81.jpg
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

في كتابه (القراءات المتصارعة ـ التنوع والمصداقية في التأويل) / ترجمة وتقديم: فلاح رحيم ناقش (بول آرمسترونغ) علاقة الفرضيات بالفهم الأدبي عند (ليو سبيتزر) والتي تحدث عنها في كتاب (علم اللغة والتاريخ الأدبي) حيث أكد أن هذا الفهم: (لن يتم بلوغه بالتقدم التدريجي من تفصيل إلى آخر، لكن باستباق الكل أو التكهن به .. لا يمكن أن يُفهم التفصيل إلا بوساطة الكل وكل تفسير للتفصيل يفترض مسبقاً فهماً للكل) .. هذا ما يقودني للتأكيد على أهمية الافتراضات التي قد يبدو مسارها العكسي معادياً حد التطرف لما يُعتقد أنه استنتاج بديهي لنظام محسوم، مدرك الترتيب وواضح المدلولات .. إن قوة هذه الافتراضات تتجلى على نحو أكثر شبقاً وحدة كلما استغرق النص في هويته الظاهرية المسالمة، وأصواته المحددة والمألوفة

في كتابه (القراءات المتصارعة ـ التنوع والمصداقية في التأويل) / ترجمة وتقديم: فلاح رحيم ناقش (بول آرمسترونغ) علاقة الفرضيات بالفهم الأدبي عند (ليو سبيتزر) والتي تحدث عنها في كتاب (علم اللغة والتاريخ الأدبي) حيث أكد أن هذا الفهم: (لن يتم بلوغه بالتقدم التدريجي من تفصيل إلى آخر، لكن باستباق الكل أو التكهن به .. لا يمكن أن يُفهم التفصيل إلا بوساطة الكل وكل تفسير للتفصيل يفترض مسبقاً فهماً للكل) .. هذا ما يقودني للتأكيد على أهمية الافتراضات التي قد يبدو مسارها العكسي معادياً حد التطرف لما يُعتقد أنه استنتاج بديهي لنظام محسوم، مدرك الترتيب وواضح المدلولات .. إن قوة هذه الافتراضات تتجلى على نحو أكثر شبقاً وحدة كلما استغرق النص في هويته الظاهرية المسالمة، وأصواته المحددة والمألوفة

ماذا لو افترضت أن قصة (بوليسلوف) لـ (مكسيم جوركي) سلسلة من الأكاذيب السردية التي تؤكد حالة إنكار لدى الراوي الذي يحكي القصة وفقاً لخطاب صديقه؟ .. ماذا لو تصورت أن القصة قد حدثت بطريقة مضادة تماماً؟ .. هناك استفهام من المنطقي أن يُخلق بداية عن ضرورة أن يُحيل الراوي القصة إلى صديق له كي يسردها من خلاله باعتباره بطلها .. ما الذي كان سيتغير لو أن الراوي قد سرد الحكاية بوصفه صاحبها .. هل هو التقديس المفرط للواقعية ذلك الذي دفع (جوركي) لتوثيق الأمر كما حدث بالفعل بصرف النظر عن التطلب الفني، أم أن هناك مسافة ما كان يجب أن يتركها الرواي بينه والقصة .. مساحة انفصال استباقية، وربما غير ملحوظة يؤسس من خلالها الراوي ـ قد يكون (جوركي) نفسه ـ عدم انتماء الحكاية إليه .. إثبات تلقائي أنه مجرد وسيط محايد بيننا والبطل الحقيقي للقصة .. هذا الاحتمال يسانده عدم الثقة في الأصل الواقعي للحكاية ـ لو كان موجوداً حقاً ـ وكذلك غياب المبرر النصي ـ كما سبق وأشرت ـ لعبارة البداية: (يوماً ما حدثني صديق لي قال).

