتبه، أن يثق في الخيال أكثر من الواقع، فهناك من الحقائق ما يجب أن يموت، ومن الأوهام ما يجب أن يحيا. سأكون عاشقة له أبداً، أخبرته بذلك إلا أنه لم يصدقني، كان يعرف أني أكذب، أشعر بالخوف الشديد من أن أفقده، أن يختفي هكذا فجأة، أن أظل أبحث عنه دون جدوى، أن تموت الكلمات اختناقاً ببطء شديد يحمل الكثير من الألم.

سأكتب عن السماء كما يتأملها، إنني أعرف كيف يمكن أن يتأملها، إن كل الأشياء في حظوة مصطفى، أما الحب، فيكفي بأن يقول للحب بأن يجيء إلى العالم. كان مصطفى يتحدث دائماً عن جوهر الأشياء، عن جمال الكون، كان يحتضن الأشجار ويلامسها بخده، كان يشير إلى النجوم ويحدثني عن أسمائها، كان يحب أن يلمس كل شيء بيديه، وكان يبدو أنه يستطيع أن يطال تلك النجوم، كان يمرر أطراف أصابعه على الشيء، كأنه يحاول أن يرى ويسمع بيديه، كان يفعل ذات الشيء معي، لا أزال أشعر بتلك الرقة العجيبة في أنامله. هناك أشياء جميلة إذن في هذه الحياة، أما مصطفى فكل شيء فيه جميل، كنت أحب أن أنظر إليه، أن أتأمل هيئته التي كانت قد جلبت انتباهي في أكثر لحظاتي شروداً، قامته الطويلة، ونحوله الذي يجعله يبدو أكثر طولاً. كانت لمحات غامضة جداً، شعور لم يمكن فهمه، تلك اللحظات السحرية بصحبة مصطفى، ذلك الشيء الذي بحثت عنه في كل مكان ولم أجده إلا في صحبته، سأكتب عن كل ذلك، وهذا ما أفعله الآن، علي أن أعيد إنتاج هذه المشاعر بالكلمات، إن مصطفى ليس خفياً غامضاً، إن هذه اللحظات التي عشتها كانت حقيقية، لو لم تكن حقيقية لبقيت إلى الآن أتساءل من أين أتى كل ما أشعر به.

حين التقيت بمصطفى ودخلنا معاً إلى الغابة، أدركت لحظتها أن شيئاً محزناً قد حدث، فكل ما بدأ سوف ينتهي، وقد شغلني مصطفى حينئذ إلى درجة أنني تجاهلت شعوري بذلك الأمر. في البداية شعرت بأن التجول في الغابة ليس نزهة، كما أذهلتني ضخامة الأشجار عندما رأيتها عن قرب، هناك قسط كبير من الغموض فيما يتصل بالغابة، إنها معقدة ومليئة بالتلافيف، بحيث لا يعرف المرء إلى أين يمكن أن يصل ولا في أية لحظة يمكن أن يتولد الرعب، إن كل درب من دروبها يرتبط بدرب آخر، فلا وسط ولا محيط ولا مخرج، فيها تتلاشى الحقائق المنطقية والزمانية، وهذا من أشد الأمور التي يواجهها الإنسان إخافة، للزمن طبيعة أخرى في الغابة، إنها أشياء أعيها الآن.

لم أعد أفكر في النهاية، كنت أستمتع بوجودي في الغابة بين أشجارها المتداخلة غير المنتظمة، إن روعتها في أنها لا تمتلك شكلاً، نستطيع أن نفككها ونشكلها كيفما نشاء، في الغابة لا قيود ولا شروط، إنها الغابة التي كنت أخشى الدخول إليها، الآن أتمنى ألا أخرج منها أبداً، في الغابة ينقلب الواقع إلى تخييل والتخييل إلى واقع، ويصير كل شيء شبيهاً بما يحكيه مصطفى، كم كان شعوراً ممتعاً بريئاً ذلك الضياع في أحضانه وبين ذراعيه.

ينبغي علي أثناء الكتابة أن أعود بكثرة إلى كلماته وأنقلها، تلك الكلمات الأولى التي سمعتها منه، كنت أفهم كثيراً ما كان يعنيه، كان وجهه يعبر عن كل كلمة ينطق بها، سأحاول أن أبقي على عفويتها، علي أن أستخدم تلك الكلمات وأن أجعلها ملائمة، كما علي استخلاص الحقيقة الكامنة في أعماقها فإن معانيها غير محدودة، كان يتحدث بلغة خاصة به، يتكلم دائماً في صيغة الماضي، إلا أن ما يقوله ليس من الماضي، لأنه يعود حاضراً بمجرد أن يقوله، وكأنه يحتضن سابق وجوده، أي أسلوب ينبغي أن أتبع؟ هل سأعتمد أسلوبه؟ إنه سيفرض إيقاعاً خاصاً بلا شك، هو الذي سيحدد اتجاه السير، سأتبع مصطفى الذي ما نسيته منذ أن حدقت يوماً في عينيه، ها هو مصطفى يتحدث، لأستمع إليه إذن.

…………

*كاتبة مصرية