موقع الكتابة الثقافي uncategorized 16
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

رحاب إبراهيم

“إن الكتابة الصادقة أقرب طريق إلى قلب القارئ”. هكذا تصف ثريا البقصمي  كتابتها،وهو ما يُعد مدخلاّ رئيسيا لاكتشاف عالمها الخاص.

وفي سبيل الوصول لقلب القارئ تستخدم الفنانة أجمل الأسلحة الإبداعية: البساطة والسخرية، فهذا العالم الرمادي القاسي لا بد لمواجهته من أسلحة كهذه.

هي غير معنية بتراكيب وصور فخيمة تبهر المتلقي وتفحم النقاد، هي معنية بحديث يخرج صادقا من القلب ليدخل فورا إلى القلب بلا ادعاء أو جهد.

تتكرر مقولة “في السفر سبع فوائد” ولايهتم أحد بتعريفها، لكن يمكن القول أن من أهمها هو اكتشاف النفس، واكتشاف الناس.

في كل قصص المجموعة هناك حالة من الانتقال المكاني سواء بالسفر أو الانتقال لبيت جديد، إذ يبدو أن هيرمس إله السفر والترحال في الميثولوجيا الإغريقية القديمة يعشش هنا.

في قصة “نو إنجلش” يوحي العنوان أن الراوية في مأزق افتقاد الوسيلة الأساسية للتواصل في الغربة وهي “اللغة”، حتى أن العنوان مكتوب باللغة العربية، وهي تعتمد تقنية المفارقة ما بين بداية مفعمة بالخطط والأمل ونهاية منهكة بعد رحلة توهان في الشوارع المتشابهة يتحول فيها مصدر الأمان المفترض “شباب يتحدثون نفس لغتها” لمصدر للعدوان والرعب “حفلة سخرية وتضليل”، ليتضح غياب قيمة هامة وهي تكاتف أبناء البلد الواحد في الغربة.

في قصة “روكي الطائر” الرحيل هنا ليس من نصيب الراوية، ولكن صديقتها هي التي تسافر وتطلب منها رعاية كلبها الضخم، هي التي ليست لديها أي خبرة عن رعاية الكلاب، ليتحول استقبال هذا الكائن الدخيل والتعامل معه إلى رحلة موازية.

تكرار الفقد أثناء السفر ملمح هام في قصص المجموعة، سواء فقد العنوان كما في القصة الأولى، أو فقد الحقيبة كما في قصة “يوم لا ينسى” أو فقد المحفظة في قصة “هواجس خريفية” أو فقد الهاتف  بكل مافيه من أرقام القريبين والذين لا تستطيع الوصول إليهم بدونها فكأنه فقد للأصدقاء المقربين كذلك، أو فقد النقود في شراء ما لاتحتاجه مكرهة كما في قصة “رأس خروف”.

هذا الفقد المتكرر يقابله ميل شديد للاقتناء كمحاولة للتعويض، فهي تجمع الكراتين مختلفة الأشكال والأحجام في “سيدة الكرتون” كمقابل لفقد البيت القديم المحمل بذكريات وأغراض لا يرى فيها الآخرون أهمية وتجمع البورسلان في “عاشقة  البورسلان” وفيها تختلط الرغبة في الاقتناء بالخوف من الفقد المستقبلي الناتج من عدم تقدير القيمة، حين تتخيل الراوية بناتها يتخلصن من مقتنياتها ويبعنها بأبخس الأثمان “أمنا كانت عاشقة وعشقها سريع الكسر، الأفضل التخلص منه”.

بجانب لعبة الفقد والاقتناء تتكرر أيضا تيمة “الخداع “، فهي تتعرض للخداع من آخرين بوصفها غريبة عن المكان كما في قصة “رأس خروف” والرقص مع الأموات.

يغلب على قصص المجموعة طابع السخرية، سخرية ليست استهانة بالحياة، بالعكس، إنما هي وسيلة للتغلب على مصاعبها وتجاوزها لأنها بالرغم من أي شيء جديرة بأن تعاش.

والسخرية من النفس من أشجع الحيل في الكتابة، فهي تبدو ظاهريا في موقف الضعف ولكن في الواقع هي منتهى الثبات، حيث القدرة على الرصد والخروج من الحالة الضعيفة والنظر اليها كراصد لا كمتورط.

هذه البساطة لا تخلو أيضا من العمق ونفاذ الرؤية والنقد البناء، يضاف إليها كثرة الأسفار مما يضفي عليها تنوع التجربة الحيايتة.