بتتبع هذا الافتراض ستنتظم الخطوات التأويلية داخل القصة بهذه التحولات المناقضة: ليست هناك جارة بولندية غريبة الأطوار اسمها (تيريزا) بل اخترعها الراوي (المختبيء) مثلما قام باختراع الصديق الذي ألصق الحكاية به .. (تيريزا) المتوهمة كانت هي السبب المنطقي الذي  يلزم الراوي للحصول على رسائل حب من فتاة لها وجود فعلي، يمكنه في المقابل أن يكتب ردوداً لها كعاشقين تقليديين .. التركيز على القبح المخيف لمظهرها الخارجي، ولسلوكياتها هو ترسيخ لهاجس التبرؤ من العلاقة؛ إذ أن هذه السمات ستقطع على الفور ودون جهد أي صلة أو ارتباط بين البطل واحتياجه لحضورها .. تشكل هذه الملامح الباعثة للاشمئزاز ـ كما قرر الراوي ـ حاجز صد مضموناً ينفي بداهة فكرة (اختراع) فتاة بهذه السمات، بل على العكس يمثل النفور عامل تقوية لوجودها ككيان غير متوهم .. كأن (جوركي) يشيّد حماية مضاعفة لشاب اختلق فتاة يمكنها أن تذيب وحدته بالعاطفة عن طريق الرسائل التي يكتبها بنفسه، ولها من الخصائص الجسدية والطباعية ما يلزم لهروبه من مطاردتها إمعاناً في إخفاء الألم، والذي يتطلب أن تمحوه هذه الفتاة ـ فلنتأمل عبارتها إليه: (أنت تبدو شاباً مرغوباً فيه) .. هكذا يمكن تضليل الوحدة أي عدم الاعتراف بوجودها عن طريق تخيل كائن يتولى إعادة إنتاج من تخيله في صورة أخرى .. صورة الشريك في قصة حب .. الفتاة المتوهمة تخلق شخصاً حقيقياً إذن وليس خيالياً فـ (بوليسلوف) هو السارد الذي اختلق (تيريزا) كي يستقبل رسائل بواسطتها، ولهذا فالبطل كان يكتب رسائل لنفسه مدعياً تحقيق أمنية فتاة وحيدة موجودة حقاً بينما هو في الواقع يحاول التخلص من جحيم شخصي وراء حجاب سميك .. (كتبتُ الرسالة مليئة بعبارات الحب والوله واللطف كما لو كنت أتمنى أن أكون أنا بوليسلوف، ومن أية فتاة تردني هذه العبارات، إلاّ تيريز) .. لو أردنا أن نُعين تلخيصاً لهذا الاشتباك سيكون كالآتي: شخصية تكابد الوحدة، تخترع صديقاً .. الصديق يخترع فتاة .. الفتاة تخترع الشخصية الأولى بكيفية مغايرة فيتحوّل إلى كائن مختلف (عاشق ومعشوق).

نهاية القصة تتسق بشكل ما مع بدايتها فيما يتعلق بالاستفهام الذي ينبعث بقوة من حالة مبهمة: ما هي الشبهة التي أودعت (تيريزا) بسببها السجن؟ .. إن الإيمان بحتمية توثيق الواقع منذ البداية ـ لو كانت القصة نسخة مطابقة تماماً للواقع بالفعل ـ كان يفرض بالضرورة الكشف عن طبيعة الشبهة التي قادت الفتاة إلى السجن، وأتصور أن في ذلك أهمية سواء على المستوى الواقعي أو النصي .. لكن ما حدث بدا لي كمحاولة عاجلة لإنهاء الأمر .. وضع حد سريع للوهم .. التخلص من الذاكرة التي تحتوي هذا الماضي بأي طريقة دون رغبة في تفسير شيء .. (لابد أنها ماتت) .. كأن الراوي يدفن هذا الجزء من الزمن بلا اعتبار للكيفية التي يفعل بها ذلك .. (تيريزا) تدخل السجن وتموت .. هكذا فقط .. أسئلة (كيف)، و(لماذا) لا تعنيه هنا .. الفتاة المخترعة أنجزت مهمتها في منح الراوي (بوليسلوف) ما كان في حاجة إليه: أن يستقبل رسائل حب من فتاة، وأن يكتب ردوداً لها .. (هكذا أشعرُ أن ثمة بوليسلوف يحيا في مكان ما. لا أعرف أين. وهكذا أستطيع التواصل في الحياة فتصبح عندي أقلَّ صعوبةٍ، أقلَّ فضاعةٍ. وأقلَّ حدّة).

………………..

بوليسلوف

مكسيم غوركي

ترجمة : زيد الشهيد

يوما ما حدثني صديق لي قال : كنت أواصل دراستي في موسكو ؛ متًخذا مسكناً صغيراً حيث كانت جارتي البولندية التي أسمها ” تيريزا ” فتاةً غربيةَ الأطوار . يمكنني وصفها بأنها طويلة القامة , قوية البنية . لها بشرة داكنة , وحواجب ثخينة , وملامح فضًة كما لو أن فأساً أحدث كل هذه الشروخ البارزة في وجهها .. عيناها غائمتان ؛ وصوتُها خشنٌ وعميق ؛ فيما تصرفاتُها تشبه سلوكيات رجلٍ صرفَ حياته في الشجارات والعراك الدائم . كانت ثقيلة الجسد ، ومظهرُها الخارجي يعرض قبحاً مخيفاً . تسكن غرفةً تقابل غرفتي في الطابق العلوي من البناية التي نسكنها ، لذلك غالباً ما ألتقيها عند السلَّم أو في الفناء . ترميني بابتسامةٍ تغلّفها السخرية ، وغالباً ما أبصرُها عائدةً إلى البيت بعينين حمراوين وشعرٍ يتخلّى عن انتظامه . وقد نتواجه فتروح تحدّق بي ثم تهتف : ” مُرحِباً : أيها الطالب !

ضحكتُها تبعثُ على الاشمئزاز ، لذلك قررتُ تغيير غرفتي تجنباً لرؤيتِها .. وفعلاً حظيت بمكانٍ أشعرني بالارتياح خصوصاً وثمَّةَ نافذةٌ أستطيعُ من خلالِها ملاحظة المدينةِ بشوارعِها المنفتحة الهادئة . وكثيراً ما جلستُ طويلاً أتشبّعُ بالمشاهدة وأنهلُ من الهدوء .في أحدى الصباحات : وبعد أن انتهيت من ارتداءِ ملابسي وارتميتُ على السرير فُتحت الباب فجأةً فإذا بـ تيريزا ” تقف عند العتبة :

مرحباً أيها الطالب !.. قالتها بنبرتها الخشنة المعهودة .

ماذا تريدين ؟! . سألتها مستغرباً .

حين أمعنتُ النظر رأيتها بوجهٍ اكتسى تعابيرَ مرتبكة وخجولة لم أبصرها فيه من قبل .

أيها الطالب !.. قالت وأكملت : ” أريد أن أسألك معروفاً وأرجو أن لا ترفضه ” .

لم أقل شيئاً إنَّما هي التي استمرت : ” أريدك أن تكتب لي رسالة إلى أهلي !” .

ماذا تبغي هذه الفتاة برب السماء ؟!.. قلتُ مع نفسي . قفزتُ من على السرير متخذاً مجلسي عند المنضدة ساحباً ورقةً ومقرّباً قنينة الحبر .قلتُ :

تعالي : اجلسي وأملي عليّ ما تودّين .

دخلت جالسةً باحتراس ، ُمطلِقةً نظرةً حادّة باتجاه عيني .

حسناً .. لمن أوجّه الكلام ؟

إلى ” بوليسلوف كاشبوت ” الذي يقطن في سوينزياني ” قريباً من محطة قطارات وارشو .

وماذا تطلبين أن أكتب له ؟ .. هيّا ! قولي .

عزيزي بولص .. حبيب قلبي .. حبّي .. روحي . إلهي يحفظك من كلِّ مكروه … عزيزي لماذا لم تكتب لحمامِتكَ الصغيرة الوديعة منذ زمن بعيد ؟ . لماذا لا تكتب لتيريزا التي تشعر بحزن عميق ؟! بصعوبة بالغة تمالكتُ نفسي من الضَّحك .. ” أهذه حمامة ؟! .. أهذه التي طولها ستة أقدام ، ذات القبضة القوية والوجه الحاد والعافية الكاملة والتي تشبه مخلوقة صرفت عمرَها تكنس سخام المواقد الشتوية يمكن اعتبارها حمامة وديعة وصغيرة ؟! ” ..

ضبطتُ نفسي ، واحتفظتُ برباطة جأشي . ورحتُ أسألها :

من هو بوليسلوف ؟

بولص : يا سيدي !” .. رددّت الاسم بإعجابٍ كما لو كان من المستحيل نكران مَن يكون بوليسلوف هذا .

سأتزوج بولص .

تتزوّجيه ؟!

ولماذا أنت مندهش ! أيها الطالب ؟ ألا يمكن لشابة مثلي امتلاك حبيب ؟

شابة ؟! .. أيةُ نكتة ! .. ولكن ربّما .. قد يحدث ذلك . كل شيْ جائز .. منذ متى وأنتما مخطوبان ؟ . – منذ عشرة أعوام .

نعم .. كتبتُ الرسالة مليئة بعبارات الحب والوله واللطف كما لو كنت أتمنى أن أكون أنا بوليسلوف ، ومن أية فتاة تردني هذه العبارات ، إلاّ تيريزا .

شكراً لك من قلبي أيها الطالب .

كانت بالغة التأثر ، فسألتني ردّاً للجميل :

هل تطلب مني خدمة أؤديها لك ؟

لا : شكراً .

أستطيع إصلاح قميصك أو أي من ملابسك أيها الطالب . كان هذا ما يزعجني أحياناً . ومع ذلك شكرتها قائلاً : لا أحتاج .

في إحدى المساءات وكان قد مرّ أسبوعان على كتابة الرسالة كنتُ جالساً عند النافذة أصفِّرُ وأتركُ لعيني التجوال تسليةً ، مفضلاً عدم الخروج بسبب رداءة الجو عندما فُتحت الباب بغتةً .لقد كانت تيريزا !

أيها الطالب . أرجو أن لا تكون منشغلاً .. حسناً :لا أرى أحداً عندك.

لماذا ؟

أريدك أن تكتب لي رسالة .

إلى بولص ؟

كلا .. أريدك أن تكتب ردّهُ .

ماذا ؟ . . صرختُ مندهشاً .

اعذرني ، أيها الطالب . أنا غبية . لم أعبر عن نفسي بصورة واضحة . رسالة ليست لي بل لواحدة من صديقاتي .. فهي لا تعرف الكتابة ، ولها حبيب مثلي .

أتطلعُ فيها فأحصد خجلاً يغمر وجهها ، وارتعاش كفّيها يفضحان كذبة لم تُصدق .

اسمعي أيتها الفتاة . كل ما قلتيه عنك وعن بوليسلوف كان خيالاً مَحظاً .، وأنت تكذبين . إنهُ ليس إلا عذراً للحضور إلى هنا . لا أريدك أن تلعبي مثل هذه الأفعال مرّة أخرى … أفهمت ؟

رأيتُ الخوفَ يكتسحها .. إحمرّت خجلاً . أرادت أن تقول شيئاً لكنها عجزت ، حتّى أنني شعرتُ باضطهادها . لا بدّ أنْ ما دفعها لفعلِ ذلك ! ولكن ما هو ؟!

– ” أيها الطالب .. ” توقفت لتقول شيئاً ، لكنّها بلمحةٍ مباغتة استدارت خارجةً من الغرفة .

مكثتُ مكاني وفي قلبي مشاعر واحتدامات ضاغطة . سمعتها تغلق الباب بعنف ما أشعرني بأنها خرجت غاضبة . لذلك صممّت على دعوتها للعودة شاعراً بالأسف ومقرراً كتابة الرسالة ,خطوت صوب غرفتها . لمحتها جالسة عند منضدتها وقد رمت بوجهها بين كفّيها .

يا فتاتي ، أنتِ ..

عندما أصل إلى هذا القدرِ من القص أشعرُ دائماً بأسىً عميق .قفزَت من مكانها ؛ ومباشرةً توجَّهت إليَّ بعينين مشرقتين ، واضعةً ذراعيها على كتفي . ثم شرعت تنشج باكية كما لو أنَّ قلبها يتفطَّر .

ما الاختلاف إن … إن كتبتَ .. أسطر .. قليلة ؟ آ .. أنتَ تبدو شاباً مرغوباً فيه !.. نعم ، لا يوجد ثمّة بوليسلوف … وليست هناك تيريزا ! هنالك أنا فقط .. أنا وحيدة .

ماذا ؟! هتفتُ مصعوقاً بكلماتها : ” لا يوجد بولص مطلقاً ” .

لا ..

ولا تيريزا ؟! .

لا .. أنا هي تيريزا .

تطلعتُ إليها مذهولاً ” أحدنا هو المجنون ” ..

عادت إلى منضدتها . استخرجَت قطعة ورق : هنا ! ” قالت ” هذا ما وردني .. هنا ! .. خذ هذه الرسالة التي كتبتها لي . الناس الآخرون ذوو القلوب الرحيمة ستكتب لي بدَلك .” أمسكتُ الرسالة التي كتبتها لبوليسلوف المُتخيّل :

اسمعي تيريزا . لماذا كل هذا ؟ لماذا تريدين الناس أن يكتبوا لكِ بينما أنتِ لم تبعثي الرسالةَ هذه ؟

لمَن سأبعثها ؟

لم أدري ما أقول .. كل ما فعلته هو أنّي تحركتُ خارجاً . لكنَّها انطلقت تفوه :

لا يوجد بوليسلوف . أنا خلقته وأردته أن يعيش . أدري أنني ليست كمثل الآخرين . أعرف أنني لا أتسبب بأذى أحد لو أنا كتبتُ إليه .

ماذا تقصدين بقولكِ ” إليه ” ؟ .

إلى بوليسلوف طبعاً ؟

لكنكِ تقولين لا يوجد شخصٌ بهذا الاسم !

نعم .. وما الضرر في عدم وجوده .. أكتب إليه كأنَّه رجلّ حقيقي . وهو أيضاً يردُّ عليَّ . أكتب له مرة أخرى ، ومّرة أخرى هو يرد .

وأخيراً فهمتُ . لقد أحسستُ بالذنبِ والخجلِ وبصدمةٍ مثلَ طعنةِ ألمٍٍٍ . آآ .. إلى جانبي تسكنُ إنسانةٌ فقيرة ليس لها ما يقابلُها من روح تبثُّه العواطفَ وتُظهِر له الخلجات .. لا أبوان لها ، لا أصدقاء . لذلك اخترعت لنفسها رجلاً تبثه خلجاتها .

استمرَّت تخاطبني بأسىً عميق : ” الرسالةُ هذهِ التي كتبتها لي لتصل إلى بوليسلوف طلبت ُ من شخصٍ آخر يقرأها لي وبصوت عالِ . استمعتُ وتخيلتُ أن بوليسلوف رجلٌ يحيا في هذا العالم . ثم طلبتُ إجابةً من بولص إلى حبيبته تيريزا .. إلي . هكذا أشعرُ أن ثمة بوليسلوف يحيا في مكان ما . لا أعرف أين . وهكذا أستطيع التواصل في الحياة فتصبح عندي أقلَّ صعوبةٍ ، أقلَّ فضاعةٍ . وأقلَّ حدّة ” .منذ ذلك اليوم وأنا أكتب الرسائل . اكتبها مرتين في الأسبوع . رسائل مرسلة من تيريزا إلى بوليسلوف ؛ وأخرى من بوليسلوف إلى تيريزا .

أقول كلماتي المليئة بالعاطفة ؛ وبالأخص الردود ، وهي تصغي إلى القراءة باكية ، ضاحكة ؛ ولكن سعيدة . وفي المقابل صارت تعتني بملابسي . ترتِّق قمصاني وجواربي ، وتنظف حذائي ، وتمسح قبعتي وتفرّشها .بعد ثلاثة أشهر ألقي القبض عليها بشبهةٍ فأودعت السجن . ولم أرها بعد ذلك .لا بدَّ أنها ماتت .

تعليقات القراء

مقالات من نفس القسم

SQL requests:189. Generation time:2.909 sec. Memory consumption:44.25 mb